بعد وعود إنهاء الاختناقات.. لماذا تتفاقم أزمة المحروقات في سوريا؟

أزمة المحروقات

تتجه أزمة المحروقات في سوريا إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار النقص الحاد في البنزين والمازوت وعودة مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في معظم المحافظات، رغم القرارات الحكومية الأخيرة برفع أسعار المشتقات النفطية على أساس أنها ستضمن استقرار الإمدادات وتنهي الاختناقات التي عانى منها السوق خلال الأشهر الماضية.

إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن الأزمة لا تزال تتفاقم، لتضيف عبئاً جديداً إلى الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها السوريون، وتزيد من الضغوط على قطاعي النقل والإنتاج، مع تصاعد المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

طوابير الوقود تعود إلى الواجهة

رصدت مشاهد الازدحام خلال الأيام الماضية في دمشق وريفها وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس والحسكة، حيث اصطفت مئات المركبات أمام محطات الوقود لساعات طويلة، فيما أغلقت بعض المحطات أبوابها بعد نفاد الكميات المخصصة لها، بينما اشتكى أصحاب محطات الوقود من تأخر وصول طلباتهم من البنزين والمازوت مقارنة بالآلية المعتادة، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوة العرض والطلب وعودة الاختناقات إلى الواجهة.

رصدت مشاهد الازدحام خلال الأيام الماضية في دمشق وريفها وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس والحسكة- إنترنت

وتشير إفادات أصحاب محطات الوقود إلى أن بعض الطلبات التي كانت تنفذ خلال يوم واحد باتت تستغرق عدة أيام، فيما يمتد انتظار توريد المازوت في بعض المناطق إلى أسبوع كامل، وهو ما انعكس مباشرة على توافر المادة للمستهلكين.

وتزداد حدة الأزمة في وقت لم يلمس فيه المواطنون أي تحسن ملموس بعد قرار الحكومة تعديل أسعار المحروقات، إذ يرى كثيرون أن ارتفاع الأسعار لم يقابله تحسن في انتظام التوريدات أو توافر المادة، بل أدى إلى زيادة تكاليف النقل والتنقل اليومي، خصوصاً بالنسبة للعاملين في قطاع النقل والسائقين الذين يعتمد دخلهم بصورة مباشرة على استمرار عمل مركباتهم.

وعود حكومية واختناقات مستمرة

 كانت وزارة الطاقة قد بررت رفع الأسعار بأنه يهدف إلى تقليص فجوة الدعم، وضمان استمرار استيراد المشتقات النفطية وتشجيع الموردين على تأمين احتياجات السوق بصورة مستقرة، فيما بلغ سعر ليتر البنزين أوكتان 95 نحو 147 ليرة سورية جديدة، وأوكتان 90 نحو 142 ليرة، والمازوت 120 ليرة، بينما وصل سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1470 ليرة وفق آخر تسعيرة رسمية.

رغم تأكيد وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول استمرار عمليات التوريد، فإن الأزمة لم تنحسر حتى الآن، فقد أعلنت الوزارة وصول ناقلة تحمل نحو 37 ألفاً و646 طناً مترياً من البنزين إلى مصب بانياس ضمن خطة لتعزيز المخزون وضمان انتظام تدفق المادة إلى المحافظات.

 كما أكدت الشركة السورية للبترول أن عمليات تعبئة الصهاريج ونقلها إلى محطات الوقود مستمرة وفق الخطط التشغيلية، وأنها رفعت جاهزية مستودعاتها ومراكزها التشغيلية لمعالجة الاختناقات وتسريع وصول الإمدادات إلى مختلف المناطق.

وأرجعت الشركة أسباب الضغط الحالي إلى تزامن عدة عوامل، من بينها التوترات الإقليمية واضطرابات الملاحة البحرية التي أثرت في سلاسل توريد الطاقة ورفعت تكاليف الاستيراد، إلى جانب تحديات إعادة تأهيل البنية التحتية وارتفاع الطلب على المشتقات النفطية في عدد من المحافظات، معتبرة أن ما يجري يمثل اختلالاً مؤقتاً بين العرض والطلب.

 مصفاة بانياس تزيد المخاوف

غير أن استمرار الازدحام بعد وصول الشحنات الجديدة يثير تساؤلات بشأن كفاءة منظومة التوزيع، وقدرة الكميات المستوردة على تلبية احتياجات السوق المحلية في ظل الطلب المتزايد.

في موازاة ذلك، تبرز تحديات إضافية قد تزيد المشهد تعقيداً، إذ تشير معلومات متداولة إلى استعداد مصفاة بانياس لدخول مرحلة الصيانة الدورية خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما يثير مخاوف من تعرض الإمدادات لضغوط أكبر إذا لم تتمكن الجهات المعنية من تعويض جزء من الإنتاج عبر مصفاة حمص أو من خلال زيادة الواردات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لأن الأزمة الحالية بدأت قبل توقف المصفاة، ما يعني أن أي انخفاض إضافي في الطاقة التكريرية قد ينعكس مباشرة على توافر المحروقات في الأسواق.

السوق السوداء تلتهم الانفراج

بالتوازي مع النقص في المحطات النظامية، عاد نشاط السوق السوداء إلى الواجهة مستفيداً من اتساع الفجوة بين العرض والطلب، حيث ارتفعت أسعار البنزين إلى مستويات تفوق السعر الرسمي بأضعاف، ما زاد من الضغوط على أصحاب المركبات ورفع تكاليف النقل والإنتاج.

صبي يبيع الوقود في حلب- إنترنت

وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى انتقال آثارها سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات، نظراً لاعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على النقل والطاقة، الأمر الذي قد يفاقم معدلات التضخم ويقوض أي تحسن محدود شهدته الأسواق خلال الأشهر الماضية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو أزمة المحروقات أكثر من مجرد مشكلة خدمية عابرة، إذ تحولت إلى تحدٍ اقتصادي واسع يلامس مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية ويؤثر بصورة مباشرة في معيشة السوريين.

وبينما تؤكد الحكومة الانتقالية أن الإمدادات مستمرة وأن الاختناقات مؤقتة، فإن استمرار الطوابير واتساع نشاط السوق السوداء يعكسان فجوة واضحة بين الإجراءات المعلنة والواقع الميداني، ما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرهوناً بقدرة السلطات على تأمين تدفقات مستقرة من الوقود، وتحسين كفاءة التوزيع، واحتواء تداعيات أي توقف مرتقب في مصفاة بانياس، تجنباً لتحول الأزمة الحالية إلى أزمة طاقة أوسع نطاقاً تنعكس على الاقتصاد السوري بأكمله.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم