ملف “الحزام العربي” في سوريا.. بين المطالبات الحقوقية والوعود الحكومية

عاد ملف “الحزام العربي” وإحصاء عام 1962 إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في منطقة الجزيرة شمال سوريا، مع تزايد المطالبات بمعالجة آثار السياسات التي طُبقت بحق الكرد والإيزيديين خلال حقبة حزب البعث.

وفي وقت دعت فيه فعاليات حقوقية ومدنية في القاملشي إلى رد الحقوق وجبر الضرر ومنع تكرار سياسات التغيير الديمغرافي، كانت تصريحات رسمية سابقة قد أكدت أن الملفين لا يزالان “قيد الدراسة”، ما أعاد الجدل حول استمرار تأخر الحسم القانوني لقضايا مضى عليها أكثر من 5 عقود.

مطالبات بجبر الضرر

وشهدت مدينة القامشلي، الأحد، جلسة حوارية نظمها مركز “يك بار” للثقافة والفن تحت عنوان “الحزام العربي من الظلم إلى جبر الضرر”، بمشاركة حقوقيين وممثلين عن مجلس سوريا الديمقراطية وحزب التجمع الديمقراطي والمؤسسة الإيزيدية للثقافة والتنمية، إضافة إلى أعضاء من منظمات المجتمع المدني وعدد من الملاكين المتضررين.

وناقشت الجلسة ثلاثة محاور رئيسة تناولت الخلفيات التاريخية للمشروع والحلول القانونية والحقوقية الممكنة، إلى جانب التوصيات المتعلقة بمعالجة الملف، فيما أدارها المحامي علي إسكان.

جلسة نقاش ملف “الحزام العربي” في القامشلي. (انترنت)

وأكد المشاركون أن الفلاحين والعشائر الكردية والإيزيدية كانوا الأكثر تضرراً نتيجة مصادرة أراضيهم وأملاكهم دون تعويض، إضافة إلى تعرضهم لإجراءات قانونية وإدارية ساهمت في تهميشهم اقتصادياً وثقافياً. كما اعتبروا أن هذه السياسات خلّفت آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي وأسهمت في خلق توترات بين المكونات ومحاولات لطمس الهوية الثقافية للسكان الأصليين.

ودعا الحاضرون إلى اعتراف رسمي بالظلم الذي تعرض له المتضررون خلال حكم البعث، مطالبين الحكومة المؤقتة والإدارة المحلية بوضع حلول قانونية واضحة تشمل إعادة الأراضي إلى أصحابها أو تقديم تعويضات عادلة، مع تشكيل هيئة قانونية مختصة لمتابعة الملف ومنع تكرار سياسات الإقصاء مستقبلاً.

يرتبط مشروع الحزام العربي بإرث حزب البعث العربي الاشتراكي. صورة من الجلسة. (انترنت)

تصريحات رسمية

وجاءت هذه المطالبات بعد أيام من تصريحات أدلى بها نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي لشبكة رووداو الإعلامية، الثلاثاء 12 أيار/مايو 2026، قال فيها إن ملفي “الحزام العربي” وإحصاء عام 1962 لا يزالان قيد الدراسة، واصفاً إياهما بالقضايا “المعقدة والشائكة” التي تحتاج إلى مسارات قانونية دقيقة وعميقة. وجاءت تصريحاته رداً على أنباء تحدثت عن وجود لجان مشتركة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية تبحث إعادة حقوق الكرد ومعالجة آثار هذين الملفين التاريخيين.

خريطة تظهر منطقة تنفيذ مشروع “الحزام العربي” . (انترنت)

وأوضح الهلالي أن معالجة إحصاء عام 1962 تهدف إلى إنهاء معاناة المحرومين من الجنسية وإعادة حق المواطنة لهم، فيما اعتبر أن ملف الأراضي المصادرة ضمن مشروع “الحزام العربي” أكثر تعقيداً بسبب تراكم قضايا الملكية والنزاعات العقارية في المنطقة، في وقت يرى فيه المتضررون أن الملفات المتعلقة بمظالم تاريخية ما تزال تُدار من دون معالجات جدية واضحة.

جذور المشروع

محمد طلب هلال. رئيس شعبة الأمن السياسي في الحسكة. وضع خطة الحزام العربي ضمن دراسة حول منطقة الجزيرة 1961. (انترنت)

ويُعد مشروع “الحزام العربي” واحداً من أكثر مشاريع التغيير الديمغرافي إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث. ووُضعت خطته عام 1965، بناءا على مايعرف بمذكرة محمد طلب هلال والتي صدرت في 1961، وهو مشروع أعده الضابط في وزارة الداخلية الملازم أول رئيس الأمن السياسي في الحسكة حينها.

وبدأ تطبيقه فعلياً عام 1974 عبر الاستيلاء على أراضٍ تعود لملاكين كرد وإيزيديين على طول الشريط الحدودي الممتد من ديرك حتى سري كانيه/رأس العين، وتوطين نحو 4 آلاف عائلة عربية من الرقة والطبقة في 41 قرية كردية، ضمن سياسة هدفت إلى تغيير البنية السكانية في المنطقة وإنهاء الوجود الكردي فيها، بحسب توصيف جمعيات ومنظمات حقوقية، وكما يضهر نص المشروع نفسه.

وجاء المشروع استكمالاً لإحصاء عام 1962 الذي جرّد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية، فيما يُعرف المستوطنون الذين نُقلوا إلى المنطقة باسم “عرب الغمر” أو “المغمورين”. ومع بدء بعض هؤلاء ببيع الأراضي المصادرة خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت المخاوف من تكريس نتائج المشروع وتعقيد أي تسوية مستقبلية مرتبطة بإعادة الحقوق إلى أصحابها الأصليين.

1 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم