“قانون قيصر” في مفترق الطرق.. هل تتوج التحركات الدبلوماسية السورية برفع كامل للعقوبات؟

قانون قيصر

في خطوة تعكس التوجه المتشدد للكونغرس الأميركي تجاه الملف السوري، تتجه واشنطن نحو إبقاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، مع ربط أي تعليق محتمل لها بشروط دقيقة ومعايير صارمة يصعب تحقيقها على المدى القصير.

 ويأتي هذا التوجه على الرغم من التوقعات التي سادت مؤخرًا حول قرب رفع العقوبات بإلغاء قانون قيصر، خاصة في ظل التغيرات السياسية الداخلية في سوريا.

رقابة وشروط معقدة

يعود هذا المسعى إلى تعديل مقترح على مشروع قانون تفويض الدفاع لعام 2026، قدمه السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام والديمقراطي كريس فان هولين، ينص على تعليق عقوبات “قانون قيصر” الذي أُقر في عام 2019 فقط في حال التزمت الحكومة السورية بمجموعة محددة من المعايير الأمنية، والإنسانية، والإقليمية.

 ويُعتبر هذا التعديل بمنزلة تأكيد على أن الرقابة من جانب الكونغرس ستظل عنصرًا محوريًا في رسم السياسة الأميركية تجاه سوريا، وأن أي تخفيف للعقوبات سيبقى مرتبطًا بمدى امتثال دمشق للأهداف الأميركية في المنطقة.

المعايير التي وضعها التعديل لا تقتصر على ملفات اقتصادية أو سياسية عامة، بل تشمل التزامات واضحة من جانب الحكومة السورية، إذا تتضمن التزام دمشق بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي ضده، إلى جانب ضمان تمثيل الأقليات الدينية والعرقية في مؤسسات الحكم.

كما تطالب واشنطن دمشق بتقديم تعهدات بعدم دعم أو تمويل أي جماعات أو منظمات إرهابية قد تهدد الأمن القومي الأميركي، وإبعاد المقاتلين الأجانب من المؤسسات العسكرية والأمنية، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي وقعت منذ الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 ومحاكمة المسؤولين عنها.

مخاوف اقتصادية متزايدة

هذه الشروط، التي يصفها خبراء اقتصاديون بأنها صعبة التحقيق، تثير مخاوف كبيرة بشأن تأثيرها على الاقتصاد السوري المتردي، فوفقًا لما صرح به الخبير الاقتصادي مؤيد الحلاق لصحيفة “العربي الجديد”، فإن هذه الشروط تمثل “اختبارًا صعبًا للاقتصاد السوري”، محذرًا من أن أي تأخير في الوفاء بها قد يفاقم الأزمة الاقتصادية ويجعل تخفيف العقوبات أمرًا شبه مستحيل.

تشهد سوريا بالفعل تدهورًا اقتصاديًا حادًا، حيث يعاني حوالي 90 بالمئة من السكان من الفقر، بعد سنوات من الحرب التي دمرت البنية التحتية والنسيج الاقتصادي للبلاد.

يؤكد الحلاق أن استمرار العقوبات أو إعادة فرضها في حال عدم استيفاء الشروط قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتفاقم نقص السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء، مما يضع الأسر السورية تحت ضغط شديد.

معاناة المواطن السوري تحت العقوبات

في حين أن الالتزام بهذه الشروط قد يمهد الطريق لعودة محدودة للاستثمارات الأجنبية وتخفيف جزئي للعقوبات، فإن أي فائدة اقتصادية لن تظهر بشكل فوري، وسيتطلب التعافي المستدام “برنامجًا واضحًا للإصلاحات المالية والإدارية”، بحسب ما أفاد.

من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي عصام زيدان أن عقوبات “قانون قيصر” لم تستهدف الحكومة فحسب، بل ألحقت أضرارًا بالغة بالمواطنين السوريين بشكل مباشر.

ويشدد زيدان على أن التعليق الجزئي للعقوبات في ظل هذه الظروف لن يكون له تأثير يذكر ما لم تتحسن مستويات المعيشة بشكل ملموس، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص الأدوية والوقود قد دفع بالعديد من الأسر إلى براثن الفقر.

جدل بـ”الكونغرس” وصفقة سياسية

يأتي الجدل المحتدم في الكونغرس حول مصير “قانون قيصر” في ظل دعوات متزايدة لإلغائه بالكامل، حيث يرى المدافعون عن هذا الطرح أن القانون أصبح عتيقًا ولم يعد يخدم مهمته الأصلية في ظل التغيرات السياسية الأخيرة في سوريا.

وقد أشار المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، في تصريحات لصحيفة “ذا هيل”، إلى تفاؤله بإمكانية إقرار إلغاء كامل للقانون، مؤكدًا أن هذا الإلغاء سيفتح طريقًا أمام تدفق الأعمال التجارية.

كشف “المجلس السوري الأميركي”، مساء السبت، عن إنجاز صفقة سياسية مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس، تقضي بإلغاء عقوبات “قانون قيصر” وفق شروط محددة تلتزم الحكومة السورية بتنفيذها على مدار السنوات الأربع القادمة.

وأوضح رئيس السياسات ومدير الشؤون الحكومية في المجلس، محمد علاء غانم، أن التسوية تنص على إلغاء القانون بنهاية العام الجاري، مع إلزام وزير الخارجية بتقديم تقرير كل ستة أشهر للكونغرس حول تقدم دمشق في تنفيذ الشروط، وفي حال فشلت الحكومة في إحراز تقدم لمدة 12 شهرًا متواصلًا، يحق للكونغرس إعادة فرض العقوبات.

دعم من الحزبين لإلغاء القانون

تتزامن هذه التطورات مع زيارة لافتة لوزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، إلى واشنطن، والتي أعرب خلالها عن تفاؤله برفع كامل للعقوبات.

 وفي مشهد تاريخي، عاد العلم السوري ليرفرف فوق مبنى السفارة السورية في العاصمة الأميركية، في إشارة إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من القطيعة.

وفي هذا الصدد، أكد النائب الأميركي جو ويلسون أن إلغاء “قانون قيصر” بالكامل يحظى بدعم من الحزبين في الكونغرس، مشددًا على أن “الشعب السوري قد تحرر” وأنه حان الوقت لإعطاء سوريا فرصة حقيقية للنهوض. وفي منشور له على منصة “إكس”، وصف ويلسون لقاءه مع الشيباني بأنه “إيجابي للغاية” ويمثل بداية فصل جديد في العلاقات بين البلدين، داعيًا الكونغرس إلى التحرك وإلغاء القانون بالكامل.

انقسام داخلي ومواقف متشددة

لكن الجدل مستمر داخل أروقة الكونغرس، حيث يرفض “الصقور” من الحزب الجمهوري إلغاء القانون، متمسكين بموقعه كأداة ضغط لضمان التزام دمشق بمبادئ الحكم الشامل وحماية الأقليات والحرية الدينية.

ويرى هؤلاء المشرعون أن الحكومة السورية الجديدة عليها أن تثبت التزامها بهذه الأولويات، خاصة في أعقاب حوادث أمنية حديثة.

وغذت الأحداث الأخيرة في سوريا هذه المواقف المتشددة، إذ يشير مؤيدو استمرار العقوبات إلى هجمات استهدفت كنيسة أرثوذكسية يونانية في دمشق خلال حزيران/ يونيو، والعنف العرقي في السويداء في تموز/ يوليو، باعتبارها دليلًا على أن الوضع ما زال هشًا وأن رفع العقوبات من دون ضمانات أمنية سيكون مغامرة خطيرة.

وفي الوقت الذي يسعى فيه المشرعون إلى التوصل لصيغة توافقية تحظى بغالبية الأصوات، يبقى مصير “قانون قيصر” معلقًا بين رغبة البعض الإبقاء عليه كأداة للمحاسبة، أو إلغائه وإن بدا هذا أقرب إلى التحقق، سيظل مشروطًا بمدى استعداد الحكومة السورية للانخراط في تسويات قد تكون صعبة بالنسبة لها، في وقت يعيش فيه الاقتصاد على حافة الانهيار والمجتمع مثقلًا بالفقر.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم