أثار قرار حصر بيع المشروبات الكحولية في الأحياء المسيحية بدمشق، الصادر يوم الاثنين الماضي، عن محافظ دمشق، حالة من الاستياء بين السوريين عموماً، وبين سكان تلك الأحياء خصوصاً، وسط مخاوف من إلصاق وصمة اجتماعية بها.
وبرّرت المحافظة القرار باستناده إلى قوانين تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وتراجعت جزئياً عنه مع تقديم اعتذار رسمي، يرى حقوقيون أن الخطوة تتجاوز حدود السلطة الإدارية وتفتح الباب أمام استخدام انتقائي للقوانين القديمة.
اعتصام باب توما
وشهدت ساحة باب توما في العاصمة السورية دمشق، أمس الأحد، اعتصاماً شعبياً شارك فيه المئات، رفضاً للقرارات التي اعتبرها المحتجون مساساً بالحريات الفردية وكرامة السوريين، محّذرين من تداعيات قد تحمل طابع مناطقي أو تحريضي ضد مكون من مكونات الشعب السوري.



وكانت محافظة دمشق قد قالت إن قرار تنظيم بيع المشروبات الكحولية يستند إلى مراسيم وقوانين تعود إلى عام 1952، ويهدف إلى ضبط الفوضى والتجاوزات، لا إلى تقييد الحريات.


وأكدت المحافظة، أن حصر البيع في أحياء ذات غالبية غير مسلمة منصوص عليه قانوناً منذ عقود، قبل أن تتراجع جزئياً عن القرار وتقدم اعتذاراً لسكان بعض الأحياء، متعهدة بإعادة النظر في آليات تطبيقه.
قرار المحافظة مخالف للقانون
ورداً على قرار المحافظة، قال المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس، إن “قرار محافظ دمشق رقم 311 وتوضيحه اللاحق يطرحان مخالفة قانونية جوهرية تتعلق بتجاوز حدود السلطة الإدارية ومخالفة نص تشريعي”.

وأوضح شماس أن المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952وتعديلاته هو التشريع الناظم للحانات، وقد عرّفها في مادته الأولى بأنها الأماكن التي تُباع فيها الخمرة بالقدح للاستهلاك داخل المحل، ومواعيد فتحها وإغلاقها، ومن هم الممنوعين من ارتياد هذه الحانات، ولم يتطرق أبداً لأماكن بيع المشروبات الكحولية المختومة”.
وأضاف شماس أن المرسوم التشريعي حدد بوضوح المنطقة الممنوعة فقط، “بعدم جواز فتح الحانات في الأحياء التي يكون أكثر أهلها من المسلمين”. ولم يحدد مناطق بعينها، ولم يمنح المحافظ سلطة تحديد المناطق المسموحة”.
وأكد شماس أن أي قرار إداري يذهب إلى أبعد من هذا الحد، يكون قد تجاوز النص التشريعي وتعدّى على صلاحيات السلطة التشريعية.
وعن التوضيح الصادر عن محافظة دمشق قال شماس، إن التوضيح اكتفى بتغيير اللغة دون تغيير المضمون. لم يُلغِ القرار، ولم يجمّده، ولم يعترف بأنه خالف نصا تشريعياً، ولم يصحّح التفسير الخاطئ للمادة 15، بل أعاد إنتاج الفكرة نفسها بصياغة مختلفة. وهذا لا يرفع المخالفة القانونية“.
وختم شماس بالقول إن القرار وتوضيحه “يشكّلان مخالفة صريحة للقانون، وتجاوزاً لمضمون المرسوم 180 لعام 1952 والمرسوم 1 لعام 1967، عبر تفسير يُفضي إلى استحداث أحكام جديدة غير واردة في نصّيهما”.
من جهته، يرى الحقوقي المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أن القرار “مشوب بعيب عدم المشروعية”، ولا يستند إلى أي نص يجيز فرض حظر عام، بل يرقى إلى “تعديل ضمني للتشريع”، ما يجعله فاقداً لركن المشروعية ومخالفاً لمبدأ سمو القانون، مشيراً إلى إمكانية الطعن فيه أمام مجلس الدولة.
انتقائية القوانين
وقال المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبدالله، إن الإشكالية لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في “السلوك الانتقائي للسلطة في استدعاء قوانين قديمة واستخدامها لتقييد الحريات الأساسية والعملين السياسي والمدني”.



وأشار العبدالله إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها السلطة إلى قوانين سابقة، من خلال الانتقائية في استخدام القوانين، لافتاً إلى محاولات مشابهة لم تحظَ بتفاعل واسع في حينها، وأضاف أن “الانتقائية القائمة اليوم تمنح السلطة هامشاً واسعاً لإعادة تفعيل نصوص قانونية قديمة بما يتوافق مع رؤيتها، وبما يفرض قيوداً على المجتمع وفق الإطار الذي تريده”.
وتابع أن هذا الطرح يثير تساؤلات لدى البعض حول أسباب عدم تطبيق دستور عام 1950، الذي صاغته الكتلة الوطنية بعد الاستقلال ويُنظر إليه باعتباره معبّراً عن إرادة السوريين، وذلك كمرجعية مؤقتة إلى حين انتهاء المرحلة الانتقالية وانتخاب مجلس شعب جديد.
وفي سياق متصل، ذكّر العبدالله بسابقة تعود إلى الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2025، حين استُخدم قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958، الصادر خلال مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر، والذي يمنح وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل صلاحيات واسعة، تشمل إغلاق الجمعيات أو دمجها ورفض ترخيصها وفرض الرقابة على عملها.
تجاهل الدستور
وختم العبدالله بالقول إن “المسألة لا تتعلق بالمشروبات الكحولية أو بقانون الجمعيات بحد ذاته، بل بمعركة أوسع تتعلق بتثبيت الحقوق”، محذّراً من إعادة استخدام “قوانين قديمة سيئة” بطريقة انتقائية واستنسابية، على نحو يعيد إنتاج ممارسات السلطات السابقة تحت غطاء قانوني.
ويرى ناشطون أن القرار يعدُّ تغوّلاً على الحريات الشخصية هو مخالفة صريحة للمادة (12) من الإعلان الدستوري الصادر عن الحكومة نفسها في آذار/مارس 2025، والتي نصت أن الدول تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة

