مع قدوم عيد الأضحى، تتجه أنظار آلاف الأسر السورية إلى الحوالات المالية القادمة من الخارج باعتبارها المصدر الأكثر استقراراً لتأمين متطلبات العيد والاحتياجات المعيشية الأساسية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وخلال المواسم والأعياد، تتحول هذه الحوالات إلى ما يشبه “الرافعة المؤقتة” للأسواق المحلية، إذ تنشط حركة البيع والشراء بالتزامن مع تدفق الأموال من المغتربين السوريين إلى عائلاتهم في الداخل، في محاولة لتخفيف أعباء المعيشة وتمكين الأسر من شراء الغذاء والملابس واللحوم والحلويات وحتى تأمين “العيدية” للأطفال.
أرقام تتجاوز موازنة الدولة
باتت الحوالات الخارجية خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في سوريا، بل تفوقت في بعض التقديرات على قطاعات اقتصادية كاملة فقدت قدرتها على الإنتاج.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر حصرية قد صرّح بأن قيمة الحوالات بلغت نحو أربعة مليارات دولار خلال عام 2025، وهو رقم يفوق موازنة الدولة المقدرة بنحو 3.493 مليارات دولار، في وقت بلغ فيه الناتج المحلي الإجمالي نحو 30.6 مليار دولار.
كما قدّر البنك الدولي حجم التحويلات الواصلة إلى سوريا بنحو ثمانية مليارات دولار خلال عام 2023، واصفاً إياها بأنها “شريان حياة” تعتمد عليه أعداد كبيرة من الأسر السورية في تأمين معيشتها اليومية.
انفراجة نقدية مؤقتة
مع بدء تدفق الحوالات بالتزامن مع عيد الأضحى، شهد السوق النقدي المحلي انفراجة مؤقتة انعكست على سعر صرف الليرة السورية الجديدة، إذ ساهم ارتفاع معروض القطع الأجنبي في تراجع سعر الدولار واستقراره عند حدود 138.1 ليرة جديدة، وهو ما منح السوق قدراً من الهدوء النسبي بعد أشهر من التقلبات الحادة.
إلا أن هذا التحسن بقي محدود التأثير على أسعار السلع، حيث لم تنخفض الأسعار بنفس وتيرة تراجع الدولار، وسط تمسك التجار بتسعيرات مرتفعة بحجة ارتفاع تكاليف التوريد والطاقة وتقلبات السوق المحتملة بعد العيد.
ويعكس هذا الواقع ما يصفه اقتصاديون بـ”تصلب الأسعار”، أي امتناع الأسواق عن التراجع رغم تحسن بعض المؤشرات النقدية، نتيجة ضعف الثقة باستقرار سعر الصرف واعتماد التجار سياسة التحوط القصوى خشية أي انتكاسة اقتصادية أو توتر إقليمي جديد.
تحويلات من محتاج إلى أكثر احتياجاً
كما أن استمرار الضبابية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، واحتمالات تغير أسعار الطاقة والتحويلات، يدفع الفعاليات التجارية إلى التسعير وفق أسوأ السيناريوهات الممكنة، لا وفق المعطيات الحالية فقط.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن الحوالات السورية تختلف عن التحويلات التقليدية في كثير من دول العالم، لأنها ليست تحويلات استثمارية أو ادخارية، بل تحويلات “من محتاج إلى الأكثر احتياجاً”، موضحاً أن اللاجئ السوري في الخارج يقتطع جزءاً من دخله المحدود لإعالة أسرته داخل سوريا، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الثورة”.
ويشير شعبو إلى أن متوسط الحوالات يتراوح بين 75 و100 دولار للأسرة الواحدة، إلا أنها تمثل بالنسبة لكثير من العائلات الفرق بين القدرة على الاستمرار أو الانزلاق إلى مستويات أشد من الفقر.
وقود للأسواق أم رافعة للتنمية؟
يضيف شعبو أن هذه الحوالات تؤدي دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة تنشط الأسواق خلال الأعياد وترفع الكتلة النقدية المتداولة، ومن جهة أخرى تخلق آثاراً تضخمية موسمية نتيجة تركز الأموال في أيدي شركات الصرافة والتجار والسماسرة بدلاً من مرورها عبر قنوات مصرفية رسمية قادرة على توظيفها اقتصادياً، لافتاً إلى أن الحوالات تعمق أحياناً الفجوة داخل الطبقات الفقيرة نفسها، إذ تستفيد الأسر التي تمتلك شبكة هجرة أو أقارب في الخارج، بينما تبقى عائلات أخرى محرومة من هذا المورد الحيوي.
ورغم هذا الدور الحيوي، لا تزال الدولة السورية عاجزة عن تحويل الحوالات إلى أداة تنموية مستدامة، بسبب الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي، وضعف الثقة بالقطاع المصرفي، واستمرار الاعتماد على قنوات التحويل غير الرسمية.
ويرى شعبو أن تقليص الفارق بين أسعار الصرف، وتفعيل دور المصارف المحلية، وتحسين البيئة الاقتصادية، يمكن أن يحوّل جزءاً من هذه الأموال من مجرد أداة استهلاكية مرتبطة بالمواسم إلى مورد اقتصادي يساهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتنشيط الاستثمار والإنتاج، بدلاً من بقائها مجرد وسيلة إسعاف مؤقتة لعائلات أنهكتها سنوات الحرب والتضخم وتآكل الدخل.
- كان بشار الأسد طالباً فيها.. جدل حول قرار فصل الذكور عن الإناث في مدرسة عريقة بدمشق
- اعتداء على طلبة عراقيين في إيران.. ماذا حدث داخل السكن؟
- القافلة الثانية تنطلق نحو سري كانيه/رأس العين بعد 7 سنوات من التهجير
- مليار دولار في معرض دمشق الدولي.. عقود ملزمة أم مذكرات تفاهم؟
- “وحدات حماية المرأة” تكشف تفاصيل اتفاقها مع دمشق

