الليرة تنهار والسوق يشتعل.. متى تلمس سوريا طريق التعافي النقدي؟

الأسواق السورية

يمر المشهد النقدي في سوريا بحالة من التدهور المتسارع خلال الأسابيع الأخيرة، حيث خسرت الليرة السورية نحو 6 بالمئة من قيمتها خلال أقل من شهرين، في مؤشر خطير يعكس هشاشة الاقتصاد المحلي وعجزه عن امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية.

وبينما كان سعر الدولار في السوق غير الرسمية يسجل 117 ليرة قبل نحو ستين يوماً، قفز إلى 125 ليرة في نطاقات التداول الأخيرة، وهو مسار تراجعي تدريجي بدأ يتعزّز مع تصاعد التوترات الإقليمية التي شهدتها المنطقة عشية الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.

أسباب داخلية أم عوامل إقليمية؟

رغم خطورة الحرب في الإقليم، إلا أنها لا تمثل السبب الجذري الوحيد لتراجع العملة الوطنية، فوفقًا للأرقام فإن هناك فاتورة استيراد هائلة تثقل كاهل الاقتصاد، إضافة إلى الشح الحاد في القطع الأجنبي المتداول في السوق، وسط جمود شبه تام في نسب الناتج المحلي الإجمالي بسبب تدهور قطاعي التصنيع والزراعة، وهما الركيزتان الأساسيتان لأي اقتصاد منتج.

تدهور الليرة السورية- أرشيفية

 وقد انعكس هذا التراجع النقدي بشكل فوري على أسعار السلع والخدمات، لا سيما مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي، والتي تقارب اليوم 13بالمئة، وهي فجوة سرعان ما تترجم إلى ارتفاع قياسي في تكاليف المعيشة.

في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد علبي، وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن الاقتصاد السوري يقف اليوم على أرضية نقدية شديدة الهشاشة، في ظل تآكل شبه كامل لاحتياطيات القطع الأجنبي وغياب الشفافية حول حجمها الفعلي، بعدما كانت تُقدّر بنحو 18.5 مليار دولار قبل عام 2011، في وقت تراجعت فيه الصادرات من 18.4 مليار دولار إلى نحو 1.8 مليار فقط، وهو ما يعكس انكماشاً حاداً في مصادر تدفق العملة الصعبة، ويضعف قدرة السوق على تمويل احتياجاته الأساسية، موضحاً أن هذا التراجع البنيوي يجعل أي حديث عن استقرار نقدي مجرد انعكاس مؤقت لا يستند إلى مقومات حقيقية.

إجراءات مؤقتة لا تغيّر المعادلة

يضيف علبي أن الإجراءات النقدية الأخيرة، بما فيها طرح ما يُعرف بـ”الليرة الجديدة” أو سحب السيولة من السوق، لم تُحدث تحولاً جوهرياً في المعادلة الاقتصادية، بل أسهمت فقط في خلق طلب ظرفي على الليرة لفترة محدودة، سرعان ما تلاشى.

ما يجري فعلياً هو عملية “لحاق” مستمرة، حيث يسعى سعر الصرف إلى التكيف مع القيمة الحقيقية المتراجعة للعملة نتيجة التضخم واختلال الميزان الخارجي، وهو ما يفسر استمرار الضغوط على الليرة رغم أي تحسنات شكلية.

الخبير الاقتصادي محمد علبي

ويكشف الخبير أن سعر الدولار في السوق الموازية بلغ نحو 12,700 ليرة مقابل قرابة 11,000 ليرة في السعر الرسمي، بفجوة تُقدّر بنحو 13 بالمئة، وهي فجوة لا تبقى في الإطار النظري، بل تنتقل مباشرة إلى الأسعار.

وخلال آذار/ مارس 2026، سجّلت الأسواق ارتفاعات واضحة في أسعار السلع الأساسية، إذ زادت أسعار مواد مثل السكر والأرز بما لا يقل عن ألف ليرة للكيلوغرام، فيما قفز سعر ليتر الزيت إلى حدود 24 إلى 25 ألف ليرة في بعض المناطق، ما يعكس سرعة انتقال تقلبات الصرف إلى معيشة المواطنين.

تضخم هيكلي وحلقة مفرغة

يشير علبي إلى أن كلفة سلة الغذاء بلغت نحو مليوني ليرة مع مطلع عام 2026، في ظل تضخم سنوي يُقدّر بنحو 95 بالمئة خلال عام 2025، ما ينذر بدخول الاقتصاد في مرحلة تضخم هيكلي، تتغذى فيها الأسعار وسعر الصرف على بعضهما البعض ضمن حلقة مفرغة.

ويؤكد أن ربط هذا التدهور بسعر الصرف بالتوترات الإقليمية يُعد مبالغاً فيه، إذ إن الاقتصاد السوري محدود الاندماج في الأسواق العالمية، ما يجعل العوامل الداخلية، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج وارتفاع فاتورة الاستيراد، هي المحرك الأساسي للأزمة.

الأسواق السورية- أرشيفية

ويحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار هذه الاختلالات، إلى جانب تثبيت سعر رسمي لا يعكس الواقع لأسباب وصفها بالسياسية، سيبقي الطلب على الدولار مرتفعاً ويدفع نحو مزيد من التراجع في قيمة الليرة، مشيراً إلى تصاعد ظاهرة التسعير بالدولار في عدد متزايد من القطاعات، بالتوازي مع تنامي الاعتماد على الحوالات الخارجية كمصدر بديل للعملة الصعبة، في محاولة لتعويض نقص التدفقات.

ويخلص إلى أن أي تحسن محتمل سيظل مؤقتاً ما لم يقترن بإصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد تنشيط الإنتاج وتحدّ من الاستيراد، مؤكداً أن قيمة الليرة اليوم لا يحددها سعر الصرف بقدر ما يحددها واقع اقتصاد يستهلك بالدولار أكثر مما ينتجه، ما يعني استمرار عملية “اللحاق” لفترة طويلة في ظل غياب التوازنات الأساسية.

الدولرة.. حل نظري بعوائق واقعية

يبقي مصرف سوريا المركزي سعر صرف الدولار مقابل الليرة في البنوك (بالليرة القديمة) عند 11,000 ليرة للشراء و11,100 ليرة للبيع، وبالليرة الجديدة 110 ليرات لكل دولار للشراء، و111 ليرة للبيع.

في محاولة لقراءة البدائل المطروحة، يؤكد الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن التذبذب الحاد في قيمة سعر صرف الليرة السورية ما يزال يُربك الحركة التجارية ويقوّض قدرة الفاعلين الاقتصاديين على التخطيط، وهو ما أعاد طرح فكرة “الدولرة” كحل بديل لضبط السوق، غير أن هذا الطرح، بحسب تقديره، يصطدم بعوائق بنيوية عميقة تجعل تطبيقه شبه مستحيل في الظرف الراهن.

ويوضح الباحث خلال منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن أولى هذه العوائق تتمثل في نقص السيولة الدولارية، إذ يحتاج السوق المحلي إلى ما يتجاوز مليار دولار لتأمين انتقال فعلي نحو التعامل بالدولار، وهو رقم غير متاح في ظل شح الموارد، لافتاً إلى أن تراجع الصادرات وتوقف قطاع السياحة حرما الاقتصاد من مصادره التقليدية للنقد الأجنبي، ما يجعل من الصعب تعويض الدولارات التي تُستنزف عبر الاستيراد المتزايد لتلبية الاحتياجات الأساسية.

مخاطر سيادية وفوضى نقدية محتملة

يضيف عمر أن التحديات لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى مشكلات تقنية ولوجستية، من بينها غياب الفئات النقدية الصغيرة، وارتفاع مخاطر التزوير في ظل ضعف البنية التنظيمية لقطاع الصرافة، ما يهدد بخلق فوضى نقدية موازية بدل تحقيق الاستقرار المنشود، محذراً من أن اعتماد الدولار ينطوي على مخاطر سيادية جسيمة، إذ يفقد البنك المركزي أدواته في إدارة السياسة النقدية، ويجعل الاقتصاد المحلي رهينة للتقلبات الخارجية، بما في ذلك معدلات التضخم العالمية وأسعار الفائدة الأميركية.

الليرة السورية الجديدة

ويخلص الباحث الاقتصادي إلى أن التعافي الاقتصادي الحقيقي يمر عبر استعادة استقرار العملة الوطنية، معتبراً أن “الدولرة” ليست فقط خياراً غير قابل للتطبيق تقنياً، بل تمثل أيضاً مساراً محفوفاً بالمخاطر قد يقوض فرص الإنعاش الاقتصادي ويعمق هشاشة الاقتصاد السوري.

 ويبقى المواطن السوري في مواجهة موجة غلاء متصاعدة، يدفع ثمنها يومياً مع كل تراجع جديد في قيمة عملة بلاده، بينما تتسع الفجوة بين وعود التعافي النقدي وواقع السوق الذي لا يرحم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم