أعلنت وزارة المالية السورية في الحكومة الانتقالية، عن مشروع موازنة عام 2026 بصيغة جديدة تحت اسم “نسخة المواطن”، بهدف تعزيز الشفافية المالية وإشراك المواطنين والمواطنات في فهم بنودها. كما قامت بنشر الموازنة عبر حساب الوزارة الرسمي على فيسبوك في ملفٍ مكونٍ من 52 صفحة.
ملف الموازنة بنسخته المطروحة، يثير سؤالاً أساسياً: هل تكتفي الحكومة بشرح الأرقام بطريقة أسهل، أم أنها تقدم أدوات حقيقية تسمح للناس بفهم وقياس ما إذا كانت هذه السياسات ناجحة أم لا؟ إذ تأتي هذه الموازنة في ظرف اقتصادي شديد التردي، تتحدث فيه الحكومة دائماً عن تحسنات كبيرة وموعودة ومتوقعة، دون توضيح كافٍ، في وقت لا تزال فيه عوامل كثيرة غير مستقرة، ما يجعل هذه التوقعات محل تساؤل.
عرض الموازنة
عرض وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في مؤتمرٍ صحفي، الخميس 9 نيسان/إبريل، بنود الموازنة العامة للسنة المالية 2026 تحت عنوان “نسخة المواطن”، موضحاً أنها هدفت إلى شرح الأرقام والمصطلحات بلغة مبسطة، وتوضيح أوجه الإنفاق والإيرادات وانعكاساتها، مع إبراز الفرص المتاحة. وأكد أن هذا الشكل يقُدّم ل”المرة الأولى في تاريخ سوريا”، بحسب مانقلت صحيفة “عنب بلدي” المحلية.
ورغم هذا التبسيط المفيد في ظاهره، لم تتضمن الوثيقة ولا العرض الوزاري مؤشراتٍ واضحة ولا أدوات قياس يمكن من خلالها معرفة إن كانت الخطة ستنجح أم لا، ولم يترافق شرح الأرقام مع توضيحاتٍ لكيفية قياس النتائج لاحقاً، ما جعلها أداة “عرض” أكثر منها أداة “شفافية مالية” حقيقية، رغم حجمها الذي يقارب ال٥٠ صفحة.
وبحسب الوزير، كان من المقرر عرض مشروع الموازنة على مجلس الشعب لمناقشته قبل إقراره، مع إمكانية إصدار موازنات تكميلية خلال العام. وقد سمحت هذه المرونة بالتكيف مع المتغيرات، لكنها عنت أيضاً أن الأرقام الحالية قابلة للتعديل، ما يطرح تساؤلات حول مدى استقرارها ودقتها من البداية. كما أشار الوزير إلى بدء العمل على موازنة 2027، على أن يُستكمل خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر، دون أي توضيحٍ لكيفية تلافي الفروقات التي ستنجم عن التقديرات الحالية.
“وثيقة المواطن”
قدّم الوزير وثيقة “موازنة المواطن” التي شرحت الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها موازنة 2026، وعرضت البرامج والمشاريع والمبادرات الحكومية، مع تخصيص صفحات لكل وزارة. واعتبر أنها شكّلت مرجعاً للمواطنين ورجال الأعمال والمهتمين.
غير أن عرض هذه الفرضيات لم يترافق مع توضيح كافٍ لمدى إمكانية تحققها. إذ أعرب الوزير عن تفاؤله بأداء الاقتصاد منذ بداية 2026، متوقعاً نمواً وتحسناً في المؤشرات العامة، مدعوماً بعوامل مثل عودة مناطق الجزيرة السورية، واستئناف إنتاج النفط والغاز، وتحسن الاستقرار الأمني والسياسي.

هذه العوامل، رغم أهميتها، بقيت خارج نطاق السيطرة المباشرة للسياسة المالية، ما جعل التوقعات المرتبطة بها عرضة لتقلبات يصعب التحكم بها. وبعبارة أبسط، كانت الخطة قد اعتمدت جزئياً على ظروف قد وقد لا تتحقق.
كما تضمنت العوامل التي استندت لها الموازنة، زيادة عودة السوريين من الخارج، وبينهم مستثمرون وخبرات فنية، وتحسن وفرة الطاقة وتوقعات بتدفقات استثمارية أجنبية. إلا أن هذه المؤشرات طُرحت دون أي بيانات تفصيلية حول حجم هذه التدفقات أو توقيتها، ودون توضيح آليات ترجمتها إلى نمو فعلي، ما جعلها تقديرات سطحية وحديثاً في العموميات، من الصعب تقييم أثرها الفعلي على الاقتصاد، ومن المستغرب صدورها عن وزارة المالية.
العجز والضرائب
قُدّرت إيرادات 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات بلغت 1056.7 مليار ليرة (10.5 مليار دولار)، بعجز قارب 1.8 مليار دولار، أي نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما عنى أن الدولة كانت ستنفق أكثر مما تجني.
وأوضح الوزير أن تمويل هذا العجز سيتم عبر إصدار سندات وصكوك، إضافة إلى عوائد من الصندوق السيادي. غير أن الاعتماد على الاقتراض طرح تساؤلات عملية حول الجهات التي ستقوم بالتمويل، وكلفة هذا التمويل، خاصة في ظل سوق مالية محدودة وغير مستقرة، ما جعل تغطية العجز أكثر عرضة للصعوبة أو الكلفة المرتفعة.

وتوزعت الإيرادات بين 50% من الضرائب والرسوم، و28% من النفط والغاز، و22% من مصادر أخرى. وفي هذا السياق، أعلن الوزير عن إعفاءات واسعة وتخفيضات ضريبية، شملت عدم فرض ضرائب على من يقل دخلهم عن 50 مليون ليرة قديمة، وتخفيف الاقتطاعات عن الموظفين، وإعفاء بعض المهن، مع سقف ضرائب لا يتجاوز 15%.
وأبرز هذا الطرح تناقضاً واضحاً: إذا كانت الضرائب مصدراً أساسياً للدخل، فكيف سيتم تخفيضها دون التأثير على الإيرادات؟ لم يوضح الوزير كيف سيعوّض هذا النقص، ما يفتح احتمال زيادة العجز بدل تقليصه. كما أن هذه التساؤلات تعيد الموازنة للغموض الذي كان يفترض بها تبديده.
الإنفاق والرواتب
بحسب ما عرض الوزير، توزعت النفقات على 41% للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، و33% للدفاع والأمن، و26% لبقية الخدمات، مع ارتفاع الإنفاق الاستثماري إلى 27% مقارنة بـ7% في العام السابق. وعكس هذا التوزيع مزيجاً من الأولويات الاجتماعية والأمنية، إلا أن ارتفاع حصة الدفاع حدّ من الموارد المتاحة للقطاعات ذات الأثر المباشر على المعيشة والتنمية.
وفي ما يتعلق بالرواتب، أشار الوزير إلى أن زيادات عام 2027 ستكون مرتبطة بغلاء المعيشة والتضخم ومؤشر الأسعار، مع اعتماد زيادتين سنويتين، إحداهما عامة والأخرى مرتبطة بتقييم الأداء. كما تحدث عن زيادات كبيرة تحققت، حيث ارتفع الحد الأدنى بنسبة 350% بالليرة و460% بالدولار، ووصلت زيادات بعض الرواتب إلى 2000%.
وفي حين أشار الوزير إلى التضخم كواحد من أسباب زيادات الرواتب، لم تُعرض هذه الزيادات “الكبيرة” ضمن سياق واضح لمعدلات التضخم الحالية، ولم يوضح ما إذا كانت قد عنت تحسناً فعلياً في المعيشة فعلاً أم أن الأسعار ارتفعت أيضاً، ما يقلل من قيمة الزيادات. كما أن ربط الرواتب بالتضخم، دون وجود أدوات واضحة للحد منه، قد يكون السبب الذي أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار بدل كبحها، ما يجعل الأمر أقرب لحلقة مغلقة يدور فيها المواطن دون مخرج.
ولم يتطرق الوزير خلال حديثه عن الرواتب إلى أن قطاعات واسعة من المواطنين والمواطنات يصعب حصرها لم تستلم رواتبها في عدة محافظات سورية ومنذ أشهر طويلة، وهي المشكلة التي تعهد مراراً بحلها دون نتيجة ملموسة.
مرتكزات الموازنة
ووفقاً لما صرح برنية، ارتكزت الموازنة على تعزيز الشفافية والانضباط المالي وتحسين الحوكمة، وتحفيز النمو ودعم الإنتاج، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب التحول الرقمي، وإنهاء التشابكات المالية، وإطلاق استراتيجية لمكافحة الفقر، وبرامج لدعم المناطق المتضررة.
غير أن هذه المحاور عُرضت بصيغة عامة، لا في المؤتمر فحسب بل أيضاً في الملف الذي نشرته الوزارة، والذي خلا مثل تصريحات الوزير من أية آليات تنفيذ واضحة أو مؤشرات قياس محددة، ما سيجعل تقييم نتائجها لاحقاً أمراً صعباً. كما أن الحديث عن الشفافية لم يتضمن توضيحاً لكيفية إتاحة البيانات أو تمكين الجمهور من الوصول إليها، ولا جداول زمنية للتنفيذ، ما جعل تقييم الموازنة أقرب إلى التقدير منه إلى القياس.
وفي ما يخص الشراكة مع القطاع الخاص، أشار الوزير إلى إشراك ممثلين عنه في اللجان، بما فيها هيئة الضرائب، دون توضيح مدى تأثير هذه المشاركة في صنع القرار.
المخاطر المحتملة
في المقابل، أقر الوزير بوجود مخاطر شملت التوترات الجيوسياسية وعودة التضخم وتأخر الإصلاحات وتأثيرات الاقتصاد العالمي، وهي عوامل تقاطعت مباشرة مع الفرضيات التي بُنيت عليها التوقعات المتفائلة، ما عكس فجوة بين ما كان متوقعاً وما قد يحدث فعلياً.
أما في ما يتعلق بموازنة 2025، فقد أظهرت البيانات تراجع الفائض من أكثر من نصف مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى إلى نحو 46 مليون دولار بنهاية العام، مع إرجاع ذلك إلى التزامات متأخرة لم تُحدد طبيعتها. وأثار هذا التغير الكبير في الأرقام دون تفسير تفصيلي تساؤلات حول دقة التقديرات السابقة وآليات القياس المالية.
وبلغ هذا الفائض نحو 0.15% من الناتج المحلي (30.6 مليار دولار)، مقابل عجز 2.7% في 2024، فيما وصل الإنفاق إلى 379.2 مليار ليرة (3.447 مليار دولار) بزيادة 45.7%، خُصص 41% منها للأجور. كما تم اعتماد موازنة “اثني عشرية” لعام 2025 استناداً إلى موازنة 2024، في مؤشر على وجود صعوبات في التخطيط المالي خلال تلك الفترة.
بالمحصلة، يطرح عرض الموازنة الذي قدمه وزير المالية عدة أسئلة: هل المشكلة التي تواجه السوريين والسوريات كانت فعلاً في “صعوبة فهم الأرقام”، أم في خطط الوزارة نفسها؟ هل تقديم الموازنة بلغة أسهل يكفي لمعرفة إن كانت هذه الأرقام واقعية وقابلة للتنفيذ؟ وهل مطلب المواطن الذي يتوجه له عرض الوزير، هو الشرح أم الإنجاز؟ والأهم، من غير المواطن سوف “يدفع الثمن” بحال فشل السياسات المالية؟
- كان بشار الأسد طالباً فيها.. جدل حول قرار فصل الذكور عن الإناث في مدرسة عريقة بدمشق
- اعتداء على طلبة عراقيين في إيران.. ماذا حدث داخل السكن؟
- القافلة الثانية تنطلق نحو سري كانيه/رأس العين بعد 7 سنوات من التهجير
- مليار دولار في معرض دمشق الدولي.. عقود ملزمة أم مذكرات تفاهم؟
- “وحدات حماية المرأة” تكشف تفاصيل اتفاقها مع دمشق

