تتجه الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران نحو لحظة شديدة الارتياب، إذ تتقاطع ضغوط الضربات العسكرية مع احتمالات تموضع المساعي الدبلوماسية في مشهد يعكس سعي كل طرف إلى تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة.
وفي ظل ارتفاع مخاطر الانزلاق نحو مرحلة جديدة من العمليات العسكرية واتساع رقعة بؤر التوتر، تبدو المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران أقرب إلى محاولة لإدارة الصراع على حافة الهاوية.
بينما تشير تقارير صحفية إلى تحركات وساطة تقودها عدة دول بهدف خفض التصعيد داخل مسرح الأحداث في إيران، تبرز عدة سيناريوهات تشير إلى احتمال الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
تصعيد إيراني على وقع مسار تفاوض
وتعمل إيران باستمرار على تفعيل مبدأ “تصدير الثورة”، محوّلة إياه من معتقد مذهبي وإيديولوجي إلى عمل سياسي وممارسة ميدانية على أرض الواقع، بما يسهم في رفع كلفة التصعيد. في حين تدرك إيران أن مسرح هذه الحرب يتجاوز حدود أراضيها، وأن أهدافها قد تمتد إلى ما هو أعمق من مجرد هزيمة قواتها، وهو ما يدفعها إلى الصمود لأطول وقت ممكن، والعمل على جرّ المنطقة برمتها إلى تداعيات الصراع.
وتستند عقيدة “الحرس الثوري” الإيراني إلى أن الطرف الذي يبدأ الحرب هو من يتحمل مسؤولية تحديد كيفية صياغة خط النهاية، سواء جاءت النهاية درامية أو غير متوقعة. إذ لم تنتظر إيران انقضاء مهلة الهدنة المؤقتة، بل دفعت بتصعيدها إلى العلن، وكشفت عن شروط خاصة بها لتعليق العمليات العسكرية، من بينها تأكيد سيطرتها على مضيق هرمز، والحصول على تعويضات عن الهجمات التي تعرضت لها، ووقف عمليات الهجوم والاغتيال بضمانات، إلى جانب تثبيت نفوذها الإقليمي، بحسب ما أوردته تقارير صحفية.
وفي سياق متصل، أفادت “سي إن إن” نقلاً عن تقارير استخبارية أميركية مؤخراً بأن إيران نشرت خلال الأسابيع الماضية تعزيزات عسكرية إضافية في جزيرة خارك تحسباً لأي عملية عسكرية محتملة من قبل الولايات المتحدة.
ووفق التقرير ذاته، تتمتع الجزيرة بتحصينات متعددة الطبقات، كما نُقلت إليها صواريخ أرض-جو محمولة على الكتف، في حين زرعت إيران ألغاماً بحرية حول الجزيرة وسواحلها لمنع أي محاولة إنزال برمائي أميركي.
وأشارت الشبكة الأميركية إلى أن السيطرة على الجزيرة قد تتطلب نشر قوة إنزال أميركية كبيرة، فيما نقلت عن مصدر مطلع أن مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب ما زالوا يدرسون جدوى إرسال قوة برية إلى الجزيرة.
انعدام الثقة واتساع رقعة التوتر إقليمياً
في المقابل، قال مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية لوسائل إعلام إن نحو 2500 عنصر من الفرقة 82 المحمولة جواً سيتوجهون إلى الشرق الأوسط، مضيفاً أن القوات المقرر نشرها تتضمن قيادات ميدانية ودعماً لوجستياً من اللواء القتالي الأول.

كما تتفاوت الأنباء حول مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البلدين أجريا مفاوضات جيدة، بينما نفت طهران ذلك.
وعلى أي حال، ومهما كانت حقيقة هذه المفاوضات ومدى نجاح الجهود المبذولة في فتح ثغرة نحو مسار تفاوضي حقيقي بين الجانبين، تظل حقيقة واحدة قائمة، وهي تصاعد الضغوط العسكرية بشكل ملحوظ بهدف توظيفها في مقاربة التفاوض.
بيد أن ثمة حقيقة أخرى يصعب تجاوزها، وهي انعدام الثقة بين الطرفين، الأمر الذي يجعل الحديث عن هدنة حقيقية تفضي إلى نقاشات جدية حول “اليوم التالي” أمراً بالغ الصعوبة، وفقاً لأهداف ومصالح كل طرف.
من ثم، تتجلى صعوبة المشهد هذه المرة في اتساع رقعة التوتر، إذ تشير التطورات إلى اشتعال عدة نقاط في مسار الحرب، حيث عمدت إيران إلى توجيه ضربات ضد بعض دول الخليج، إضافة إلى الأردن وتركيا، وهو ما قد يدفع هذه الدول، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى أن تصبح جزءًا من هذه المعادلة بهدف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية بما يضمن سلامة أراضيها وأمنها الجيو-استراتيجي، وهو ما يتسق أيضاً مع اشتراطات واشنطن الداعية إلى كبح نفوذ إيران في الشرق الأوسط.
ومن بين نتائج تصفية القيادات العليا في تراتبية السلطة داخل إيران في اليوم الأول من التصعيد، حدوث انزياح واضح في بنية النظام باتجاه “الحرس الثوري” الإيراني، ما يعني، بشكل أو بآخر، ارتفاع الصوت المناهض للتفاوض مع الغرب، خاصة فيما يتعلق بالقدرات العسكرية المرتبطة بالصواريخ الباليستية وبرنامج تخصيب اليورانيوم، باعتبارهما من معايير السيادة في البلاد.
تعقيدات المسار التفاوضي
عليه، تختلف مقاربة المفاوضات المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران عن أي جولات دبلوماسية أو مسارات تفاوضية تقليدية، خاصة أنها تلتئم على عتبة صراع، أو بالأحرى تتحرك على حافة الهاوية، في محاولة لتفادي الانتقال إلى مرحلة يصعب معها ضبط تطورات الصراع وتداعياته.
وبالتالي، يصبح من الضروري على الأطراف المجتمعة أن تدرك بجدية وواقعية طبيعة الأسباب التي أفضت إلى تعثر “مفاوضات جنيف3″، والتي تحولت إلى جسر عبرت من خلاله العمليات العسكرية التي اندلعت في نهاية شباط/فبراير الماضي.
ومن هذا المنظور، تبدو هذه الجولة ضرورية لأنها تمثل المرحلة الفاصلة قبل تطور العمليات العسكرية، سواء من حيث نوعيتها ودرجة تصعيدها، أو من حيث احتمال إشراك أطراف أخرى في مسار المواجهة.
ولذلك، قد تسعى القوى الفاعلة والمنخرطة في العمليات الميدانية إلى صياغة مقاربة أكثر منطقية وواقعية ومرونة، تفضي إلى تحديد مساحات الصراع وضبط حدوده، بما يمنع انزلاق الإقليم إلى مواجهات واسعة ومفتوحة.

نحو ذلك، قد تبدو المفاوضات المحتملة محكومة لدى الطرفين بجملة من المحددات الرئيسية. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط سلوك إيران بما يتوافق مع رؤيتها لإدارة التوازنات الإقليمية في العقود المقبلة، وهو ما يستدعي فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية ومسار تخصيب اليورانيوم، تحاول طهران في المقابل تجاوز هدف إسقاط النظام إلى انتزاع اعتراف بدورها كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط ورقم مهم في معادلة النفوذ الإقليمي.
وربما يشكل هذا التباين في الأهداف أحد أبرز التحديات التي تواجه نجاح المفاوضات المرتقبة، إذ يصبح أي تقدم تفاوضي مرهوناً بقدرة كل طرف على إدارة الصراع بقدر من المرونة يسمح بتجاوز اللحظة الحرجة التي يمر بها الإقليم، وربما النظام الدولي بأسره.
سيناريوهات مفتوحة بين الهدنة المؤقتة والتصعيد الشامل
في ضوء كل ذلك، قد تبدو سياقات الأحداث متجهة نحو عدة سيناريوهات متباينة الاتجاهات، غير أنها تتفق في أن الطرفين الرئيسيين، الولايات المتحدة وإيران، سيستندان إلى مبدأ “حافة الهاوية” في إدارة التفاوض. فيما ستتراوح مآلات التفاوض بين واشنطن وطهران بين واقع الحرب والسياسة، ومساري الدبلوماسية والضغوط القصوى.
وتشير المؤشرات إلى أن طهران قد تكون بحاجة إلى هدنة مؤقتة كنتيجة مباشرة لضغوط العمليات الميدانية، سواء خلال حرب الاثني عشر يوماً أو العمليات الأخيرة، فضلاً عن تأثير العقوبات الاقتصادية. وقد يدفع ذلك إلى تبني سيناريو “المرونة المحدودة” عبر إبداء مرونة في بعض الملفات مقابل التمسك بملفات أخرى، أو تجنب التصعيد المباشر ضد منشآت البنية التحتية للطاقة. ويتسق هذا الطرح مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما يرتبط بما يتردد حول استضافة باكستان جولة مباحثات تتناول مسودة محددة لعدة نقاط قبل انتهاء المهلة التي حددها ترامب.
وفي هذا السياق، قد يفتح انتهاء الهدنة الباب أمام احتمالات تشير إلى نجاح جولة المفاوضات، بما يسمح بتعاقب جولات لاحقة لمناقشة بقية الملفات العالقة. وفي المقابل، قد تفشل تلك الجولة من المفاوضات، وهو ما قد يؤدي إلى عودة العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها دون تصعيد كبير، بما يتيح للوكلاء إعادة تحريك مسار التفاوض من جديد.
ويبقى سيناريو ثالث، يُعد الأسوأ تقديراً، يتمثل في تصعيد أوسع وأكثر شمولاً، قد يشمل ضرب منشآت الطاقة وعمليات عسكرية في جزيرة خارك. وفي المقابل قد تدفع طهران جماعة “الحوثيين” إلى إغلاق مضيق باب المندب، بما يضع المنطقة أمام لحظة استثنائية وطارئة، خاصة مع دخول جماعة اليمنية والموالية لطهران الحرب وإطلاق صواريخ باليستية صوب إسرائيل.
غير أن ذلك لا يمنع من تصور سيناريو مركب يجمع بعض عناصر هذه الاحتمالات، بحيث تنتهي المهلة الزمنية بواقع لا يكشف عن تصعيد كامل ولا سلام تام، بل صيغة تسمح بتقدم نسبي وإعلان مهلة جديدة مشروطة، قد ترتبط بتأمين المرور عبر مضيق هرمز، وأخرى تتعلق بتسليم اليورانيوم المخصب وتعليق الأنشطة المرتبطة بتخصيبه.
- 6993 قتيلاً و363 مجزرة.. حصيلة 9 سنوات من التدخل الروسي في سوريا
- إيران تتحرك بين موسكو والدوحة مع تصاعد الضغوط الأميركية
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟
