الحكومة الانتقالية والتوسع غير المدروس في الاستيراد.. كيف يتأثر المُزارعين؟

الخضراوات والفواكه

تتوسع الحكومة الانتقالية السورية بشكل غير مدروس بالاستيراد، في وقت يواجه فيه قطاع إنتاج الخضراوات والفواكه في البلاد تراجعًا مستمرًا على مدى السنوات الأخيرة، على الرغم من امتلاكها واحدة من أكبر المساحات الزراعية، وما يمثله القطاع من أهمية بالنسبة لاقتصاد البلاد التي تحولت مؤخرًا من مُصدّر إلى مستورد للإنتاج الزراعي.

ومنذ أن اندلعت الثورة السورية بات القطاع الزراعي لا يسمن ولا يغني من جوع، بعد أن كان يشكل جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي، وربما تفوق على قطاع النفط في قوته الاقتصادية، حيث شُرد آلاف المزارعين، وانخفضت نسبة السكان الذين كانوا يعيشون في المناطق الريفية إلى النصف.

تراجع الصادرات

عرفت سوريا كبلد زراعي ينتج كميات كبيرة من الزيتون والحمضيات والقطن والخضار والفواكه، حيث كانت حتى اندلاع الحرب، تحتل المرتبة الثانية عربيا بعد تونس في إنتاج الزيتون، والسادسة عالميا في إنتاج القطن، ورغم التراجع الذي شهده القطاع الزراعي بسبب الحرب، إلا أن الأرض السورية ما زالت تنتج كميات كبيرة من الحمضيات والزيتون والخضار.

وكان يحتل القطاع الزراعي المرتبة الثانية بعد النفط من حيث الإيرادات التصديرية في ميزان الصادرات السورية، وبلغت قيمة الصادرات السورية في عام 2010 نحو 569.063 مليار ليرة، أي ما يعادل قرابة 12.37 مليار دولار، وفق سعر الصرف حينها (46 ليرة للدولار الواحد)، فيما بلغ حجم الصادرات نحو 19 مليون طن من السلع والمواد.

واحتل النفط النسبة الأكبر من قيمة الصادرات بنسبة 74 بالمئة، تلاه قطاع المنتجات الزراعية والغذائية بنسبة8 بالمئة بقيمة تُقدَّر بـ890 مليون دولار.

وبدأت أرقام الصادرات بالتراجع بشكل كبير بعد عام 2011، مع دخول البلاد في أتون الحرب التي أطلقها النظام البائد ضد السوريين، ما أدى إلى شلل اقتصادي واسع طال قطاعات التصدير والإنتاج.

كان الإنتاج الزراعي في مقدمة القطاعات التي تأثرت بحرب النظام البائد ضد شعبه بعد النقط، حيث تراجعت قيمة الصادرات من القطاع الزراعي بنسبة 57 بالمئة.

تزايد انتشار المنتجات الزراعية المستوردة

بحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 32 بالمئة من مساحة البلاد، في حين يسهم قطاع الزراعة بنسبة 28 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

شهدت الأسواق السورية خلال الأشهر الأخيرة انتشارًا متزايدًا للمنتجات الزراعية المستوردة من دول الجوار، ما أدى إلى تراجع تنافسية الخضار المحلية التي تعاني من تكاليف إنتاج مرتفعة، مما يطرح تساؤلات حول سر هذا الانتشار في بلد يمتلك موارده الزراعيةواعتماد سوريا على الواردات لتوفير غذائها رغم وفرة أراضيها؟ وهل تعكس هذه التحديات أزمة في الأولويات لدى الحكومة الانتقالية الجديدة؟.

وقد فرض غزو المنتجات الزراعية المستوردة تحديات جديدة على المزارعين السوريين، الذين خسروا أسواق التصدير في السابق، ليواجهوا اليوم خطر التراجع في الأسواق المحلية أيضًا.

في هذا السياق، حذر خبير اقتصادي، من سياسة الحكومة الانتقالية في التوسع غير المدروس في استيراد المنتجات الزراعية.

ورأى الأستاذ في كلية الاقتصاد، مجدي الجاموس، إن سياسة الحكومة في التوسع غير المدروس في استيراد المنتجات الزراعية، يشكل تهديداً مباشراً لدخل المزارعين السوريين، وفق ما نقل عنه موقع “نورث برس”.

تهديد للمُزارعين

أوضح الخبير الاقتصادي أن غزو المنتجات الزراعية المستوردة يهدد بأن يهجر المزارعين الزراعة بعد فقدانهم مصدر رزقهم، ليتحولوا بذلك إلى مهن أخرى، ما ينذر بحدوث تراجع خطير في الإنتاج الزراعي المحلي.

وأوضح أيضًا أن إدخال منتجات زراعية مستوردة “من شأنه أن يفقد القطاع الزراعي السوري استقلاليته، ويجعله رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، وهو أمر غير معتاد في البنية الاقتصادية السورية.

 ودعا الخبير الاقتصادي إلى فرض رسوم جمركية أعلى على المنتجات المستوردة من الدول المجاورة مثل تركيا والأردن، لحماية المنتج المحلي، لاسيما في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتدهور البنية التحتية، مما يرفع من تكلفة الإنتاج المحلي.

وأفاد بأن إدخال منتجات أرخص من الخارج في ظل الظروف التي تمر بها سوريا سيؤدي إلى إضعاف الزراعة والصناعة الوطنية، وهو خطر يهدد الاقتصاد الوطني، في وقت البلاد أحوج فيه إلى دعم اقتصادها وتعزيز المنتج المحلي لا إغراقه بالمنافسين.

ولفت الجاموس إلى أن معظم دول العالم تدعم قطاعها الزراعي باعتباره الأساس في تحقيق الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن القطاع الزراعي يشكل نحو 28 بالمئة من الناتج المحلي السوري، بحسب تقديرات البنك الدولي، كما أن نصف صادرات سوريا في عام 2024 كانت من المنتجات الزراعية.

واختتم مؤكدًا أن القطاع الزراعي هو الأكثر تهيئة للصمود في ظل العقوبات والأزمة الاقتصادية، والتحديات الإقليمية والدولية.

تدفق المنتجات الزراعية الأردنية

يجدر الإشارة إلى أن وزارة الزراعة الأردنية أعلنت في كانون الثاني/ يناير الماضي استئناف تصدير الخضار والفواكه إلى السوق السورية، بعد توقف دام نحو ثلاثة عشر عاما.

وفقًا للوزارة الأردنية خلال الشهر ذاته، فإن الأردن صدر إلى سوريا خلال 40 يوما عقب سقوط نظام الأسد أكثر من 2600 طن من الخضار والفواكه؛ أي أكثر بـ7 أضعاف عن العام الماضي.

فيما قال نقيب تجار الخضار والفواكه الأردني، سعدي أبو حماد إن معدل التصدير اليومي من الخضار والفواكه إلى سوريا يتراوح ما بين 300 إلى 400 طن.

يأتي ذلك في وقت شهدت فيه سوريا بعد إنهيار حكم الأسد حالة من عدم الانضباط بشأن استيراد الفواكه والخضروات نتيجة إزالة حواجز التفتيش وتخفيف الجمارك إلى 1.5 بالمئة، ما انعكس على الإقبال على شراء المنتجات المحلية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم