كان بشار الأسد طالباً فيها.. جدل حول قرار فصل الذكور عن الإناث في مدرسة عريقة بدمشق

أثار قرار مدرسة “معهد الحرية”، المعروفة في دمشق باسم “لاييك”، فصل الذكور عن الإناث في المرحلتين الإعدادية والثانوية جدلاً واسعاً، بعدما أعلنت إدارة المدرسة فصل الذكور عن الإناث داخل الصفوف وباحات، باستثناء المرحلة الابتدائية.

وقالت إدارة المدرسة إن القرار جاء “حرصاً على مصلحة الطلبة”، قبل أن توضح في منشور لاحق أن بين مبرراته تسجيل حالات قالت إنها تتعلق بـ “التحرش والتنمر على البنات”، إلى جانب انشغال بعض الطلاب بـ “قصص الحب والغرام” ووقوع شجارات داخل المدرسة.

وأثار القرار جدلاً بين مؤديين يعتبرونه تربوياً ومعارضين رأوا أنه يثير المخاوف من تنامي التشدد الديني في البلاد بالرغم من تأكيد إدارة المدرسة أن قرار الفصل اتخذ بشكل مستقل، مشددة على عدم وجود أي تدخل أو توجيه من جهة رسمية، في حين لم تصدر وزارة التربية السورية تعليقًا بشأن القرار.

لماذا اتخذت المدرسة قرار الفصل؟

بحسب الإدارة، لم يكن قرار الفصل مرتبطاً باعتبارات دينية، وإنما جاء استجابة لما وصفته بمشكلات سلوكية داخل المدرسة.

وقالت إن حالات من التحرش والتنمر دفعت بعض العائلات إلى نقل بناتها من المدرسة بسبب رفضها استمرار الاختلاط بين الذكور والإناث، مشيرة إلى تراجع نسبة الطالبات.

كما ربطت الإدارة بين الاختلاط وبعض المشكلات التي قالت إنها شهدتها المدرسة، ومنها الشجارات وانشغال الطلاب بعلاقات عاطفية.

ولا ينفصل الجدل حول القرار عن خصوصية “معهد الحرية” وتاريخه في دمشق. حيث تأسست المدرسة عام 1925 خلال فترة الانتداب الفرنسي، وافتتحت على يد البعثة العلمانية، قبل أن يؤممها حزب البعث بعد وصوله إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي، ضمن إجراءات شملت المدارس الأجنبية، وتحمل منذ ذلك الوقت اسم “الحرية”.

وحملت المدرسة لفترة وجيزة اسم باسل الأسد، الشقيق الأكبر للرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي درس فيها أيضاً.

وبمرور العقود، ارتبط اسم المدرسة بذاكرة اجتماعية وتعليمية لدمشق، باعتبارها واحدة من المدارس التي حافظت على نظام التعليم المختلط لفترة طويلة.

“المدارس المختلطة جزء من ذاكرتنا”

أثار القرار اعتراضات من بعض خريجي المدرسة ومتابعين للشأن التعليمي والاجتماعي في سوريا. وقال الباحث مهند مالك، وهو من خريجي المدرسة ويعمل مستشاراً لوزير التعليم العالي، إن المدارس المختلطة كانت “جزءاً طبيعياً جداً” من حياة أبناء دمشق وذاكرتهم.

وأضاف في منشور على حسابه في “فيسبوك” أن دمشق كانت “دائماً مدينة قادرة على استيعاب الاختلاف والتنوع”، معرباً عن أمله في الحفاظ على هذه الروح.

في المقابل، دافع آخرون عن قرار الفصل باعتباره إجراءً وقائياً يمكن أن يحد، من وجهة نظرهم، من المشكلات السلوكية داخل المدرسة.

وكتب أحد المعلقين أن الفصل “قرار تربوي مسؤول”، معتبراً أن الوقاية أفضل من معالجة النتائج بعد وقوعها.

أما الصحافي عمر المقداد، فانتقد ربط المشكلات التي تحدثت عنها المدرسة بالاختلاط، متسائلاً عن سبب عدم وجود المشكلات نفسها، بالصيغة التي طرحتها الإدارة، في المدارس المختلطة في الولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء واسعة من العالم.

هل القرار جزء من تحول أوسع؟

لا يمكن، استناداً إلى قرار مدرسة واحدة، الجزم بوجود تحول شامل في سياسة التعليم السورية أو اتجاه رسمي نحو الفصل بين الذكور والإناث.

لكن القرار يأتي في سياق شهد خلال المرحلة الانتقالية نقاشات متزايدة حول طبيعة الحياة العامة والحريات الشخصية ودور القيم الاجتماعية والدينية في تنظيم المؤسسات.

وسبق أن أثارت إجراءات مشابهة جدلاً، من بينها قرار إدارة مستشفى في دمشق خلال نيسان/أبريل 2025 فصل الرجال والنساء في حافلات الموظفين، قبل التراجع عنه إثر اعتراضات.

كما قالت أربع منظمات نسوية ومدنية سورية، في ورقة مشتركة صدرت الشهر الماضي، إن بعض القرارات والممارسات خلال المرحلة الانتقالية “قيّدت الحريات الشخصية والعامة، وفرضت أنماطاً من الوصاية الاجتماعية، وانعكست بصورة خاصة على النساء

ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرار “معهد الحرية” يمثل امتداداً مباشراً لهذه الممارسات، وخاصة بعد تأكيدها عدم تدخل رسمي في قرارها. لكنه يضع الإجراء ضمن نقاش أوسع حول حدود السلطة التربوية والاجتماعية، ومدى تأثير المخاوف الأمنية والسلوكية في شكل الحياة التعليمية في  البلاد التي تشهد تحولات نوعية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم