في مشهد يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق مصيري، حيث تتقاطع تداعيات حرب إقليمية متسعة مع أزمة داخلية هي الأشد عنفاً منذ انتهاء حربه الأهلية قبل أكثر من ثلاثة عقود.
فبينما تشتعل الجبهة الجنوبية في مواجهة مفتوحة بين “حزب الله” وإسرائيل، والتي تأتي في سياق التصعيد الإيراني-الأميركي، يشهد الداخل اللبناني انهياراً متسارعاً في بنيته الاقتصادية والسياسية والأمنية، إضافة إلى الاجتماعية بفعل موجة النزوح الضخمة للسكان المدنيين، الأمر الذي زاد من الضغوط على البلاد، وسط مخاوف حقيقية من أن يكون لبنان مجدداً “مختبراً” لتجريب مشاريع تفكيك المنطقة، في وقت يعجز فيه السياسيون عن انتشال البلد من مستنقع الفساد والتدهور.
تحذيرات دولية من السقوط
يغرق لبنان منذ سنوات في انهيار اقتصادي حاد لم يهدأ منذ عام 2019، وقد جاء هذا التصعيد ليقضي عملياً على أي تعافي اقتصادي محتمل، بينما تحذر أصوات دولية من أن لبنان “على حافة الانهيار” بالفعل، فقد دعا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحفي مشترك في أنقرة مع نظيره الألماني يوهان فاديفول، الشهر الجاري، إلى وقف عاجل للهجمات الإسرائيلية على لبنان قبل أن تنهار الدولة، كما حذر من مخططات إشعال حرب أهلية في إيران، مشيراً إلى أن اتساع رقعة الحرب لا يزال قائماً

كما تزايدت في الأيام الأخيرة التحذيرات الصادرة عن دوائر دبلوماسية أميركية رفيعة المستوى بشأن احتمال انهيار لبنان بشكل كامل، في ظلّ استمرار المواجهات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل واتساع رقعة الدمار في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت.
في إطار ذلك استعرض خبراء ومحللين، الأبعاد الخطيرة التي تهدد لبنان، من سيناريوهات التقسيم المقنّع التي تستند إلى تاريخ من الصراعات، إلى الانهيار الاقتصادي الذي حول حياة المواطنين إلى جحيم يومي، وسط غياب الدولة وتآكل دورها المؤسسي.

وفي هذا الصدد لفت المحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز إلى تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما تتبعه من اختلال توازنات في المنطقة، إضافة إلى ما وصفه بـ”الأخطاء الاستراتيجية” في مواقف طهران الأخيرة تجاه بعض الدول العربية الخليجية التي فتحت المجال لاتساع دائرة التوتر والصراع.
كما أوضح خلال حديثه مع “الحل نت” كيف أن انخراط “حزب الله” في الحرب إلى جانب إيران، تجاوز كثيراً الاعتبارات اللبنانية الداخلية وكيف ناقض النصائح التي رُفعت إليه بعدم “المغامرة الانتحارية”، وذلك دون توافق وطني واضح، مما يفقد الدولة اللبنانية السيطرة ويقيد قدرتها على إدارة أزماتها المتفاقمة.
مخطط بثلاثة أهداف خطيرة
في إطار ذلك، حذر الرز من أن إسرائيل تعمل على تنفيذ مخطط مُصاغ بثلاثة أهداف متوازية في لبنان، موضحًا أن الهدف الأول، هو إنشاء “منطقة عازلة” جنوب نهر الليطاني، تمتد من بلدة الناقورة غرباً إلى سفوح جبل الشيخ شرقاً، تُفرغ إسرائيلياً من سكانها وتُدمّر بنيتها التحتية لمنع عودة الحياة إليها، وترسخ واقعاً أمنياً جديداً على الأرض.
وأضاف أن الهدف الثاني، الأكثر خطورة، يكمن في تقسيم هذه المنطقة إلى كيانات فرعية؛ إحداها تمتد من السويداء السورية إلى مزارع شبعا اللبنانية ثم مناطق مرجعيون وحاصبيا، تحت مسمى منطقة حكم ذاتي للدرزيين، أما القسم الثاني القريب من الساحل يطلق عليه تسمية “منطقة ترامب الاقتصادية” المرتبطة بمشاريع دولية تتعلق بمبادرات اقتصادية سابقة كان اقترحها الرئيس الأميركي.
وشدّد على أن دلائل عديدة اليوم تشير إلى أن هذا المخطط لا يزال قيد التنفيذ أو الاختبار على الأرض، وأنه كان ينبغي على “حزب الله” نزع ذريعة تنفيذ هذه المقترحات عوضاً عن توفيرها، محذرًا من أن استمرار هذا المسار يصعد لبنان نحو حافة التفكك من جديد، في ظل غياب توازن داخلي قادر على تثبيته.
رهان الإنقاذ العربي
أكد الرز على أن الضمانة الواقعية الوحيدة لحماية الكيان اللبناني لم تعد في التحالفات الخارجية التقليدية أو الحمايات المنفردة، بل في إحياء مصفوفة العمل العربي المشترك، مشيرًا إلى الطرح الذي تقدم به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ سنوات لخلق “قوة عربية مشتركة” للدفاع الإقليمي، الذي صدر بشأنه قرار بالموافقة خلال القمة العربية في شرم الشيخ عام 2015.

ورأى أن تفعيل مثل هذه المبادرات قد يوفر إطاراً عملياً للتكاتف وحفظ أمن لبنان ضمن منظومة عربية متكاملة، بدلاً من وقوعه فريسة لمشاريع خارجية، مختتمًا بأن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة عميقة للرهانات السياسية الإقليمية.
وأكد أن الخيار الوحيد القابل للحياة يظل مشروع تكامل عربي شامل يحترم خصوصيات الدول ويعزز دفاعها المشترك، محذراً من أن البديل عن ذلك هو مزيد من التفكك والانكشاف في منطقة منفتحة على تصعيد محتمل من عدة جهات.
انهيار اقتصادي يواكب الحرب
كما يعاني لبنان أيضاً من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة تواكب الحرب، ففي حديث منفصل لموقع “الحل نت”، قدّم المحلل الاقتصادي عبدالرحمن أياس قراءة معمقة لهذا الجانب من الأزمة، مؤكداً أن ما يعصف بالاقتصاد اللبناني يتجاوز الضغوط الإقليمية الجارية، فهو كابوس تراكمات محلية عميقة بدأت منذ عام 2019.
وقال أياس إن الانهيار المالي والنقدي الذي حلّ آنذاك كان الشرارة الأولى لسلسلة أزمات متلاحقة، من جائحة كورونا إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى حرب 2023–2024، ولم تتم معالجتها فعلياً، فجاء التصعيد العسكري الحالي ليُضاعف فتكها، وأضاف:
“في ظلّ التصعيد الإقليمي الراهن.. إن ما يعيشه لبنان ليس ناتجاً عن التطورات الإقليمية فقط، بل نتيجة تراكمية لمسار انحداري بدأ منذ عام 2019.. وقد تفاقم بفعل الأزمات المتلاحقة، بما فيها تداعيات الحرب في الجنوب وما رافقها من نزوح داخلي وضغط إضافي على البنية التحتية والخدمات”.
ولفت إلى أن الضغوط الأمنية الجديدة في الجنوب لم تنجُ لبنان من أحد شظايا الأزمة القائمة أصلاً، بل عمّقتها، مشيرًا إلى أنه خلال الأيام الأولى من الحرب الراهنة اضطرت الكثير من الشركات إلى تقليص ساعات عمل الموظفين إلى النصف أو إغلاق أبوابها بالكامل.
ضربة مزدوجة للاقتصاد
أوضح أياس أن ذلك انعكس سلباً على دخول العاملين التي كانت في الأصل منخفضة، وبات يبلغ تعداد من لا يزالون يتقاضون أجورهم بأقلّ من نصف ما كانوا يتقاضونه قبل 2019 نسبة كبيرة من القوى العاملة، مؤكداً أن هذه الضربة المزدوجة نتج عنها إعادة الكساد الحاد بعد فترة انتعاش قصيرة، وهجرة العمالة،
هناك توقعات بأن يتحول النمو الاقتصادي المتواضع الذي بلغ نحو 5 بالمئة في 2025 إلى انكماش حاد قد يصل إلى 10بالمئة إذا طال أمد الحرب.

ويلفت أياس إلى أن التصعيد الأخير أيضاً دمر جزئياً بعض المنشآت الاقتصادية الحيوية، ما دفع الخسائر اليومية للاقتصاد اللبناني إلى مستويات قياسية.
في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط” أفاد أمين عام الهيئات الاقتصادية، نقولا شماس، بأن تكاليف الحرب السابقة عام 2024 وفقًا لـ”البنك الدولي”، بلغت ما يقرب من 14 مليار دولار، أي نحو 225 مليون دولار يومياً، ويُقدّر في ظل الظروف الراهنة أن فاتورة اليوم الواحد من الحرب الحالية تبلغ نحو 100 مليون دولار، مشيرًا إلى أن هذه الخسائر تتضمن الأضرار المباشرة في البنية التحتية والقطاع الخاص، وكذلك تكاليف إيواء ومساعدة النازحين.
وأوضح شماس أن قطاعات حيوية كالسياحة والسفر أفلست عملياً، فسجلت نسبة إشغال الفنادق أقل من 10بالمئة، فيما تقلّص الطلب على الخدمات السياحية مثل تأجير السيارات والشقق المفروشة بأكثر من 80 بالمئة، كما انخفض الإنتاج الصناعي والتجاري بنسبة تتراوح حول 50 بالمئة، ونمت البطالة إلى مستويات قياسية بلغت بين 46 و48 بالمئة.
اقتصاد الظل يبتلع الدولة
من الناحية المالية، يشير أياس إلى أن الاقتصاد اللبناني يتحوّل تدريجياً إلى “اقتصاد نقدي غير رسمي”، إذ تعمل المؤسسات المالية الدولية تحت تأثير العقوبات المفروضة على إيران وحلفائها على تشديد إجراءات الامتثال، مما رفع أسعار التحويلات وقلص العلاقات المصرفية المراسلة مع بيروت، مشددًا على أن ذلك يسرع توسع السوق السوداء ويحرم المصارف اللبنانية من الثقة.
وفق تقارير صندوق النقد الدولي، فإن اتساع هذا الاقتصاد النقدي يعد أحد العوائق الكبرى أمام استعادة الاستقرار المالي، بسبب ضعف الشفافية وتراجع قدرة الدولة على تتبع التحويلات.
وأدى هذا الانسحاب المصرفي مصحوباً أيضاً بتراجع دور الدولة الرقابي والتنظيمي إلى تفشي شراهة القطاع غير الرسمي، فمع استحالة تقاضي كثيرين رواتبهم بالدولار أو تحويلها من الخارج، باتت لقمة العيش تتركّز في السوق السوداء والعملات البديلة، ولهذا تحوّل جزء كبير من الاقتصاد إلى “أنشطة تحت الطاولة” لا تخضع للضرائب ولا يسجلها الميزان التجاري، مما أثر سلباً على إيرادات الدولة وقدرتها على تنفيذ سياساتها المالية والنقدية.
فجوة الدخل والدولرة
بيّن أياس أن هذا الوضع فاقم أيضاً فجوة الدخل، فبينما يتقاضى قسم من اللبنانيين دخولاً بالدولار الأميركي مع ثبات قيمتها، تتهاوى دخول المعيشة الحقيقية لمنخفضي الأجر بالليرة اللبنانية، التي فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها أمام الدولار.
أما الظاهرة الأبرز في الأسواق حالياً، فهي “الدولرة شبه الكاملة” في التسعير والمعاملات، ورغم أن ربط السلع الأساسية بالدولار حدّ بشكل نسبي من ضغوطات التقلب في الأسعار الناجمة عن تقلّب سعر الصرف، فإن أي تأثير إيجابي على القدرة الشرائية يبدو ضئيلاً، نظراً لتضخم الخدمات الأساسية والسلع الأساسية، فالأسعار بقيت مرتفعة جداً حتى بالدولار نفسه.

وبهذا الصدد، يرى أياس أن الدولرة لم تحسّن الوضع المعيشي بل عمّقت من حدة الانخفاض في القيمة الحقيقية للأجور، وتناول ذلك من زاوية التضخم بالقول إن لبنان يشهد انتقالاً نحو “تضخم بنيوي”، ليس مرتبطاً أساساً بانهيار العملة كما في المراحل الأولى للأزمة، بل ناتج عن اختلالات في سلسلة الإمداد وارتفاع التكاليف وضعف المنافسة في عدد من القطاعات.
وأشار إلى أن الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء والنقل تضاعفت تكاليفها بشكل أثقل ميزانيات الأسر، وجعلت السلة الأساسية للمعيشة عبئاً متواصلاً على المواطنين، حتى ولو توقفت هبوط العملة في فترات معينة.
شروط التعافي المؤجل
في نظرة استشرافية لآفاق التعافي، يؤكد أياس أن استعادة التوازن الاقتصادي في لبنان تبقى من الناحية النظرية ممكنة، فقد أكّد تقريران حديثان للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الإصلاحات يمكن أن تخرج لبنان من نفق الأزمة.
غير أن ذلك مرهون بشروط معقّدة ومتشابكة، وأبرز هذه الشروط ما ذكره أياس، أولاً تحقيق قدر من الاستقرار الأمني يمنع تجدد الصراعات الداخلية ويمنح المسوّقات الإصلاحية فرصة للعمل، وثانياً عودة مؤسسات الدولة إلى عملها الكامل خاصة في مجال الحوكمة المالية، لافتًا إلى أن التشريعات والنظم الجدارية التي أقرّتها الحكومة السابقة للنهوض بالاقتصاد ومكافحة الفساد يجب أن تترجم إلى واقع مستقل عن أجندات المحاور الخارجية.
وأضاف أن ثالثاً إطلاق إصلاحات هيكلية جذرية، تشمل على رأسها إعادة هيكلة القطاع المصرفي المتعثر عبر قانون جديد لإدارة وحجز الديون الحكومية، وتوحيد سعر صرف الدولار عبر آلية شفّافة، وفرض رقابة مالية على حركة السلع لاستعادة الاستقرار المالي، بالإضافة إلى ضرورة تعزيز الشفافية العامة والتنسيق مع الجهات الدولية المانحة لوضع خطة إنقاذ واضحة يرافقها دعم مالي دولي كالجسر بين انهيار الاقتصاد الرسمي والعودة إلى الثقة.
تكيّف هش بدل التعافي
أما في المقابل، فقد أبدى أياس قلقه من أن استمرار غياب الاستقرار الإقليمي والفراغ السياسي الداخلي سيبقي الاقتصاد في حال “تكيّف هش”، بعبارة تكرّرها بعض التقارير الدولية، ومقصود هذا التكيّف هو محاولة المجتمع اللبناني البقاء على قيد الحياة عبر آليات ظل وبدائل مؤقتة، مثل التحويلات المالية إلى الخارج والاقتصاد النقدي والقنوات العائلية والقبائلية، من دون معالجة جذور الأزمة، مشيرًا إلى أن التجربة أثبتت أن هذا التكيّف غير المستدام لا يخرج لبنان فعلياً من الأزمة، بل يؤجّل الانهيار الكامل فقط.

وفي ختام تصريحه، كرّر تأكيده أن آثار العقوبات والتحوّلات الإقليمية عامل مضاعف لأزمة عميقة قائمة أصلاً وليس سببها الجذري، مضيفاً أن مفتاح الحلّ هو داخلي في النهاية.
وأكد على أن اللبنانيون وحدهم، عبر استعادة مؤسساتهم التمثيلية وإعادة بناء الثقة محلياً ودولياً، من يملكون القرار الأخير في إنقاذ بلادهم، رغم البيئة الإقليمية المضطربة التي لا تزال تفتقر إلى أي حزام أمان مستقر.
- معايير جديدة لدخول السوريين إلى لبنان.. من يحق له الدخول وكم مدة الإقامة؟
- “نريد فقط الضمانات”.. تأييد مجتمعي من عوائل الفصائل و”الحشد” للدمج وحصر السلاح
- الدعم الصيني لإيران وأمن الخليج: تقاطعات الطاقة والسياسة في قمة ترامب وشي
- إيران تهدد بتعطيل مطارات الدول المتعاونة مع واشنطن في ملف الطيران
- رغم تأكيدات باحتوائه مقابر جماعية.. دمشق تستكمل أعمال تأهيل مطار المزة

