رغم أن الحكومة السورية تروج منذ فترة لانتخابات “مجلس الشعب السوري”، سواء على الأرض أو إعلامياً، إلا أن هذه الانتخابات لم تحظ باهتمام واسع أو حقيقي من قبل الشارع السوري، إضافة إلى مقاطعة الانتخابات من قبل عدة مدن وبلدات في محافظة السويداء الجنوبية، بجانب منع “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، وضع صناديق الاقتراع في مناطق سيطرتها.
ووسط التوترات والحروب التي تشهدها المنطقة، بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المزرية في عموم سوريا وتحديداً مناطق حكومة دمشق، تبدو سياسات الرئيس السوري بشار الأسد، حيال إجراء انتخابات “مجلس الشعب”، مثيرة حتى مع فقدانها أي زخم وعدم خروجها عن النطاق المحلي، فضلاً عن أن نتائج هذه الانتخابات لن تحمل أي مفاجآت أو بوادر تغيير في المشهد السياسي، إذ يرى السوريون أنها “محسومة”، فيما وصفتها بعض الأطراف السياسية المعارضة بـ”العبثية” وأنه ”تكرار لكل الانتخابات السابقة التي تمثل السلطة الحاكمة وحدها” بغياب تسوية سياسية للنزاع الذي أودى بحياة أكثر من نصف مليون سوري، حسب “فرانس برس”. وبالتالي، يجدر بنا طرح تساؤلات حول جدوى وأهداف هذا الاقتراع.
انتخابات “مجلس الشعب”
فتحت مراكز الاقتراع في المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية أبوابها، يوم الاثنين، 15 تموز/ يوليو الجاري، لاختيار أعضاء “مجلس الشعب السوري”، وهو الاستحقاق الانتخابي الرابع منذ اندلاع الحرب في البلاد عام 2011.

وبحسب ما أعلنت الحكومة السورية، فقد بدأت انتخابات “مجلس الشعب” في الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين، وبلغ عدد المرشحين 1516 مرشحاً، يتنافسون على 250 مقعداً في مجلس الشعب، وتم إعداد لوائح بأسمائهم وإرسالها إلى كل مراكز الاقتراع، التي بلغ عددها 8151 مركز اقتراع في مناطق سيطرة دمشق بالمحافظات السورية. وتتوزع المقاعد مناصفة تقريباً بين قطاع العمّال والفلاحين “127 مقعداً”، وبقيّة فئات الشعب “123 مقعداً”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”.
ونشرت وسائل الإعلام المحلية صوراً لبشار الأسد يدلي بصوته في المركز الانتخابي بمبنى وزارة الاتصالات بدمشق، وظهر الأسد لأول مرة في انتخابات “مجلس الشعب” منذ توليه الحكم وحيداً من دون عقيلته أسماء الأسد التي تخضع للعزل العلاجي بعد إعلان إصابتها بسرطان الدم في أيار/ مايو الماضي. كما أدلى نجلا الأسد، حافظ وزين الأسد، بصوتيهما في انتخابات “مجلس الشعب” في مبنى كلية الحقوق بالعاصمة دمشق.
ورغم تصريح رئيس مجلس الوزراء حسين عرنوس خلال مشاركته في التصويت، بأن سوريا تعيش “مرحلة جديدة”، وأن كافة الاستحقاقات الدستورية تم استيفاؤها “في مواعيدها لتمكين كافة فئات المجتمع من اختيار ممثليهم”، وأيضاً تأكيد وزير الخارجية فيصل المقداد أن سوريا تدخل “مرحلة جديدة”، وأن انتخابات “مجلس الشعب”، تعبير حقيقي عن إيمان الشعب السوري بالديمقراطية، إلا أن الشارع السوري لم يهتم كثيراً بهذه الانتخابات، وبحسب ما ذكرت “الشرق الأوسط”، فإن “نسبة الإقبال كانت ضعيفة جداً، وتكاد تكون معدومة في كثير من المراكز الانتخابية عدا المؤسسات الحكومية والنقابية التي اضطر الموظفون للمشاركة بالتصويت”.
تزوير وفساد
في المقابل، أعلن رئيس اللجنة القضائية الفرعية لانتخابات “مجلس الشعب” في محافظة اللاذقية القاضي أسد محرز، إبطال الانتخابات في مركز اقتراع في المدينة بعد تسجيل “تجاوزات” ارتكبها مدير المركز.
ووفق صحيفة “الوطن” المحلية، ستعاد الانتخابات في المركز بتاريخ اليوم الثلاثاء، على أن يقتصر الانتخاب على الناخبين نفسهم الذين سبق لهم الاقتراع في المركز بتاريخ أمس الاثنين.
كما ونقل “المرصد السوري” من جانبه، عن مصادره أن كثيراً من المواطنين رفض التوجه لمراكز الاقتراع في مناطق سيطرة الحكومة والميليشيات التابعة لإيران في محافظة دير الزور وريفها الشرقي، لافتاً إلى أن بعض المرشحين عمدوا إلى “تعيين مندوبين عنهم لشراء الأصوات مستغلين سوء الأوضاع المعيشية التي تعاني منها نسبة كبيرة من السكان في تلك المناطق”.
وبيّن “المرصد السوري”، أن المندوب يدفع مبلغاً قدره 50 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 3 دولارات أميركية، للصوت الواحد. ومع ذلك ظل الإقبال “ضعيفاً جداً”، بحسب “المرصد السوري” الذي فسرّ ذلك بغياب المشروعات والخطط التي تهدف لتحسين ظروفهم المعيشية عن برامج المرشحين الانتخابية.
وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على عدم نزاهة هذه الانتخابات، خاصة وأن سوريا من الدول ذات المعدلات الأدنى في العالم من حيث النزاهة والديمقراطية، بحسب تقرير الحريات المدنية والحقوق السياسية الذي نشرته “فريدوم هاوس” عام 2021، بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2020.
وقد أكد في هذا الإطار، المبعوث الألماني إلى سوريا ستيفان شنيك، حيث قال إن انتخابات “مجلس الشعب” في سوريا “لا تفي بمعايير الحرية والنزاهة حسب الأعراف الدولية”. وأضاف أن الصراع المستمر والإقصاء السياسي يعيقان تمثيل إرادة الشعب السوري.
كما شدد في تغريدة على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، على التزام ألمانيا بالقرار الدولي رقم 2254 ودعوتها لعملية سياسية بقيادة سورية تشمل صياغة دستور جديد وتهيئة ظروف إجراء انتخابات ذات مصداقية.
مقاطعة وحرق في السويداء
في السياق ذاته، تعرضت مراكز اقتراع عدة إلى اعتداء من قبل أهالي محافظة السويداء، حيث أقدم “بعض المحتجين على تحطيم وحرق صناديق الاقتراع”، وفق ما أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” ومقره في بريطانيا.
وفي مقاطع فيديو نشرتها شبكة “السويداء 24” المحلية الإخبارية على منصة “فيسبوك”، أظهرت صور عشرات المحتجين في مركز مدينة السويداء. وتقدّمت نساء المتظاهرين رافعات لافتات كتب على إحداها “لا مكان لهذه العصابة الحاكمة في حاضر السوريين ومستقبلهم، كفى ارحلوا”، وأخرى “لا ينتخب الفاسد إلّا الفاسد”.
وفي مقطع فيديو آخر، ظهر عشرات الشبان وهم يرمون بطاقات الاقتراع على الأرض بينما قام أحدهم بتمزيقها في قرية القريّا في ريف السويداء. واللافت هنا، أنه أصيب شخص بجروح، وفق الشبكة الإخبارية، جراء “إطلاق رصاص عشوائي من عناصر أمن” تزامناً مع “تظاهرة سلمية في ساحة الكرامة المواجهة لقيادة الشرطة”.
منع ورفض
في المقابل وعلى الرغم من ضعف الإقبال على انتخابات “مجلس الشعب” في شمال وشرق سوريا، إلا أن “الإدارة الذاتية”، منعت وضع صناديق الاقتراع في المناطق الخاضعة لسيطرتها في مدن منبج والطبقة وكوباني والرقة والريف الشرقي لمدينة دير الزور، بالإضافة إلى بقية المناطق الخاضعة لسيطرتها في منطقتي القامشلي/ قامشلو والحسكة وأريافهما.
وبحسب ما أفادت مصادر إعلامية بأنه في شمال وشرق سوريا وضعت صناديق اقتراع بالمربعات الأمنية التي تسيطر عليها الحكومة السورية، حيث فرضت “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في محيط تلك المربعات بمدينتي الحسكة والقامشلي/ قامشلو إجراءات أمنية للتضييق على الانتخابات.
يحاول الأسد منذ فترة إيهام العالم بأنه يجري تغييرات في البلاد، فبعد أن أجرى تغييرات طفيفة في حزب “البعث” الحاكم، إضافة إلى تغييرات أمنية، يجري اليوم انتخابات “مجلس الشعب”.
وأعلن “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، الجناح السياسي لـ”قسد”، السبت الماضي، رفضه المشاركة في انتخابات “مجلس الشعب” التابع للحكومة في دمشق، مطالباً بتهيئة الظروف المناسبة لتحول سياسي جذري، بالإضافة إلى دعوة السوريين والقوى الديمقراطية إلى الامتناع عن المشاركة.
وأضاف ضمن بيان: “نؤكد أن الحل السياسي الشامل، الذي يستند إلى القرار 2254 لمجلس الأمن، هو الطريق للخروج من الأزمة السورية وتحقيق تطلعات الشعب السوري”، مؤكداً على “أهمية الحوار السوري الداخلي باعتباره ركيزة أساسية لأي حل سياسي مستدام”.
وحث “مسد” المجتمع الدولي على فرض ضغوط حقيقية على كل الأطراف للمشاركة بفعالية في مسار الحل السياسي، وإعداد الأساس المناسب لعملية تحول سياسي حقيقي.
ما أهداف وجدوى هذه الانتخابات؟
يتعين النظر إلى أن بشار الأسد وبخلاف كل السنوات الماضية من الحرب الشرسة التي قادها ضد مواطنيه والمدنيين، وهي حرب تدميرية لا تبقي ولا تذر، طالت البشر والعمران، يسعى إلى كسب أي شرعية لفك العزلة عن نظامه المنبوذ بينما يحاول أن يبعث العوامل الممكنة لجعله أبعد قليلاً من الحافة قبل سقوطه الحتمي والوشيك لولا جحافل الميلشيات والقوات الأجنبية التي احتلت الجغرافيا السورية.
وبالتالي، يمكن القول إن السياق ذاته هو ما جاءت فيه انتخابات “مجلس الشعب”، وهي الانتخابات التي وصفها رئيس مجلس الوزراء حسين عرنوس ووزير الخارجية، فيصل المقداد، بأنها “مرحلة جديدة”. فالوصف ورغم ما فيه من مبالغة إلا أنه يبطّن رسالة مقصودة وتعني رغبة حكومة دمشق بالتأكيد على صلابة “سلطتها” التي تعاني ويلات الحرب والشتات، كما يهدف التأكيد كذلك على صلابة ومتانة الأصول السياسية والاجتماعية التي تجعل بمقدورها مواجهة المتغيرات وعشرية الحرب، بينما تواصل عملية الانتخابية لإدارة الحكم وبناء سياساتها!.
ورغم أن حكومة دمشق تعلم أن هذه الانتخابات “شكلية” وأن نتائجها “محسومة” مسبقاً، إلا أنها روجت لهذه الانتخابات بشكل كبير، خاصة إعلامياً، وأثناء ظهور بشار الأسد وهو يدلي بصوته، ما يعني أن فهي تريد إرسال رسائل إلى الخارج بأنها لا تزال تقود البلاد كما في السابق وتستطيع إجراء إصلاحات وأن مسار مؤسساتها الحكومية تسير كما كانت قبل الحرب، وأنها قادرة على إجراء الانتخابات وغيرها من الأمور، مثلها مثل أي دولة أخرى، وأخيراً، أنها لا تزال تتمتع بتأييد شعبي.
ويحاول الأسد منذ فترة إيهام العالم بأنه يجري تغييرات في البلاد، فبعد أن أجرى تغييرات طفيفة في حزب “البعث” الحاكم، إضافة إلى تغييرات أمنية، ومن ثم أصدر الشهر الماضي مرسوماً بإجراء انتخابات “مجلس الشعب” في الـ 15 من شهر تموز/ يوليو الجاري.
لكن اللافت والمثير للسخرية والامتعاض في آن معاً بهذه الانتخابات، هو تقدم مجموعة من المقربين من الحكومة السورية وعدد من الضباط السابقين أو بالأحرى “المتقاعدين” في الجيش السوري، بالترشح لعضوية هذا المجلس في فصله التشريعي الرابع 2024.

هذا بالإضافة إلى عدم اهتمام الشارع السوري بالانتخابات، كما أكدته العديد من المصادر الإعلامية، إضافة إلى رفض ومقاطعة هذه الانتخابات من قبل محافظة السويداء ومناطق شمال وشرق سوريا.
لذا وفي ضوء كل ذلك، بات من الطبيعي التشكيك بنزاهة وجدوى هذه الانتخابات، خاصة وأن حزب “البعث” سيهيمن من جديد على أغلبية مقاعد البرلمان كما العادة، وفق مراقبين. وبالتالي، ما جدوى هذه الانتخابات، ما دام حزب “البعث” الحاكم يسيطر على أغلبية مقاعد المجلس، لأن قوائمه، كما في كل مرة، “ناجحة” سلفاً، وثمة رفض سوري واسع لهذا الاقتراع.
- بعد رفع أسعار المحروقات.. كيف أعاد الغلاء رسم ميزانيات السوريين؟
- هجوم “حوثي” على المقاطرة.. هل يٌهدد شريان تعز الأخير؟
- الاقتصاد يخنق الانتقال السوري.. تقرير أميركي يحذر من نفاد صبر الشارع
- عائلات بريف دمشق تناشد الكشف عن مصير أبنائها المعتقلين.. ما القصة؟
- أسوشيتد برس: مستشارون إيرانيون قادوا تقدم “الحوثيين” على الساحل

