بين البندقية وطاولة التفاوض.. هل تنجح “خارطة الطريق” في ترويض “الحوثي”؟

في ظل تصعيد عسكري ما يزال قابلاً للاتساع، ومسار سياسي متعثر منذ سنوات، يعود ملف "خارطة الطريق" إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة في ظروف أكثر تعقيداً، مع تراجع الثقة بين الأطراف، وتداخل واضح مع حسابات إقليمية، تتجاوز حدود اليمن.

في ظل تصعيد عسكري ما يزال قابلاً للاتساع، ومسار سياسي متعثر منذ سنوات، يعود ملف “خارطة الطريق” إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة في ظروف أكثر تعقيداً، مع تراجع الثقة بين الأطراف، وتداخل واضح مع حسابات إقليمية، تتجاوز حدود اليمن. 

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، عن غياب شريك جاد للتفاوض، تتجه جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، نحو توسيع دورها خارجياً، عبر الانخراط في التصعيد المرتبط بحرب إيران، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدوى أي مسار سياسي، في ظل هذا التباين.  

خارطة طريق بلا أرضية صلبة  

رغم مرور أكثر من عامين على طرح “خارطة الطريق”، لا يزال مسارها متوقفاً بشكل عملي. الحكومة اليمنية من جانبها، أعلنت موافقتها عليها بوساطة سعودية – عٌمانية، لكنها تصطدم، وفق تصريحات رسمية، بغياب طرف مستعد للدخول في تسوية حقيقية.

من زيارة السفير السعودي إلى اليمن إلى صنعاء قبل سنوات

وفي تصريح سابق، أشار وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني، إلى أن المشكلة لا تتعلق بالآليات، بل بطبيعة الطرف المقابل، الذي لم يقدم تصوراً سياسياً واضحاً للدولة، ولم يٌبدِ استعداداً فعلياً للانخراط في مسار تفاوضي مستقر. 

ويقابل هذا الجمود، تقييم أممي أكثر تشاؤماً، حيث أقر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، بأن الثقة بين الأطراف وصلت إلى أدنى مستوياتها، سواء داخلياً أو على مستوى العلاقة مع المجتمع الدولي، وهو ما يجعل أي تسوية مستقبلية، بحاجة إلى إعادة تعريف لأسس التفاوض.  

فجوة الفهم الدولي  

جزء من التعثر يعود، بحسب مسؤولين يمنيين، إلى طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة اليمنية، حيث يجري التركيز على مظاهر الصراع، دون التعمق في جذوره السياسية والاجتماعية.

من زيارة السفير السعودي إلى اليمن إلى صنعاء قبل سنوات

وفي هذا السياق، شدد غروندبرغ على أن فهم اليمن ليس مهمة سهلة، وأن أي محاولة لفرض حلول جاهزة دون استيعاب تعقيدات الواقع، لن تقود إلى نتائج إيجابية. وفي ظل هذا الخلل، تغدو المبادرات مجرد محاولات مؤقتة لاحتواء التوتر بدلاً من معالجته. 

وإقليمياً، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً، فالسعودية تميل إلى إدارة الصراع بسياسة “النفس الطويل”، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح “الحوثيين” الاعتراف السياسي. 

وفي قراءة لمستقبل المسار السياسي، قال المحلل السياسي عبد الستار الشميري، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن “خارطة الطريق، على المدى القريب، تظل أقرب إلى تصور نظري منها إلى مشروع قابل للتنفيذ”، موضحاً أنها “مرشحة للبقاء مؤجلة لسنوات، في ظل غياب شروط تطبيقها على الأرض”. 

وفيما يتعلق بالهدنة غير المعلنة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، استبعد الشميري أن يكون لها تأثير مباشر على الملف اليمني، معتبراً أنها “هدنة هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة”، مرجحاً عودة التصعيد بعد انتهائها. 

وعن الضغوط الشعبية في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي”، يرى الشميري أنها لا تشكل عامل ضغط حقيقي على الجماعة، قائلاً إن “الحوثيين لا يتعاملون مع هذه الضغوط باعتبارها تعبيراً مؤثراً عن الشارع، في ظل اعتمادهم على أدوات القمع والسيطرة الأمنية”.

أما بشأن الموقف السعودي، فأشار الخبير اليمني، إلى أن الرياض تتبنى سياسة “النفس الطويل”، وتراهن على عامل الوقت كجزء من إدارة الصراع، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني منح “الحوثيين” شرعية سياسية، لافتاً إلى أن الملف سيبقى مؤجلاً إلى حين تغير المعطيات.  

خارطة الطريق اليمنية: مسار سياسي متعثر لإنهاء الحرب  

تشكل “خارطة الطريق” اليمنية محاولة دولية وإقليمية لوضع حد للحرب المستمرة، عبر صيغة سياسية تجمع بين وقف نهائي العمليات العسكرية، ومعالجة الملفات الإنسانية، والدفع نحو تسوية شاملة. 

وجاءت هذه الخارطة، نتيجة مسار طويل من المفاوضات، بدأ منذ اتفاق “ستوكهولم” عام 2018، مروراً بجولات متعددة، وصولاً إلى هدنة 2022 الهشة، والتي ساهمت في تهيئة المناخ لطرح إطار أوسع للحل. 

وتعتمد على حزمة إجراءات، تشمل وقف إطلاق النار، ومعالجة الملفات الاقتصادية، وتسهيل التنقل، إلى جانب إطلاق حوار سياسي برعاية دولية. 

ورغم ذلك، لا يزال تنفيذها يواجه تحديات معقدة، في ظل استمرار انعدام الثقة وتباين المصالح، ما يعرقل الانتقال من التفاهمات النظرية إلى التطبيق.  

“الحوثيون” في المعادلة الإقليمية  

في موازاة الجمود السياسي، تواصل جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، توسيع حضورها في المشهد الإقليمي، عبر الانخراط في المواجهات المرتبطة بإيران، سواء من خلال الهجمات الصاروخية، أو احتمالات تهديد الملاحة الدولية.

قوات الحكومة اليمنية المدعومة سعودياً

وفي قراءة للموقف الإسرائيلي، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي أحمد الديب لـ”الحل نت”، إن تل أبيب تتعامل مع هجمات “الحوثيين” حتى الآن باعتبارها “محدودة التأثير”، وترى أنها تأتي في سياق محاولة إيرانية لتحسين شروط التفاوض، أكثر من كونها تصعيداً عسكرياً مستقلاً. 

وأوضح الديب أن إسرائيل لم تبادر بالرد المباشر، لأن جماعة “الحوثي” – وفق تقديراتها – “تتجنب الانخراط الواسع خشية تلقي ضربات مكلفة قد تؤثر على تماسكها داخلياً”، مشيراً إلى أن أي تحرك عسكري إسرائيلي سيبقى مرهوناً بطبيعة الهجمات وتداعياتها، خاصة في حال استهدفت منشآت حيوية، أو تسببت بخسائر بشرية. 

وأضاف أن البعد الجغرافي لليمن، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، يمثلان عاملين إضافيين في حسابات التريث، إلى جانب انشغال إسرائيل بجبهات أكثر حساسية، وفي مقدمتها إيران ولبنان. 

ورغم ذلك، يرى الديب أن المواجهة بين الطرفين مرشحة للاستمرار، في ظل إعلان “الحوثيين” استعدادهم للانخراط في أي مواجهة إقليمية ضد إسرائيل، ما يجعلهم طرفاً حاضراً في أي تصعيد محتمل. 

وأشار إلى أن التهديد “الحوثي”، من منظور إسرائيلي، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى التأثير على الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة، وهو ما يمنحه بعداً اقتصادياً يتجاوز حدود المواجهة المباشرة. 

ولفت إلى أن إسرائيل قد تتجه لاستهداف جماعة “الحوثي” في حال توسع دورها الميداني.

وختم بالقول إن تل أبيب لا تنظر إلى “الحوثيين” كخطر وجودي، لكنها تتعامل معهم كتهديد للأمن القومي، مشيراً إلى أن أحد أبرز الدروس التي استخلصتها بعد هجمات السابع من أكتوبر، يتمثل في ضرورة احتواء مصادر التهديد قبل أن تتفاقم، مع تركيز خاص على إضعاف إيران، باعتبارها الداعم الرئيسي لهذه الجماعات.  

الداخل اليمني” تماسك هش  

على مستوى الداخل، تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تحديات مركبة، تتعلق بالانقسامات السياسية، وتزايد الضغوط الاقتصادية.

مع سيطرة جماعة “الحوثي” على العاصمة اليمنية صنعاء، توسع نفوذها تدريجياً ليصل إلى أبعاد تتجاوز اليمن، وفق دراسة حديثة لـ”مركز سينشري الدولي”، لتصبح هذه السيطرة، مصدر تهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية، وسلاسل الأمداد. 

ورغم ذلك، يؤكد مجلس القيادة الرئاسي، وجود توافق بين مكوناته في ما يتعلق بمواجهة جماعة “الحوثي” الموالية لطهران. 

وفي المقابل، تتأثر الأوضاع الاقتصادية بالتصعيد، خاصة بعد استهداف المنشآت النفطية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد اليمني، وأضعف قدرة الحكومة على تثبيت الاستقرار. 

ويكشف هذا المشهد المتذبذب، عن مسار تفاوضي يفتقر إلى مقومات التنفيذ، ومسار عسكري يتوسع تدريجياً ضمن الحسابات الإقليمية. 

وفي ظل غياب الثقة بين الأطراف، تبدو فرص نجاح “خارطة الطريق” محدودة في المدى القريب، مع بقاء احتمال عودتها قائماً في حال تغيرت موازين القوى.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم