تعمدت “الفرقة الرابعة” التي تعد إمبراطورية يتزعمها ماهر الأسد شقيق الرئيس الهارب خارج البلاد بشار الأسد، نهب الاقتصاد السوري واستنزاف مقدراته على مدار سنوات.
تعرضت مقار الوحدة العسكرية سيئة السمعة، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، والتي أثارت الرعب بين السوريين إلى النهب، لكن المستندات التي تناثرت داخلها كشفت الكثير من التفاصيل عن حياة ترف وثروات تمتع بها “سيدي المعلم”، أي ماهر الأسد، مع المحظيين من معاونيه، فيما كان بعض جنوده يكافحون لتأمين قوت عائلاتهم الى حدّ التسوّل.
مافيا داخل الدولة
وفق وثائق اطلعت عليها وكالة “فرانس برس” للأنباء، من داخل عدد من هذه المواقع المهجورة الآن، كشفت النقاب عن امبراطورية اقتصادية واسعة بناها ماهر الأسد وشبكته من المنتفعين، لم تترك مجالا لم تتدخل فيه، من صنع الكبتاغون والاتجار به وصولا إلى فرض أتاوات على المعابر الحدودية والحواجز.
ولطالما اتهمت حكومات غربية ماهر الأسد وأعوانه بتحويل سوريا إلى “دولة مخدرات” أغرقت الشرق الأوسط بأقراص الكبتاغون، وهي مادة منشطة غير قانونية كانت تهرّب خصوصا إلى الخليج.

لكن بعيدا من التجارة التي تقدّر قيمتها بأكثر من 10 مليارات دولار، تُظهر المستندات التي تفحصتها “فرانس برس” كيف تغلغلت الفرقة الرابعة في الكثير من مفاصل البلد، ما جعلها أشبه بـ”مافيا” محظية داخل دولة مارقة.
استولت الفرقة الرابعة على منازل ومزارع، وصادرت بضائع شتى من مواد غذائية وسيارات وأجهزة إلكترونية لبيعها، ونهبت النحاس والمعادن من مناطق دمرتها سنوات الحرب الطويلة.
وفرضت كذلك أتاوات عند الحواجز ونقاط التفتيش، وجنت أموالا من مرافقة صهاريج نفط وحماية مسارها، حتى تلك الآتية من مناطق سيطر عليها الجهاديون. واحتكرت أيضا تجارة التبغ والمعادن.
متاهة من الأنفاق والخزان
بحسب “فرانس برس”، التي قاد فريقها حارس ملثم تابع للسلطة السورية الجديدة عبر الأنفاق كدليل، فإن المقر الخاص لماهر الأسد تربّع فوق متاهة أنفاق محفورة في قلب جبل يعلو دمشق، يتسع بعضها لمرور شاحنة.
بعد النزول عبر سلم شديد الانحدار مؤلف من 160 درجة، توجد غرف موصدة ببوابات مصفحة، ويقول الحارس إنه أحصى تسع خزنات داخل إحدى الغرف.
في المجمع تحت الأرض، تبدو جلية الفوضى من خزان مفتوحة وصناديق ساعات رولكس وكارتييه فارغة ملقاة في كل ناحية، ولا يتضح ما إذا كانت الخزان قد أُفرغت من الأموال قبل نهبها أم لا.
“المكتب الأساسي” لماهر الأسد، مؤلف من طابقين فوق الأرض وأسفله أنفاق تضم غرفا مغلقة لا يمكن فتحها، إلى جانب خزنة مهجورة داخل ممر، يمكن رؤية جهاز تغليف حراري جرى استخدامه على الأرجح لتغليف الأوراق النقدية.
حارس تابع للسلطة السورية الجديدة لـ”فرانس برس”
ويوضح كيف أن الخزان تعرضت “للكسر” والنهب على أيدي أشخاص اقتحموا المكان في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، بعد ساعات قليلة على إطاحة فصائل معارضة بقيادة هيئة تحرير الشام بحكم عائلة الأسد التي قادت سوريا بقبضة من حديد لأكثر من خمسة عقود.
وبحسب مصدر عراقي رفيع المستوى ومصدرين سوريين آخرين، لم يعلم ماهر الأسد (58 عاما) حينها بعزم شقيقه الفرار إلى روسيا، وهرب بشكل منفصل في مروحية أقلته إلى العراق ومنها الى روسيا، عبر إيران على الأرجح.
حجم الثروة المنهوبة
أظهرت مستندات عثر عليها بين مئات الأوراق المبعثرة داخل مكتب أمن تابع للفرقة الرابعة، والتي تفنّد بالتفصيل النفقات كافة، أنه كان هناك حتى الرابع من يونيو/ حزيران سيولة نقدية قدرها ثمانون مليون دولار، وثمانية ملايين يورو، و41 مليار ليرة سورية.
وتوثّق مئات المستندات احتفاظ ماهر الأسد ومكتب الأمن بمبالغ شبيهة في الفترة الممتدة بين العامين 2021 و2024.

ونقلت “فرانس برس” عن الباحث لدى معهد كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، خضر خضور ، تأكيده بأن هذا ليس إلا عينة صغيرة من الثروة التي جمعها ماهر وأعوانه عبر صفقاتهم التجارية المشبوهة.
ورجح أن تكون ثروتهم الحقيقية مخفية في الخارج، في دول عربية وإفريقية، ويضيف كانت الفرقة الرابعة بمثابة آلة لطباعة المال في سوريا حيث يعيش أكثر من تسعين في المئة من السكان، وفق الأمم المتحدة، بدولارَين أو أكثر بقليل في اليوم الواحد.
دولة مستقلة
لم تنجح العقوبات الغربية في كبح جماح ماهر الأسد ورجاله أو الحدّ من نفوذهم طيلة سنوات النزاع.
ووصف العميد السابق في الفرقة الرابعة عمر شعبان، الذي عقد تسوية مع “الإدارة السورية الجديدة “، الفرقة الرابعة بأنها دولة مستقلة، تمتلك كل شيء.
في حين كان التعامل بالدولار الأميركي محظورا في سوريا، أصبح العديد من ضباط الأمن أصحاب ثروات، لديهم خزن وأموال بالدولار حصرا.
العميد السابق في الفرقة الرابعة عمر شعبان
وأقام أعوان ماهر المقربون في قصور فاخرة، واعتادوا على شحن سيارات فارهة من الخارج، بينما كان البلد خارج أسوار قصورهم غارقا في دوامة من الفقر والبؤس والخوف.
حياة البذخ
حين يعدّد سكان في دمشق بسخط انتهاكات الفرقة الرابعة، يتردّد اسم آخر إلى جانب اسم ماهر الأسد، هو غسان بلال، مدير مكتب الأمن في الفرقة الرابعة.
على غرار رئيسه، كان بلال مولعا بجمع السيارات الفارهة ويقيم في فيلا في يعفور، وتقول مصادر أمنية إنه غادر سوريا بعد سقوط الحكم.
داخل مكتبه الفسيح في المقر الرئيسي لمكتب الأمن، تكشف معاينة فاتورة تلو الأخرى تفاصيل أسلوب حياته الباذخ، وبين تلك الفواتير واحدة متعلقة بصيانة سيارة الكاديلاك خاصته.

بحسب وثيقة اطلعت عليها “فرانس برس”، فإنه في صيف 2024، شحن بلال إلى دبي سيارتَين من طراز ليكسس ومرسيدس، كما أظهرت فواتير تسديد مبلغ بقيمة 29 ألف دولار كبدل جمارك وتأمين في دولة الإمارات عبر بطاقة ائتمان مسجّلة باسم شخص آخر.
وأظهرت ورقة مكتوبة بخط اليد أنه كان يسدّد، بسبب خضوعه لعقوبات غربية على خلفية اتهامه بانتهاكات لحقوق الإنسان، بدل اشتراك بمنصة “نتفليكس” للأفلام “بواسطة أحد الأصدقاء عبر بطاقة ائتمان في الخارج.
وتتضمن قوائم أخرى نفقات، غالبيتها منزلية ولأولاده أو للمطبخ أو لشراء الوقود ومصاريف أملاك بينها الفيلا التي تعرضت لاحقا للنهب، والتي بلغت قيمتها خلال عشرة أيام فقط من شهر آب/أغسطس 55 ألف دولار.
في الشهر ذاته، كتب جندي من الفرقة الرابعة إلى بلال متوسلا منحه “إعانة مالية (كونه) بوضع مادي سيء جدا”، وقد صرف له بلال 500 ألف ليرة سورية كإعانة، أي ما يعادل حينها 33 دولارا، فيما تظهر وثيقة أخرى ضبط أحد جنود الفرقة الرابعة يتسوّل في الشوارع أثناء دوامه.
المساهمون في تمويل الفرقة الرابعة
ورجح تقرير “فرانس برس” أنه تمّ إحراق آلاف المستندات والملفات، لكن العديد من الوثائق السرية التي نجت تحمل في طياتها معلومات كثيرة.
من بين الأسماء البارزة المذكورة في بعض الوثائق والتي ساهم أصحابها في تمويل الفرقة الرابعة، برزت أسماء رجال أعمال مُدرجين على لوائح العقوبات، على غرار خالد قدور ورئيف القوتلي، والأخوين قاطرجي المتهمين بجني مئات الملايين من الدولارات لصالح الحرس الثوري الإيراني والحوثيين في اليمن، عبر بيع النفط الإيراني إلى سوريا والصين.
فرانس برس
وبحسب مصادر أمنية ومن قطاع الأعمال، تولى القوتلي إدارة نقاط تفتيش ومعابر، حيث “فُرضت أتاوات” على بضائع أو جرت مصادرتها.
ونفى قدّور الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات لدعمه ماهر الأسد ماديا في تهريب الكبتاغون والسجائر والهواتف، أن يكون له أي تعامل مع ماهر الأسد حين سعى لأن تُرفع العقوبات الأوروبية عنه عام 2018.
لكنّ قائمة إيرادات المكتب الأمني لعام 2020، أظهرت أنه وفّر نحو 6,5 ملايين دولار في ذاك العام لصالح المكتب.
وتتضمن الوثيقة لائحة طويلة من المبالغ بالليرة السورية ومصادرها المتنوعة، وبينها الدخان الوطني، و”ترفيق”، أي حماية صهاريج النفط، وبيع المصادرات.
“مافيا” تجارة الكبتاغون
وأوضح الباحث لدى معهد كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، خضر خضور، إلى أن مكتب الأمن كان يتولى معظم المعاملات المالية للفرقة الرابعة ويصدر بطاقات أمنية للأشخاص الذين تعامل معهم لتسهيل تحركاتهم.
في 2021، قال أحد تجار المخدرات الذي يحمل جوازي سفر لبنانيا وسوريا، لمحققين لبنانيين إنه استحوذ على بطاقة أمنية من الفرقة الرابعة، وإن مكتب الأمن وافق على حماية شحنة مخدرات لتاجر آخر مقابل مليونَي دولار، بحسب إفادة اطلعت عليها فرانس برس في حينه.

وأكدت عدّة مصادر أمنية، لـ”فرانس برس” أن بلال كان الشخص الأساسي في تجارة الكبتاغون لدى الفرقة الرابعة، واتهمته وزارة الخزانة الأميركية بالفعل بأنه من اللاعبين الرئيسيين في تلك التجارة.
وزارت “فرانس برس” مصنعا لإنتاج الكبتاغون داخل فيلا استولت عليها الفرقة الرابعة في بلدة الديماس بريف دمشق قرب الحدود مع لبنان، وكانت غرفه مليئة بصناديق وبراميل من مواد الكافيين والإيثانول والباراسيتامول المستخدمة في صنع المخدر.
ويقول سكان محليون إنه لم يُسمح لهم أن يقتربوا من الفيلا، وكان يُمنع حتى على الرعاة التواجد في التلال المحيطة.
ويقول ضابط سابق أمضى جزءا من خدمته في مكتب الأمن دون الكشف عن اسمه، إن المكتب كان يتمتع بـ”حصانة وكان ممنوعا على أي جهة أمنية التعرّض لأي عنصر إلّا بموافقة ماهر، مردفًا: “كانت مافيا، وكنت أعلم أنني أعمل لدى مافيا”.
نهب ممتلكات السوريين
وطارد جشع الفرقة الرابعة عائلات سورية على مدى عقود، كما تُظهر رسالة كتبها عدنان الديب، وهو مشرف على مقبرة في مدينة حمص (وسط).
عند حاجز مهجور للفرقة الرابعة قرب دمشق، وبين مئات المستندات المتسخة والملقاة أرضا، عثر فريق “فرانس برس” على رسالة من ديب يطلب فيها من الفرقة الرابعة استعادة مزرعته.
صادرت الفرقة الرابعة فيلا تملكها عائلته وقصورا أخرى مجاورة قبل عشرة أعوام في قرية كفرعايا قرب حمص.
ورغم عدم السماح له بالاقتراب من ممتلكاته، كان على الديب دفع الضرائب المتوجبة على العقار الذي حولته الفرقة الرابعة بحسب قوله، إلى مكاتب، بينها أحد فروع مكتب الأمن، ومستودعات للمواد المصادرة، وغرفة أشبه بسجن.
خلال جولة في العقارات المصادرة، يقول أحد السكان لفرانس برس “مكتب أمن الفرقة الرابعة هنا كان خطًا أحمر لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه”، موضحًا كيف وجد بعد فرار العناصر كمية هائلة من البضائع المصادرة وبينها سيارات ودراجات نارية ومئات غالونات زيت القلي، متابعًا: “تركوا الشعب يجوع فيما كان كل شيء متاحا لهم هنا”.
وأظهرت وثيقة من أحد العقارات المصادرة، أن مواطنة بلغ عدد أفراد عائلتها 25 شخصا، كان قسم منهم يقيم في خيمة وآخرون في “قنن للدواجن”، طلبت أكثر من مرة أن يخلي عناصر من الفرقة الرابعة منزلها لتقيم فيه مع عائلتها.
السيطرة على سوق المعادن
لم تسيطر الفرقة الرابعة على أي قطاع في الاقتصاد السوري بقدر سيطرتها على سوق المعادن.
وأوضح العميد الشعبان، أنه كان ممنوعا أن يحرّك أحد الحديد من دون موافقة الرابعة، مضيفا أن التعامل بالنحاس مثلا كان حقا “حصريا” لها.
ويروي الضابط في مكتب الأمن الذي رفض الكشف عن اسمه، كيف توافد عناصر من الفرقة إلى احدى ضواحي دمشق بمجرد سيطرة القوات الحكومية عليها حينها، وبدأوا يسحبون أسلاك النحاس والحديد من المنازل المدمرة.

ويقول رئيس غرفة الصناعة السابق فارس الشهابي، إن أحد مصانع المعادن الذي كان يديره أحد شركاء ماهر الأسد، كان يحتكر السوق، وأُجبر الجميع على الشراء منه حصرا، فلم يعد بإمكان العديد من المعامل العمل جراء هذا الضغط.
ويوضح أن ماهر الأسد و”أصدقاءه” كانوا يسيطرون على حصة كبيرة من الاقتصاد السوري، لكن المستفيد الأكبر كان بشار الأسد.
ويؤكد الضابط السابق في مكتب الأمن أن حصة من الأرباح والمضبوطات كانت تذهب دائما الى القصر الرئاسي.
هل تختفي الفرقة الرابعة؟
رغم أنه لم يتبق من الفرقة الرابعة اليوم إلا مستودعات مهجورة ومقرات منهوبة، حذر الخبير في الشأن السوري، لارس هاوخ من مؤسسة “كونفلكت ميدييشن سولوشنز”، من أن إرثها قد يكون ساما جدا.
الفرقة الرابعة كانت لاعبا عسكريا، وجهازا أمنيا، وكيانا استخباراتيا، وقوة اقتصادية وسياسية، ومؤسسة إجرامية عابرة للحدود، وهي مؤسسة ذات تاريخ يمتد لعقود، وقدرات مالية هائلة، وعلاقات وثيقة مع النخب، لا يمكن أن تختفي ببساطة.
الخبير في الشأن السوري، لارس هاوخ
ونبّه إلى أنه فيما فرّت القيادة العليا من البلد، فقد تراجعت “نواتها الصلبة”، ومعظمهم من الموالين للحكم السابق، إلى المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، الطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد.
وسعت السلطات الجديدة منذ وصولها إلى دمشق مرارا لطمأنة الأقليات بأنهم لن يتعرضوا لأي أذى، لكن أعمال عنف طالت العلويين في مناطق مختلفة، خصوصا في وسط البلاد وغربها.
ولا يستبعد هاوخ وجود أسلحة مخبأة في مخازن، إضافة إلى “مليارات الدولارات” التي كانت موضّبة في خزان الفرقة الرابعة، منبهًا إلى أن “كل ما يلزم لتمرد طويل الأمد متوافر.. إذا فشلت عملية الانتقال في سوريا في أن تكون شاملة بالفعل وتحقق العدالة الانتقالية”.

