أعاد تصريح حديث لعضو المكتب السياسي لجماعة “الحوثي”، محمد البخيتي، بشأن “استعجال الجانب العسكري في اتخاذ قرار إطلاق الصواريخ”، فتح باب التساؤلات حول طبيعة القرار داخل الجماعة، وما إذا كانت تشهد فعلاً صراع أجنحة حقيقياً حول الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، أم أن ما يظهر لا يتجاوز كونه تبايناً محدوداً في الأدوار والخطاب.
التصريح، الذي جاء في سياق تبرير الانتقال السريع، من التهديد المشروط إلى التنفيذ، بدا لافتاً، ليس فقط لأنه أقر ضمنياً بوجود فجوة بين السياسي والعسكري، بل لأنه صدر عن أحد أبرز الوجوه الإعلامية للجماعة، وهو ما عزّز الانطباع بوجود نقاش داخلي، حول توقيت وشكل التدخل.
من التهديد إلى التنفيذ.. ماذا تغيّر؟
حتى وقت قريب، كانت جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، تربط انخراطها العسكري بجملة من الشروط، بينها اتساع نطاق الحرب، أو استخدام البحر الأحمر، في عمليات ضد إيران.

لكن ما جرى على الأرض، أظهر انتقالاً سريعاً من هذا الخطاب، إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل خلال وقت قصير، دون تحقق تلك الشروط.
وقد أعاد هذا التحول، طرح فرضية وجود جناحين داخل جماعة “الحوثي”، أحدهما يدفع نحو الانخراط العسكري المباشر دعماً لطهران، وآخر يتعامل بحذر مع التداعيات، خصوصاً في ظل مخاطر الردود الإقليمية والدولية، ومع ذلك، لا تحظى هذه الفرضية بإجماع بين المراقبين.
تصعيد يثبّت المسار
وفي سياق التصعيد، أعلنت الجماعة “الحوثية”، الأربعاء، تنفيذ عملية جديدة استهدفت ما وصفته بـ”أهداف حساسة” في جنوب إسرائيل، باستخدام دفعة من الصواريخ الباليستية، قالت إنها نٌفذت بالتنسيق مع إيران و”حزب الله” في لبنان، في أول إعلان عن عملية مشتركة منذ اندلاع الحرب.

ويعد هذا الهجوم الثالث خلال أيام، بعد عمليتين أٌعلنتا صباح ومساء السبت، الأمر الذي يشير إلى انتقال واضح من مرحلة التهديد، إلى تثبيت نمط عملياتي متكرر.
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، إن العملية تأتي ضمن “إسناد جبهات المقاومة”، متوعداً بمواصلة الهجمات، في مؤشر على توسيع نطاق الانخراط، وربطه بمسار التصعيد الإقليمي.
صراع أجنحة أم خلافات مضبوطة؟
في المقابل، يقلل الخبير السياسي عبد الستار الشميري، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، من توصيف ما يجري على أنه صراع أجنحة، معتبراً أن القرار في مستواه الأعلى يظل مركزياً ومحسوماً، ويخضع لقيادة زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن ارتباط وثيق بإيران.

ويرى الشميري أن ما يظهر من تباينات يكشف عن خلافات في المستويات الأدنى، تتعلق بالنفوذ والموارد، واصفاً إياها بـ”الخلافات الأفقية” التي لا تمس جوهر القرار.
كما يضع الشميري، تصريحات بعض القيادات، ومنها حديث البخيتي، في إطار خطاب إعلامي مرن يوحي بوجود تباين، دون أن يبرز أي انقسام فعلي داخل دوائر صنع القرار.
وفي المقابل، يشير الباحث اليمني همدان العليي في حديثه لـ”الحل نت”، إلى وجود تمايز داخل بنية الجماعة، لكنه لا يصل إلى مستوى الصراع الحاسم.
ويوضح أن داخل الجماعة “الحوثية”، تياراً تلقى تدريباً مباشراً على يد جهات إيرانية، ويٌظهر ارتباطاً وثيقاً بطهران، ويرى في دعمها التزاماً يتجاوز الحسابات المحلية، مقابل تيار آخر يتبنى مقاربة أكثر حذراً، انطلاقاً من تقدير بأن الانخراط المباشر، قد لا يخدم مصالح الجماعة في هذه المرحلة.
ومع ذلك، يبقى هذا التباين – وفق العليي – ضمن حدود يمكن احتواؤها، دون أن يتحول إلى صراع مفتوح.
قرار “الحوثي” بين الداخل والخارج
هذا التباين لا ينفي مركزية القرار، بقدر ما يكشف عن هامش محدود للاختلاف داخل بنية مغلقة، تٌحسم فيها الخيارات الكبرى في نهاية المطاف، عبر القيادة العليا.

وفي هذا السياق، يبرز رأي الباحث في شؤون جماعة “الحوثي” عدنان الجبرني، الذي يميل إلى التقليل من فرضية استقلالية القرار “الحوثي”، معتبراً أن سلوك الجماعة يشير إلى اندماج واضح، ضمن الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع، القائمة على توزيع الأدوار بين مستويات متعددة، من القدرات الذاتية إلى الحلفاء الإقليميين.
وبحسب الجبرني، فإن توقيت الانخراط لا يرتبط فقط بالحسابات الداخلية، بل بمرحلة محددة في إدارة طهران للصراع، حيث يجري تفعيل الأدوار تدريجياً، وفق تطورات الميدان.
ضغوط إيرانية على “الحوثيين”
في موازاة ذلك، كشفت وكالة “بلومبرغ“، نقلاً عن مسؤولين أوروبيين، أن إيران تمارس ضغوطاً على جماعة “الحوثي” لدفعها نحو إطلاق حملة جديدة، تستهدف الملاحة في البحر الأحمر، رداً على أي تصعيد محتمل من جانب الولايات المتحدة الأميركية، في الحرب المرتبطة بطهران.

وبحسب المصادر، يأتي هذا التوجه ضمن مساعي إيران لتوسيع أدوات الضغط غير المباشر، عبر تفعيل أدوار حلفائها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر، ومضيق باب المندب.
وتشير التقديرات، إلى وجود تباين داخل القيادة بشأن خيارات التصعيد، بين تيار يدفع نحو توسيع الهجمات البحرية، وآخر يفضّل تجنب مواجهة قد تستجلب رداً دولياً مباشراً.
كما يدرس قادة جماعة “الحوثي”، سيناريوهات لعمليات أكثر تصعيداً، خاصة بعد الانتقال إلى استهداف إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، ترتفع احتمالات استهداف السفن التجارية، مع إطالة أمد الحرب، في ظل امتلاك جماعة “الحوثي” قدرات سبق أن استخدمتها لإحداث اضطرابات في حركة التجارة العالمية، ورفع تكاليف الشحن والتأمين.
توجيه رسائل إلى الخارج
تعزز طبيعة العمليات الأخيرة هذا الطرح، إذ اتجهت جماعة “الحوثي” إلى استهداف إسرائيل مباشرة، رغم أن الساحة البحرية تبدو أكثر تأثيراً، من حيث تعطيل التجارة الدولية.

ويحمل هذا الخيار بعداً رمزياً وسياسياً، يتمثل في إعلان الانخراط في المعركة، وتثبيت موقع الجماعة “الحوثية” ضمن معادلة الرد الإقليمي، دون الذهاب فوراً إلى التصعيد في البحر الأحمر، الذي قد يستدعي رداً دولياً واسعاً.
كما يأتي في سياق السعي إلى خلق توازن بين إظهار الالتزام أمام محور إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، قد تهدد مكاسب الجماعة داخل اليمن.
ولا يبدو أن ما يجري داخل جماعة “الحوثي” يرتقي إلى صراع أجنحة بالمعنى الحاد، بقدر ما هو تباين في التقديرات داخل إطار مركزي صارم، يبقي القرار النهائي بيد القيادة العليا، مع حضور واضح للعامل الإيراني في توجيه مساره.

