“الشرع” يستبدل رئيس المخابرات.. إعادة ترتيب للسلطة أم احتواء لصراع النفوذ؟

الرئيس الشرع

كشفت صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن الرئيس السوري أحمد الشرع أجرى تغييراً بارزاً في قمة المنظومة الأمنية بتعيين عبد القادر الطحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، في خطوة وصفتها المصادر بأنها تستهدف احتواء التنافس المتصاعد بين مراكز النفوذ داخل السلطة الجديدة، وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الأمنية بعد أشهر من تزايد التداخل في الصلاحيات.

وبحسب الصحيفة، لم يصدر أي إعلان رسمي عن تعيين الطحان، إلا أن مصادر أمنية وإقليمية أكدت أن القرار دخل حيز التنفيذ، ليخلف حسين السلامة الذي نُقل إلى رئاسة مجلس الأمن القومي، وهو منصب يمنحه دوراً في رسم السياسات الأمنية والاستراتيجية مع بقائه على تماس مباشر مع الرئيس أحمد الشرع، لكنه يبتعد عن إدارة الملفات الأمنية اليومية التي ستصبح من اختصاص رئيس الاستخبارات الجديد.

احتواء صراع مراكز النفوذ

يأتي هذا التغيير في مرحلة تواجه فيها الحكومة السورية تحديات أمنية وسياسية متشابكة، في ظل استمرار الاضطرابات الداخلية، وبقاء مناطق خارج سيطرة دمشق، إلى جانب تعقيدات العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوري، وهو ما يمنح أي تعديل في قيادة الأجهزة الأمنية أبعاداً تتجاوز مجرد إعادة توزيع المناصب.

الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع- إنترنت

ونقلت ذا ناشيونال عن مصدر إقليمي على تواصل مع مسؤولين أمنيين سوريين أن التغيير يعكس محاولة مباشرة لمعالجة حالة التنافس التي برزت خلال الأشهر الماضية بين رئيس الاستخبارات السابق حسين السلامة ووزير الداخلية أنس الخطاب، بعدما بدأت تظهر، بحسب المصدر، “ازدواجية في إدارة الملفات الأمنية” بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات، الأمر الذي دفع الرئيس السوري إلى إعادة توزيع الصلاحيات بطريقة تمنع تضارب القرار الأمني داخل الدولة.

ويضيف المصدر أن اختيار عبد القادر الطحان لم يكن مصادفة، إذ شغل سابقاً منصب نائب وزير الداخلية، ويُعرف بقربه من وزير الداخلية أنس الخطاب، كما يتمتع بعلاقات واسعة داخل المؤسسة الأمنية التي تشكلت بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما يجعله، بحسب تقديرات المصادر، شخصية قادرة على تحقيق قدر أكبر من التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة.

من “أبو بلال القدس” إلى قيادة الاستخبارات

يعد الطحان من أبرز القيادات العسكرية والأمنية التي برزت خلال سنوات الحرب السورية، إذ أسس في بدايات النزاع كتيبة ضمن فصائل المعارضة المسلحة في ريف حلب الشمالي، قبل أن ينضم لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام، حيث عرف باسمه الحركي “أبو بلال القدس”، واكتسب سمعة باعتباره أحد أكثر قادتها تخطيطاً ودهاءً في إدارة العمليات العسكرية.

كما لعب دوراً محورياً في الهجوم الذي قادته هيئة تحرير الشام وأدى إلى إسقاط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ولا سيما في العمليات التي استهدفت خطوط الإمداد الخلفية لقوات النظام في مدينة حلب، وهو ما عزز مكانته داخل القيادة الجديدة.

وتشير الصحيفة إلى أن الطحان كان من أبرز المسؤولين الذين تولوا إدارة عدد من الملفات الأمنية الحساسة بعد سقوط النظام السابق، وفي مقدمتها ملف محافظة السويداء، التي شهدت خلال صيف 2025 توترات عسكرية واسعة انتهت بتدخل إسرائيلي أوقف هجوماً للقوات الحكومية على المحافظة ذات الغالبية الدرزية.

ورغم توقف العمليات العسكرية حينها، بقيت المحافظة خاضعة لإجراءات أمنية مشددة، مع استمرار الخلاف بين دمشق والقيادات المحلية، وفي مقدمتها الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود أبرز تيارات المعارضة الدرزية للسلطة الجديدة.

لماذا وقع الاختيار على الطحان؟

بحسب مصادر الصحيفة، فإن الخبرة التي اكتسبها الطحان في إدارة هذا الملف، إلى جانب إشرافه على ملفات أمنية أخرى، عززت قناعة القيادة السورية بأنه يمتلك المؤهلات اللازمة لتولي قيادة جهاز الاستخبارات في هذه المرحلة الحساسة.

كما نقلت ذا ناشيونال عن دبلوماسي غربي التقى الطحان أخيراً، وصفه بأنه من أكثر الشخصيات الأمنية “تطوراً وبراغماتية” داخل الإدارة السورية الجديدة، مشيراً إلى أنه يتمتع بمرونة في إدارة الملفات المعقدة، واستعداد لاتخاذ قرارات يتجنبها مسؤولون آخرون خشية الاصطدام بمراكز النفوذ داخل السلطة.

عبد القادر الطحان يعد الطحان أحد أبرز القيادات العسكرية والأمنية التي برزت خلال سنوات الحرب السورية- إنترنت

وأكد مسؤول أمني في شمال سوريا، تحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الطحان كان عملياً من أعلى الشخصيات الأمنية نفوذاً منذ سقوط النظام السابق، رغم أن منصبه الرسمي اقتصر على نائب وزير الداخلية، مضيفاً أن حضوره في صناعة القرار الأمني كان يتجاوز كثيراً صلاحياته الإدارية.

وتأتي إعادة هيكلة قمة الاستخبارات في إطار عملية أوسع لإعادة بناء المنظومة الأمنية التي تشكلت بعد انهيار أجهزة نظام الأسد، فبعد عقود اعتمد خلالها النظام السابق على شبكة استخباراتية واسعة لترسيخ سلطته منذ انقلاب عام 1963، سعت الإدارة الجديدة إلى إنشاء مؤسسات أمنية مختلفة شكلياً، لكنها ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على الجهاز الاستخباراتي لضبط الأمن الداخلي وملاحقة التهديدات المسلحة.

إعادة رسم موازين القوة

تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن السلطات السورية الجديدة كثفت خلال الأشهر الأخيرة إجراءاتها بحق منتقديها، وفرضت قيوداً على حرية التجمع والعمل السياسي، رغم تعهد الرئيس أحمد الشرع بتنظيم انتخابات عامة بحلول عام 2027 مع انتهاء المرحلة الانتقالية.

 وفي المقابل، لا تزال دمشق تواجه تحديات تتعلق بخروج مناطق كردية عن سيطرتها، إضافة إلى استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق قريبة من الحدود الجنوبية، فضلاً عن نشاط خلايا تنظيم “داعش” في بعض المناطق الشرقية.

الطحان خلال استقبال وزير الداخلية التركي- إنترنت

وتلفت ذا ناشيونال إلى أن رئيس الاستخبارات الجديد سيدير أيضاً شبكة معقدة من العلاقات الأمنية الخارجية، في ظل استمرار التعاون الاستخباراتي بين دمشق وواشنطن في ملفات مكافحة تنظيم “داعش” وتبادل المعلومات الأمنية، بالتوازي مع النفوذ التركي المتزايد داخل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية.

وتشير الصحيفة إلى أن تباين أولويات أنقرة وواشنطن في عدد من الملفات، وعلى رأسها مستقبل شمال شرقي سوريا والعلاقة مع إسرائيل، سيجعل من جهاز الاستخبارات لاعباً أساسياً في موازنة هذه المصالح المتعارضة.

يأتي هذا التغيير بعد أشهر من إنشاء مجلس الأمن القومي، الذي يُعد أعلى هيئة أمنية في البلاد، ويضم الرئيس أحمد الشرع، ورئيس المجلس حسين السلامة، ووزير الداخلية أنس الخطاب، ووزير الدفاع مراف أبو قصرة، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، إلى جانب كبار المسؤولين الأمنيين، في إطار محاولة لإرساء منظومة أكثر مركزية في اتخاذ القرار الأمني.

وتخلص الصحيفة إلى أن تعيين عبد القادر الطحان لا يمثل مجرد تغيير إداري على رأس جهاز الاستخبارات، بل يعكس توجهاً واضحاً من الرئيس أحمد الشرع لإعادة ترتيب موازين القوى داخل السلطة الجديدة، واحتواء التنافس بين أركان المؤسسة الأمنية، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات داخلية وإقليمية تجعل من وحدة القرار الأمني عاملاً حاسماً في استقرار المرحلة الانتقالية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم