أثار تعيين مجتبى خامنئي مؤخراً مرشداً أعلى لإيران، بعد اغتيال والده علي خامنئي عبر عملية منسقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والدينية الإيرانية، ولا يزال شخصية غامضة بالنسبة للإيرانيين الذين لا يعرفون الكثير عنه.
يثير تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران تساؤلات جدية حول أهليته للمنصب وشرعية تعيينه في إطار المعايير الدستورية والدينية للجمهورية الإسلامية، فضلاً عن مدى تأثير “الحرس الثوري” الإيراني على الوضع الديني في البلاد. وبالتالي فإن التساؤل الأبرز هنا، ما مدى شرعيته لدى الإيرانيين؟
مجتبى: هل ترقيته غير مستحقة؟
السؤال الأول المتعلق بتعيين مجتبى خامنئي يدور حول مدى أهليته للمنصب؛ فحتى وقت قريب، كان يحمل رتبة “حجة الإسلام”، وهي رتبة متوسطة في التسلسل الهرمي الديني الشيعي، ولكن بعد تعيينه مرشداً أعلى من قبل مجلس الخبراء، سارع النظام إلى ترقيته إلى رتبة أعلى وهي “آية الله”، بينما رأى مراقبون أن هذه الترقية السريعة لا تعكس المسار العلمي التقليدي المطلوب للوصول إلى هذه المرتبة، التي تُعد على نطاق واسع المستوى المناسب من السلطة الدينية للمرشد الأعلى في إيران.

فمجتبى لم يُصدر قط مؤلفات علمية أو أطروحات دينية تُشترط عادة للحصول على رتبة دينية أعلى. وفي الهيكل الرسمي “للجمهورية الإسلامية”، ينصّ الدستور الإيراني على أن المرشد الأعلى يجب أن يتمتع بأعلى مستوى من السلطة الدينية، المرتبطة عموماً بلقب “آية الله العظمى”، وعلى الرغم من ذلك، تم منحه اللقب ليتلاءم مع المنصب، لا أن يُمنح المنصب وفقاً لإمكاناته.
وليس هذا فقط، بل أفادت مصادر متعددة مطلعة لشبكة “سي بي إس نيوز” أن الاستخبارات الأميركية علمت أن المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، كانت لديه مخاوف بشأن تولي ابنه المنصب، إذ كان يُنظر إليه على أنه ليس ذكياً جداً، ويُعتبر غير مؤهل ليكون قائداً.
“الحرس الثوري” من قرر تعيينه
السؤال الثاني حول تعيين مجتبى خامنئي يتعلق بآلية التعيين ذاتها؛ فعلى عكس والده، علي خامنئي، الذي تبلورت مكانته الثورية عام 1979 وتعززت خلال الحرب العراقية الإيرانية، فإن شرعية مجتبى ستعتمد بشكل أقل على مكانته الدينية العامة، وأكثر على التحالفات المؤسسية.
وفي غضون أيام بعد اغتيال علي خامنئي، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن مجلس الخبراء قد اختار ابنه، مجتبى خامنئي. وبموجب المادة 107، يتعين على مجلس الخبراء التداول وتعيين المرشد الأعلى، وهو ما يستلزم عادة عقد جلسة رسمية، إلا أنه لم تُذكر معلومات واضحة حول ذلك. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المجلس قد اجتمع حضورياً، أو صوّت عن بُعد، أو توصل إلى قراره من خلال مشاورات طارئة. وقد أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية تعيينه، لكنها لم تقدم سوى القليل من التفاصيل الإجرائية.
والتبرير هو أن اختيار مجتبى جاء وسط حرب مستمرة واضطرابات شديدة أعقبت الغارات الجوية التي أودت بحياة علي خامنئي، فيما أثار الغموض المحيط بالعملية تصعيد الجدل حول شرعية الخلافة، وهو بمثابة انتقال غير مسبوق للسلطة داخل العائلة نفسها، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ إيران، ومثير للجدل للغاية بالنظر إلى أيديولوجية النظام وتقاليده، فضلاً عن تاريخ البلاد قبل ثورة 1979.
أما المعلومات التي وردت حول ذلك، فذكرت أن “الحرس الثوري” الإيراني هو من يقف خلف تعيين مجتبى، حيث مارس ضغوطاً كبيرة على مجلس الخبراء خلال عملية اختيار الخليفة.
ويمكن تفسير ذلك بوضوح عند مراجعة العلاقة المتطورة بين المرشد الأعلى و”الحرس”، والتي ظهرت بشكل حاسم خلال الاضطرابات التي أعقبت انتخابات عام 2009. فبعد الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، التي أعادت محمود أحمدي نجاد إلى السلطة، اندلعت احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء إيران، ولعب “الحرس الثوري” و”قوات الباسيج” دوراً حاسماً في قمع المظاهرات.
وأكدت أحداث عام 2009 سيادة المرشد الأعلى، وعززت التحالف بين القيادة والأجهزة الأمنية، ويرى العديد من المحللين أن مجتبى لعب دوراً تنسيقياً داخل مكتب المرشد خلال تلك الأزمة.
في المقابل، أعرب بعض كبار رجال الدين في إيران سراً عن قلقهم إزاء تنامي هيمنة المؤسسة العسكرية. ووفقاً لتقارير نشرتها “وكالة أنباء إيران” الدولية المعارضة، فقد ناقشت شخصيات دينية نافذة إمكانية الحد من سلطة مجتبى أو مواجهة النفوذ المتزايد “للحرس الثوري”.
كيف استقبله الإيرانيون؟
السؤال الثالث حول هذا التعيين المثير للجدل يتعلق برؤية الإيرانيين أنفسهم لمجتبى؛ فبينما عرض التلفزيون الرسمي صوراً لأولى الصواريخ التي أُطلقت باسمه، مع رسالة مكتوبة على جانبها: “في خدمتكم، سيد مجتبى”، فإن الداخل الإيراني يشهد أجواء مشحونة، إذ حذر قائد الشرطة الإيرانية من أن أي شخص يخرج إلى الشوارع بتشجيع من القادة الأميركيين والإسرائيليين سيُعامل على أنه “عدو” وليس متظاهراً مدنياً، في إشارة إلى تضييق هامش المعارضة في ظل ظروف الحرب.
في المقابل، صُوّرت الشكوك حول الطبيعة الوراثية للخلافة في وسائل الإعلام الرسمية على أنها حرب نفسية أجنبية، بينما جرى تقديم التجمعات الصغيرة نسبياً المؤيدة للحكومة على أنها مؤشرات على حماس شعبي واسع.
وبسبب قلة ظهوره العلني، إذ تجنب الأضواء إلى حد كبير، فإن الإيرانيين لا يعرفون مرشدهم الجديد عن قرب، بل يعرفون فقط أنه ابن المرشد السابق، ورجل ذو صلات قوية بـ”الحرس الثوري” و”الباسيج”، ما يضع ارتباطه بهذه المؤسسات في سياق سياسي يرى أن الهوية الدينية للدولة جزء لا يتجزأ من جهازها الأمني.
كما عبّرت المعارضة عن مخاوف واسعة بشأن مستقبل طهران، في وقت تجمع فيه أنصار النظام في عدد من المناطق لإعلان “البيعة”.
وبحسب وكالة “فرانس برس”، سُمعت هتافات مناهضة لمجتبى خامنئي في طهران بعد انتخابه مرشداً، حيث تم تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي تعبّر عن رفض القرار.
تداعيات تعيين مجتبى مرشداً لإيران
السؤال الرابع يدور حول تداعيات هذا التعيين؛ فلطالما بررت إيران حكمها بالادعاء بالشرعية الدينية والالتزام بالشريعة الإسلامية، لكن اليوم، فإن المرشد الأعلى نفسه يفتقر إلى المؤهلات العلمية التي يتطلبها النظام، مما قد يضعف هذه الشرعية أكثر.
وقد تؤدي هذه الشكوك حول أهليته إلى تعميق الانقسامات داخل المؤسسة الدينية، وربما تشجع بعض فئات الطبقة الدينية على النأي بنفسها عن النظام.
في الوقت نفسه، قد تُثار صراعات داخلية في ظل ظروف الحرب، وقد يتفاقم الاستياء الشعبي تجاه المؤسسة الدينية.
كما أنه من المرجح أن يسعى مجتبى إلى توطيد سلطته سريعاً من خلال تشديد قبضته على القوات المسلحة، وإجراء عمليات تطهير للولاء داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتعزيز الدور المحوري “للحرس الثوري” في الحكم والاقتصاد.
بينما رأت دراسة لـ”معهد واشنطن” أنه في ظل ضغوط شخصية وسياسية شديدة، وتحت تأثير قوي من “الحرس الثوري”، قد يلجأ إلى خيارات متطرفة لاستعادة الردع في الخارج والشرعية في الداخل. وقد تشمل هذه الخيارات توسيع نطاق الضربات الصاروخية الباليستية، ولا سيما ضد دول الخليج، وتصعيد التدخل بالوكالة، وزيادة القمع الداخلي على نطاق واسع، وتسريع الأنشطة النووية السرية، واستكشاف قنوات شراء غير تقليدية للصواريخ والقدرات النووية على المدى البعيد.
ومن المرجح أن يتبنى مجتبى استراتيجية “الترسيخ بالتحدي”، أي الاعتماد على “الحرس الثوري”، والتأكيد على العمق الاستراتيجي من خلال القوة القسرية، واستخدام الصواريخ والأسلحة غير المتكافئة لإظهار الصمود.
وليس واضحاً ما إذا كان هذا النهج سيؤدي إلى استقرار النظام أو تسريع تفككه. وفي حال انهيار النظام، من المرجح أن يحاول مجتبى التعاون مع العناصر الموالية المتبقية من “الحرس الثوري” و”قوات الباسيج” لشن تمرد وإحباط جهود الشعب الإيراني.
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران
- 3 فجوات تخنق معيشة السوريين.. كيف عمّقت المحروقات الأزمة؟
- دمشق لطهران: سوريا لم تعد ساحة نفوذ لأي دولة
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟

