ما وراء تعويم فادي صقر واستبعاد المعارضة الوطنية في سوريا؟

في ظل وضع سياسي متخم بالتعقيدات الأمنية والعسكرية، ومشهد إقليمي مأزوم (التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران)، فضلا عن تحالفات تكتيكية بالمنطقة مرتهنة بسيولة بالأحداث وتحولاته المطردة، كما سبق وحدث في اتفاق العلا الذي كان تهدئة مؤقتة لجهة مصالحة خليجية، ثم الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين، فإن التكوينات أو المرتكزات الإقليمية تبدو هشة، بما ينعكس على حالة الاستقرار وغياب السياسي والدبلوماسي في مقابل إدامة النزاع والصراع، لا سيما مع غياب الأطراف والقوى الوازنة، محليا وإقليميا ودوليا. 

لذا، وفي هذا السياق، تبدو محاولات الإدارة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، في إعادة تعويم شخصيات متورطة بجرائم حرب وحقوق الإنسان، كفادي صقر قائد ميلشيا “الدفاع الوطني”، مغامرة تبعث بمخاطر جمّة وتعيق محاولات التوافق الوطني، حيث إن مثل تلك الاختيارات تتسبب في تغييب الشروط العملية التي تنهي الميلشيا كحالة أمنية وسياسية، وبالتبعية، بناء أو ترميم المؤسسات الوطنية وعدم تقويض فعاليتها وسيادتها. فهذه الخطوة، تؤشر إلى مسار انحرافي في “العدالة الانتقالية” التي يدعي الشرع أنه ماض فيه. 

وفي ما يبدو أن مثل تلك الخيارات تكشف عن اتجاه عام في سياسات النخبة الحاكمة الجديدة تنتهي إلى بناء “نظام سلطوي” آخر يحكم قبضته على السوريين وجغرافيتهم ككل، بما يجعل منظومة الإجرام لنظام بشار الأسد تعاود تشكيلها على قواعد جديدة، بدلا من تقديمهم للعدالة.

سلطة الشرع ومراوغة العدالة

المؤتمر الصحفي الذي عُقد في دمشق، يوم الثلاثاء الفائت، شهد سجالات محتدمة أثارت غضبا وجدالات كبيرة، وذلك خلال ظهور كل من حسن صوفان، عضو “اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي”، إلى جانب المتحدث باسم “وزارة الداخلية السورية”، نور الدين البابا. وقد خصص اللقاء للوقوف حول آخر تطورات عمل اللجنة، بجانب إيضاحات حول القرارات الأخيرة المتعلقة بإطلاق سراح عدد من ضباط النظام السابق والتي جرت أثناء عيد الأضحى.

تعويم شخصيات كفادي صقر والاستمرار في تقوية نفوذ قوى لها تاريخ ميلشياوي، لا يعني سوى جملة من الفوائد البراغماتية التي يبحث عن تحقيقها أي نظام قمعي وسلطوي، يهمش القانون لحساب القوة والإدارة الأمنية، وتعميم قبضة من حديد.

ومن الأمور التي باغتت السوريين بل شكلت صدمة مدوية، ما قاله صوفان، حول أن فادي صقر “قد أُعطي الأمان من قبل القيادة”، بدلا من تقديمه للعدالة، مبررا ذلك بضرورات المرحلة. وأردف صوفان: “نتفهم الألم والغضب الذي تشعر به عائلات الشهداء، لكننا مضطرون لاتخاذ قرارات تؤمّن استقرارا نسبيا في هذه المرحلة”.

وبينما حاول صوفان التوضيح بأن العدالة الانتقالية لا تعني محاسبة كل من خدم في النظام السابق، بل تتركز على “كبار المجرمين” ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة، لم يُجب بشكل مباشر حول ما إذا كانت الجرائم المنسوبة إلى فادي صقر – المتهم بضلوعه في مجازر موثقة (مجزرة حي التضامن) – لا تدخل ضمن هذا التصنيف، ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير العدالة التي يجري اعتمادها لدى السلطة الحالية، إن كانت لا تشمل فادي صقر، خاصة وأن الأخير أحد أبرز رجالات “الأسد” في قمع السوريين. 

ليس ثمة شك، أن جرائم فادي صقر ليست محل خلاف سياسي، فهي تمثل انتهاكات وخروقات حقوقية ترقى إلى كونها جرائم ضد الإنسانية، حيث تستوجب الخضوع لتحقيقات جدية وحقيقية. 

المؤتمر الصحفي الذي عُقد في دمشق، يوم الثلاثاء الفائت، لكل من حسن صوفان، عضو “اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي”،والمتحدث باسم “وزارة الداخلية السورية”، نور الدين البابا- “إنترنت”

بالتالي من الضروري أن تجري بالتنسيق مع المؤسسات الحقوقية السورية والدولية، التي تمتلك أدلة بشأن تورطه بهذه الجرائم المنسوبة إليه. لذا، فإن محاولة إعادة تعويمه ليس فقط إنكار لحقوق الضحايا السوريين وتجاهل للعدالة، بل تثير تساؤلات ملحة حول طبيعة التوجهات السياسية لدى سلطة الشرع، وآليات اتخاذ القرار في قضايا بهذه الأهمية والدقة، كما تنعكس آثارها على المجتمع بتنويعاته وتعدد فئاته، فضلا عن مؤسسات الدولة. فتغلغل هذه الفئات الميلشياوية في منظومة الحكم الجديد، بشكل مباشر أو غير مباشر، وسواء منظم أو عفوي، يراكم انطباعات أو بالأحرى حقائق بأن تغيرا بنيويا في السلطة وهياكلها لن يحدث بالشكل الذي يؤسس لقطيعة مع ميراث نظام “البعث”. 

تفخيخ مؤسسات الدولة بـ”قوى ميليشاوية”

وفي هذا الصدد، تحدث مصدر سياسي مطلع من الساحل السوري، لـ”الحل نت”، بقوله إن إعادة تعويم فادي صقر لم يأت من فراغ، بل هي استراتيجية مدروسة من قبل السلطة الانتقالية الجديدة في دمشق. وبحسب المصدر الخاص نفسه، فإن أحمد الشرع يرى في ميلشيا “الدفاع الوطني” أداة يمكن إعادة تفعيلها لأغراض وظيفية، مشابهة لما فعله النظام السابق أثناء قمعه للسوريين وثورتهم.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن الشرع ليس لديه حاليا قوة بشرية كافية، وهو بحاجة لقوة أمنية منظمة وقادرة على فرض السيطرة على امتداد الجغرافيا السورية، خاصة في مناطق الساحل والعاصمة دمشق وحمص. بالتالي، ثمة حاجة لجهة مسلحة منتشرة في العديد من المناطق كقوات “الدفاع الوطني”، والتي يقدر عددهم بأكثر من 100 ألف، وفق “مركز مالكوم كير” في معهد “كارنيغي”، والأهم من ذلك، أنها تمتلك الخبرات في القتال وفرض السطوة بالقوة والترهيب.

ويتابع المصدر: “بعد الانفلات الأمني ووقوع مجازر في الساحل، والتي تتهم بها فصائل (الجيش الوطني المدعومة من أنقرة) أو حتى المحسوبة على الإدارة بدمشق نفسها، يجد الشرع نفسه أمام معضلة حقيقية في ضبط المناطق المختلفة، وبالتالي اتجه نحو قوة لديها التجربة مثل (قوات الدفاع المدني)، حتى وإن كانت متورطة بجرائم حرب وانتهاكات جسيمة”.

وأردف المصدر ذاته، أن “هناك اتفاقا غير معلن بين أشخاص نافذين في منظومة الشرع وفادي صقر، مفاده تسوية وضع الأخير مقابل الانصياع لأوامر السلطة السورية الجديدة”، مشيرا إلى أنه لا يملك معلومات كافية حول هذه التسوية، ولكن المؤكد أن ثمة مصالح تبادلية بين الطرفين، وقد يتم استخدام قوات فادي صقر على شكل “قوات رديفة”، وذلك لتأدية أدوار وظيفية لصالح سلطة الشرع.

إعادة تعويم المجرمين بدلا من بناء دولة

بالنظر إلى ما ذكره المصدر الخاص، فإن ذلك غير مستبعد، إذ إن منح السلطات الحرية لفادي صقر وتجواله في الساحل بكل أريحية، يعني أن هناك اتفاقا بين الطرفين وغطاء يحتمي به صقر من السلطة الانتقالية.

ويضاف إلى ذلك وساطة فادي صقر في إخراج العديد من عناصر قوات الأسد من السجون، وتدخله في عودة العلويين الذين فرّوا هربا من المجازر التي ارتكبت بحقهم في آذار/مارس الماضي بالساحل السوري، ولجؤوا إلى قاعدة حميميم الروسية.

لذلك، يبدو أن هكذا قوة محلية مسلحة ومدربة بينما كانت تعمل طوال السنوات الماضية في خدمة الأسد، ربما يكون خيارا جيدا للشرع يمنحه هامش مناورة للتنصل من الانتهاكات، وفي الوقت نفسه، يوظفها لصد أي تحرك شعبي ضده في المستقبل. بمعنى آخر، “الشرع يريد أدوات قمع، لكنه لا يريد أن تُحسب عليه مباشرة. فميلشيا كـ(قوات الدفاع المدني)، بحكم تركيبتها المحلية، يسهل أن تُرمى في وجه أي احتجاج شعبي أو أعمال انتقام أو أية أعمال أخرى غير قانونية، ثم يتم تحميلها وحدها المسؤولية”.

لافتة رُفعت خلال الوقفة الاحتجاجية ضد ظهور المتهم الأساسي في “مجزرة التضامن” في اجتماع للحي مع مسؤولين عن الأمن بدمشق- “الشرق الأوسط”

ومما لا شك فيه أن السلطات السورية الجديدة تعرف تماما الخلفيات الإجرامية لمعظم قيادات “الدفاع الوطني”، بمن فيهم فادي صقر، وتدرك علاقاتهم الوثيقة السابقة بإيران وشبكات المخدرات (الكبتاغون) كما الارتباطات الروسية، لكنها تتغاضى عنها بالكلية، وذلك بغية الاستفادة منهم، مثل “الولاء والاستعداد لإعادة تموضعهم في المشهد السوري الجديد”، خاصة أن هذه القوات من أبناء المنطقة المحليين وبالتالي من السهل جدا التغلغل من خلالهم داخل المجتمعات المحلية والأكثر قدرة على التعامل مع سكانها، ثم دفعهم للانحياز إلى الحكومة الشرعية، من خلال سياسات الترغيب والترهيب.

ولدى ميلشيا “الدفاع الوطني” قوات وقادة في جميع المناطق التي كان يسيطر عليها نظام الأسد، بما في ذلك محافظة الحسكة، حيث كانوا يتمركزون في المربعات الأمنية. وجميع قادة “الدفاع الوطني” متورطون في جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية. وغالبية هؤلاء القادة كانوا، قبل عام 2011، من أصحاب السوابق الإجرامية، ومنخرطين في أعمال غير قانونية، مثل تجارة المخدرات، وبعضهم صدرت بحقهم أحكام قضائية.

لذا يمكن القول إن التعويل على فادي صقر و”الدفاع الوطني”، يعبّر عن عجز الشرع عن بناء مؤسسات أمنية جديدة موثوقة من داخل المجتمع أو من فصائل “المعارضة السورية” (خاصة الجيش الوطني ذات السجل السيء).

لماذا تستبعد القوى المعارضة الحقيقية؟

بالمحصلة، تعويم شخصيات كفادي صقر والاستمرار في تقوية نفوذ قوى لها تاريخ ميلشياوي، لا يعني سوى جملة من الفوائد البراغماتية التي يبحث عن تحقيقها أي نظام قمعي وسلطوي، يهمش القانون لحساب القوة والإدارة الأمنية (بمفهوم القمع والبطش)، بشكل قسري وتعسفي وعلى أسس قوانين الطوارئ سيئة السمعية بالشرق الأوسط، وتعميم قبضة من حديد. 

ويبقى التساؤل، لماذا تتحالف السلطة الحالية والتي يقودها الشرع، مع أي طرف أو شخصية ذات نفوذ وإن كانت ذات تاريخ إجرامي، إلى جانب دمج فصائل “الجيش الوطني” ضمن وزارة الدفاع، وذلك رغم أن معظمهم تطاوله اتهامات بخصوص جرائم وانتهاكات موثقة بتقارير حقوقية وأممية، وموجودون على قوائم العقوبات الغربية، مثل قادة فصيلي “العمشات” و”الحمزات”؟، بينما وفي المقابل، لا يبدو أن هناك رغبة أو استعداد للتعاون مع شخصيات معارضة وطنية لها تاريخ طويل في معارضة نظام الأسد، أو حتى إشراكهم في مؤسسات الدولة لخدمة السوريين.

هذا يؤشر إلى أن الغلبة لإعادة تدوير شخصيات وعناصر يمكن أن تصبح أدوات وظيفية لتقوية النظام بدلا من المؤسساتية والحوكمة والعدالة والشفافية. وحتما، الرهان على شخصيات إجرامية، قد يكون خيارا سهلا وفوريا لفرض الهيمنة والسطوة، إلا أنه سيعمق الانقسامات السورية بشكل حاد، وسيفقد سلطة الشرع قدرتها على تمثيل السوريين. وهو خطأ سياسي فشل فيه حكم الأسدين، وسيثبت الزمن أنه مكلف وزائل.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم