وسط ظروف انتقالية مشحونة ومحاولات متكررة لإظهار ملامح بناء مؤسسات جديدة في سوريا، جاء المرسوم رقم 143 لعام 2025 ليعلن عن نظام انتخابي مؤقت لمجلس الشعب.
في الظاهر، بدا الأمر خطوة نحو إعادة الحياة البرلمانية وإشراك المواطنين في تقرير مصيرهم. لكن قراءة متأنية لنصوص المرسوم تكشف أسئلة عميقة تتجاوز الشكل القانوني.
فهل نحن أمام انتخابات حقيقية قادرة على إنتاج مجلس يمثل السوريين، أم أمام آلية أخرى من آليات التعيين المقنّع، حيث تبقى الكلمة الفصل بيد الرئاسة؟
هيمنة السلطة التنفيذية
بالعودة للمرسوم الرئاسي نجده ينص في المادة 6 الفقرة 4 على أنه في حال شغور مقعد أحد أعضاء اللجنة العليا للانتخابات، يتولى رئيس الجمهورية تعيين بديل عنه.

للوهلة الأولى قد يبدو هذا إجراءً تنظيميا طبيعيا، لكن ما يترتب عليه عمليا أن اللجنة، المفترض أن تكون مستقلة ومحصّنة ضد تدخلات السلطة التنفيذية، تصبح خاضعة بالكامل لإرادة الرئيس.
فالجهة التي تشكلها وتملك حق استبدال أعضائها هي نفسها السلطة التي يفترض أن تخضع لرقابتها.
وتتعمّق هذه الإشكالية أكثر مع المادة 38 الفقرة 4، التي تُلزم اللجنة العليا برفع النتائج النهائية إلى رئيس الجمهورية ليصادق عليها بمرسوم رسمي، هنا لا تعود الانتخابات عملية مستقلة قائمة بذاتها، بل جزءا من سلسلة إجراءات تنتهي على مكتب الرئيس، ما يحوّل مبدأ الفصل بين السلطات إلى مجرد نص غائب عن التطبيق.

هذا الوضع يثير تساؤلات جوهرية: إذا كان الرئيس هو من يعين اللجنة العليا ويملك حق المصادقة على نتائجها، فما الحاجة إذا لانتخابات من الأصل؟ في الواقع، يصبح البرلمان المفترض أن يمثل السلطة التشريعية انعكاسا لخيارات الرئاسة أكثر منه تعبيرا عن إرادة الناخبين.
وفي تصريح خاص لـ “الحل نت”، وصف المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس ما يجري بأنه “عملية تعيين تحت ستار عملية انتخاب، ولا ينسجم أبدا مع المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة”.
الإقصاء الممنهج
من بين أكثر الشروط إثارة للجدل في المرسوم 143 ما ورد في المادتين 10 و21، حيث يشترط أن يكون الناخب أو المترشح سوريا قبل تاريخ 1 أيار/مايو 2011، قد يبدو هذا البند فنيا للوهلة الأولى، لكنه عمليا يستبعد شريحة واسعة من السوريين الذين حصلوا على الجنسية بعد ذلك التاريخ، وفي مقدمتهم الأكراد الذين كانوا لسنوات طويلة محرومين من أبسط حقوق المواطنة.


ويضاف إلى ذلك الشرط الآخر الوارد في المادة 10 الفقرة 14، الذي يلزم أن يكون المترشح مقيما داخل سوريا عند تشكيل اللجان الانتخابية.

هذا البند وحده يكفي لإقصاء ملايين السوريين المقيمين في الشتات، سواء كانوا مهجرين قسرا أو لاجئين، مع أنهم من أكثر الفئات المتأثرة بالقرار السياسي ومصير البلاد.
ويقول المحامي ميشال شماس في حديثه لـ “الحل نت”: “إن اشتراط الإقامة داخل سوريا هو بمثابة حرمان لفئة واسعة من السوريين المهجرين واللاجئين من حقهم في الترشح والمشاركة”.
هذان الشرطان معا يكرّسان ما يمكن وصفه بـ “الإقصاء الممنهج”، إذ يتم استبعاد مئات آلاف المجنسين بعد 2011 من جهة، وملايين المهاجرين واللاجئين من جهة أخرى، وهو ما يقلّص قاعدة المشاركة الشعبية ويحصرها في دائرة ضيقة خاضعة لإدارة السلطة الحالية.
ويعلّق الشماس على ذلك قائلاً: “اشتراط أن يكون سورياً قبل 2011 يعني استبعاد الأكراد المجنسين، وهو غبن واضح يخالف معايير الانتخابات الحرة”.
الشروط التعجيزية للترشح
لم يكتفِ المرسوم بشروط الجنسية والإقامة، بل أضاف بنودا مثيرة للجدل في المادة 10 الفقرتين 16 و17، حيث يشترط ألا يكون المرشح فقط “خالي السجل من الجرائم المخلة بالشرف”، بل أن يكون أيضا “معروفا بحياديته ونزاهته” وألا تكون له “عداوة ظاهرة مع أي مكوّن من مكونات دائرته الانتخابية”.

هذه المصطلحات تبدو عامة وفضفاضة، وتُفتح الباب لتأويل سياسي أكثر من كونه قانونيا، فمن الذي يحدد معيار “الحياد” أو يقرر إن كان شخص ما لديه “عداوة ظاهرة”؟
المحامي شماس أوضح هذه النقطة بقوله لـ “الحل نت”: “واضح من إيراد هذين الشرطين أن الهدف استبعاد أي مرشح له موقف سياسي واضح أو نفوذ محلي. بمعنى آخر، يمكن اعتبارها طريقة غير مباشرة لتصفية المنافسة وضمان بقاء المرشحين الأكثر انسجاما مع السلطة الحالية فقط. ومن يقرر إن كانت الانتخابات نزيهة أم لا هو الناخب نفسه، لا نصوص فضفاضة كهذه”.
غياب ضمانات الاستقلال والشفافية
النصوص التي يفترض أن تضمن استقلالية العملية الانتخابية تكشف في الواقع عن ثغرات عميقة. فالمادة 9 الفقرة 6، تنص على أن قرارات اللجان الفرعية لا تُنفّذ إلا بعد موافقة اللجنة العليا، ما يعني أن كل ما يجري على المستوى المحلي يبقى مرهونا بقرار مركزي واحد، ويجرد اللجان من أي استقلالية فعلية.
أما المادة 15 فقد أسندت مهمة تشكيل لجان الطعون إلى قضاة يندبهم وزير العدل، وبذلك يصبح القضاء الانتخابي، الذي يفترض أن يكون الملاذ الأخير لضمان النزاهة، خاضعا لسلطة تنفيذية، وهو ما يطرح علامات استفهام حول حياده وقدرته على حماية حقوق المتضررين.


وتزداد الإشكالية وضوحا في المادة 35 التي تترك مسألة بطلان الأصوات مفتوحة على تفسيرات واسعة، الأمر الذي يفتح الباب لإبطال نتائج دوائر كاملة عند الحاجة السياسية.
حتى مسألة الطعون لا تبدو واقعية، إذ حددت المهل بيومين أو ثلاثة فقط. أي محامٍ يعرف أن هذه فترة غير كافية لإعداد ملفات قانونية، وجمع الأدلة، النتيجة أن الاعتراضات تصبح مجرد إجراء شكلي بلا أثر فعلي.
التمثيل الناقص
إحدى أبرز الثغرات التي يكشفها المرسوم تتعلق بمفهوم التمثيل نفسه. فالمادة 24 حدّدت نسبا جامدة بين فئتين: 70% من المقاعد للكفاءات و30% للأعيان. هذه الصيغة تبدو أقرب إلى توزيع حصص اجتماعية مسبقة، لا إلى عملية انتخابية يفترض أن يقوم جوهرها على مبدأ المواطنة المتساوية.
فالمعيار الأهم في أي برلمان هو أن يكون الانتماء الوطني هو الفيصل، لا موقع الفرد في طبقة اجتماعية أو وصف غامض مثل “الأعيان”.
الأمر الأكثر خطورة أن المرسوم لم يتطرق إلى مسألة التمثيل القومي والديني بشكل واضح، لا ذكر للكرد أو السريان أو غيرهم من المكوّنات، سوى عبارة فضفاضة عن “التنوع المجتمعي”.
هذا الغموض يفتح الباب لتفسير انتقائي، يسمح للسلطة باستخدام شعار التنوع دون أي التزام قانوني يضمن فعلا مشاركة هذه المكوّنات.
البرلمان الذي يُفترض أن يكون صورة عن المجتمع السوري بكل فسيفسائه، يُعاد إنتاجه كهيئة ضيقة، تُقصي شرائح واسعة، وتعيد تثبيت فكرة أن المواطنة ليست المعيار، بل الولاء لمعادلة السلطة الحالية.
أحكام متناقضة
يتضمن المرسوم أيضا تناقضات تفتح الباب أمام تضارب مصالح واضح. فالمادة 19 تمنع الجمع بين عضوية أكثر من لجنة، بينما تسمح المادة 34 المادتين 4 و5 للمرشح أو وكيله بحضور عمليات الاقتراع والفرز. وهذا التداخل يخلق مساحة للتأثير المباشر في العملية الانتخابية من داخل اللجان نفسها.


إضافة إلى ذلك، تمنح المادة 45 الرئيس سلطة تعيين بدلاء عن النواب المتوفين أو المستقيلين، ما يلغي فكرة الانتخابات التكميلية تماما.
وعند جمع هذه الثغرات معا، يصبح المشهد أوضح: ما يسمى بالنظام الانتخابي المؤقت لا يؤسس لبرلمان شرعي بقدر ما يكرّس سلطة الرئاسة.
فاللجنة العليا مرتبطة مباشرة بالرئيس، الشروط التمييزية تُقصي شرائح واسعة من السوريين، القضاء مُقيّد.
في المحصلة، نحن أمام عملية تبدو من الخارج انتخابية، لكنها في الجوهر أقرب إلى آلية تعيين مُقنّعة، كما قال المحامي ميشال شماس لـ “الحل نت”: “الهدف من هذه الترتيبات هو استكمال تشكيل السلطات وإرسال رسالة للخارج أكثر مما هو محاولة لتمثيل الداخل فعليا”.
- وزير الحرب الأميركي: الحصار محكم ضد إيران وواشنطن تسيطر على مضيق هرمز
- أمميتان تطالبان دمشق بالتحقيق في تهديدات ضد مدافعتين سوريتين
- من الساحل إلى تعز.. السعودية تستعد لإعادة فتح الجبهة اليمنية
- زيباري يكشف عن لقاء سري مع الشرع.. رسائل من دمشق إلى الزيدي و”الإطار”
- بعد الانسحاب الأميركي.. التحالف يركز على منع عودة “داعش” إلى سوريا والعراق

