“العراقيون سيدفعون الثمن”.. ما تداعيات مواجهة بغداد للعقوبات الغربية بسبب ميليشيات إيران؟

مع تصاعد الصراع الإقليمي الجاري، يواجه العراق معضلة مزدوجة قد تعرضه لعقوبات غربية، ولا سيما الأميركية، التي ستؤثر حتماً على حياة ملايين العراقيين.

وتكمن هذه المعضلة في نشاط الميليشيات العراقية المسلحة المدعومة من طهران، حيث تحاول الحكومة العراقية الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، بينما تستمر فصائل مسلحة ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة” في تنفيذ هجمات ضد مصالح أميركية وأخرى غربية داخل العراق.

ضغوط أميركية

وتزايدت موخراً التحذيرات الأميركية لبغداد بشأن نفوذ الميليشيات المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية.

وفي هذا السياق، أبدت واشنطن رفضاً واضحاً لعودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة. كذلك حذرت من أن وصول شخصية مرتبطة بالفصائل المسلحة قد يؤدي إلى تقليص الدعم الأميركي للعراق وفرض عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بما يعرف بـ “الإطار التنسيقي”. وهذا التحالف السياسي يضم عدداً من القوى الشيعية المقربة من إيران.

وتخشى الأوساط السياسية في بغداد أن يؤدي أي تصعيد من هذا النوع إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة. ويزداد هذا القلق خصوصاً أن نحو سبعة ملايين عراقي بين موظف ومتقاعد يعتمدون على رواتب الدولة. ما يجعل أي أزمة مالية تهديداً واسعاً للاستقرار الاجتماعي.

وتشكل قضية سلاح الفصائل الموالية لإيران إحدى أبرز التحديات التي تواجه الدولة العراقية منذ هزيمة تنظيم “داعش” الإرهابي.

فبينما أطلقت بغداد خلال السنوات الماضية مبادرات لدمج بعض الفصائل أو تنظيم وضعها ضمن المؤسسات الأمنية، ما زالت مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران تحتفظ بقدرات عسكرية بشكل مستقل، فضلاً عن ارتهانهم للقرار الإيراني.

وتشير تقارير إلى أن بعض هذه الفصائل رفضت دعوات لنزع سلاحها، بينها  “كتائب حزب الله” العراقية. في حين وافقت مجموعات أخرى على الدخول في ترتيبات تنظيمية ضمن مؤسسات الدولة.

غير أن استمرار هذه الفصائل في تنفيذ هجمات ضد مصالح أميركية، مثل استهداف السفارة الأميركية في بغداد أو قواعد عسكرية تضم قوات أميركية في أربيل/هولير وقرب مطار بغداد، عزز مخاوف نشطاء عراقيون من أن تتحمل الدولة العراقية تبعات هذه العمليات على المستوى الدولي.

اقتصاد تحت الضغط

وتزداد خطورة هذا الملف بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط.

فبحسب تقديرات رسمية، يشكل النفط نحو 95% من إيرادات الدولة العراقية. لذلك يجعل أي اضطراب في صادرات النفط تهديداً مباشراً لقدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل الموازنة العامة.

وفي ظل التصعيد الإقليمي الجاري، تعرضت بعض المنشآت النفطية في جنوب العراق لمخاطر أمنية. فيما تحدثت تقارير عن استهداف ناقلات نفط قرب سواحل البصرة. نتيجة لذلك، دفعت هذه الأحداث السلطات العراقية إلى اتخاذ إجراءات احترازية مؤقتة في عمليات التصدير.

وتعد محافظة البصرة الرئة الاقتصادية للعراق، إذ تنتج ما يقارب 80% من النفط العراقي.

في هذا السياق، حذر المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح من أن أي توقف طويل لصادرات النفط قد يضع الحكومة أمام أزمة مالية حقيقية.

وأشار صالح إلى أن الحكومة تستطيع الاستمرار في دفع الرواتب لفترة محدودة، قد تمتد إلى شهر أو شهرين. لكن استمرار الأزمة قد يدفعها إلى اللجوء إلى الاقتراض الداخلي لتغطية النفقات الأساسية.

وتعد رواتب الموظفين أحد أكبر بنود الإنفاق في الموازنة العراقية، حيث يعتمد ملايين العراقيين بشكل مباشر على دخل الدولة.

هل يمكن فرض عقوبات على العراق؟

يرى الباحث العراقي المقيم في الولايات المتحدة عقيل عباس أن احتمال فرض عقوبات أميركية على العراق يظل قائماً إذا استمر نفوذ الفصائل المسلحة دون معالجة حقيقية.

ويشير عباس لـ”الحل نت” إلى أن هذه العقوبات، في حال فرضها، لن تكون شاملة كما حدث في تسعينيات القرن الماضي، ولا مماثلة للعقوبات الواسعة المفروضة على إيران. بل قد تكون عقوبات محددة تستهدف شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بالميليشيات أو بتمويلها.

لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن فرص تجنب العقوبات تبقى ممكنة، إذا تمكنت القوى السياسية العراقية من توحيد موقفها ودعم خطوات حكومية تهدف إلى ضبط سلاح الفصائل.

ويقول عباس إن تجنب العقوبات يتطلب قراراً سياسياً عراقياً موحداً، مدعوماً من قوى الإطار التنسيقي، للبدء فعلياً بتفكيك الفصائل الموالية لإيران.

غير أنه يستبعد في الوقت ذاته تحقق هذا السيناريو بالكامل. ويرجح أن تتجه القوى السياسية إلى إجراءات جزئية تهدف إلى تقليل الضغوط الدولية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع تلك الفصائل.

وبحسب تقديره، قد يفضي هذا المسار إلى عقوبات مؤسساتية محدودة تستهدف كيانات أو شخصيات بعينها. لكن من دون أن تصل إلى مستوى العقوبات الشاملة التي قد تهدد الاستقرار المالي للدولة العراقية.

لكن، إذا تصاعدت وتوسّعت الحرب، ولا سيما من الجبهة العراقية، وهو أمر مرجّح، خاصة وأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في الوقت الراهن، قد تكون سياساته مدفوعة بالرغبة في الانتقام لمقتل والده علي خامنئي، ما قد يدفعه تالياً إلى اتخاذ خطوات تصعيدية خطيرة في المنطقة، خصوصاً تجاه العراق، بغية إرضاء هذه النزعة الانتقامية.

وبالتالي، فإن العقوبات الغربية على الميليشيات العراقية المدعومة من إيران ستؤثر حتماً على العراق ككل، سواء على مستوى مؤسساته أو على العراقيين أنفسهم، نظراً لأن جزءاً من هذه الميليشيات مدمج ضمن مؤسسات الدولة الرسمية، مثل “الحشد الشعبي”.

وعليه، فإن توسيع العقوبات الغربية على هذه الميليشيات سيضع العراق ومؤسساته أمام مشكلات جمّة، تتمثل في اتساع العزلة المالية بشكل تدريجي، وظهور تعقيدات في التحويلات البنكية، إضافة إلى تردد الشركات والمستثمرين في التعامل مع السوق العراقية، ما يفاقم أساساً الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يعيشها العراقيون اليوم.

إضافة إلى ذلك، تبرز أزمة سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، إذ هناك معضلة يعاني منها العراقيون منذ نحو ثلاث سنوات، تتمثل في الفجوة بين سعر الصرف الرسمي ونظيره في السوق الموازية (السوداء). ومع تشديد الحكومة العراقية القيود على التحويلات المالية وحصرها بالدينار العراقي، يجد كثير من العراقيين أنفسهم مجبرين على استلام مستحقاتهم بعملة تفقد جزءاً من قيمتها مع كل أزمة، أو مع تصاعد العقوبات الغربية، أو اندلاع حروب، مثل الحرب الجارية حالياً.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن السعر الرسمي مستقراً شكلياً، لكنه متذبذب فعلياً بالسوق السوداء. وبذلك، فإن استمرار هذا التباين في السعر يكشف عن خلل كبير في إدارة الاقتصاد والعلاقة مع النظام المالي الدولي. وعليه في حال صعدت الميليشيات العراقية المدعومة إيرانياً من الصراع الإقليمي الجاري، فمن المرجّح أن تتزايد العقوبات الغربية، بالتوازي مع تراجع قيمة الدينار مقابل الدولار، ما سيحمل آثاراً سلبية كبيرة على المواطنين العراقيين.

لكن.. لماذا تملك واشنطن نفوذاً مالياً على العراق؟

في العام 2003، أنشئ صندوق تنمية العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483، حيث أودعت عائدات النفط في حساب لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك.

وكان الهدف من ذلك حماية أموال العراق من الديون والمطالبات القانونية الدولية التي ترتبت على حروب النظام السابق.

وبموجب هذه الآلية، تودع عائدات النفط العراقي بالدولار في حساب البنك المركزي العراقي لدى الفيدرالي الأميركي، قبل أن تحوله إلى العراق لتغطية النفقات الحكومية.

كما تمارس واشنطن رقابة مالية على حركة هذه الأموال، للتأكد من عدم استخدامها في عمليات غسيل الأموال أو تمويل جهات خاضعة للعقوبات الدولية.

وفي السنوات الأخيرة، شددت الولايات المتحدة هذه الرقابة عبر منصة إلكترونية خاصة بعمليات التحويل المالي. وهذا ما أدى أحياناً إلى اضطرابات في سعر صرف الدولار داخل العراق.

في المحصلة يبدو أن العراق بحاجة إلى الحفاظ على استقرار علاقاته مع واشنطن لضمان استمرار الدعم المالي والسياسي. وفي الوقت نفسه لا تزال تواجه نفوذاً واسعاً للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة. كذلك ما يزيد الطين بلة هو الوضع المالي العراقي. لذا أي عقوبات أو اضطرابات اقتصادية محتملة قادرة على التأثير المباشر على حياة ملايين العراقيين.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم