من إيران إلى خليج عدن.. كيف تلتقي شبكات “الحوثيين” والقراصنة؟

عادت القرصنة الصومالية إلى خليج عدن، في وقت تشهد فيه المنطقة توسعاً متزامناً لشبكات التهريب والجماعات المسلحة، وبين اليمن والصومال، تتنامى علاقات جماعة "الحوثي" الموالية لطهران بحركة "الشباب" الصومالية، وتتحرك شبكات تهريب تمتد عبر البحر، بينما تستعيد عصابات القرصنة قدرتها على الوصول إلى السفن التجارية.

عادت القرصنة الصومالية إلى خليج عدن، في وقت تشهد فيه المنطقة توسعاً متزامناً لشبكات التهريب والجماعات المسلحة، وبين اليمن والصومال، تتنامى علاقات جماعة “الحوثي” الموالية لطهران بحركة “الشباب” الصومالية، وتتحرك شبكات تهريب تمتد عبر البحر، بينما تستعيد عصابات القرصنة قدرتها على الوصول إلى السفن التجارية.

ومنذ نيسان/ أبريل الماضي، استولى قراصنة صوماليون على ست سفن تجارية في خليج عدن وغرب المحيط الهندي، بينها سفن اٌختطفت بعيداً عن السواحل الصومالية، بينما اقتيد بعضها باتجاه إقليم بونتلاند. 

وكان أحدثها ناقلة النفط “سيبو 1″، التي سيطر عليها ستة مسلحين في العشرين من آب/ أغسطس الجاري، على بعد نحو 136 ميلاً بحرياً شرق مدينة المكلا اليمنية، قبل تغيير مسارها نحو الساحل الصومالي. 

ويصبح المشهد أكثر إثارة للقلق، عند وضعه إلى جانب ما كشفه تقرير حديث صادر عن مؤسسة “القرن الدولي” حول محاولة جماعة “الحوثي” بناء شبكة علاقات جديدة في القرن الإفريقي، فضلاً عن معلومات استخباراتية تتحدث عن تنسيق بحري محتمل، بينها وبين حركة “الشباب” والقراصنة. 

لكن السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بما إذا كان الجميع يعملون تحت قيادة واحدة، فالأدلة المتاحة لا تشير إلى ذلك، بل يكمن السؤال الأدق في: كيف أصبحت هذه الشبكات المتحاربة أو المتباينة تتحرك داخل المساحة البحرية ذاتها، وما الذي يجعل مصالحها قابلة للالتقاء؟  

عودة القرصنة البحرية  

لم يكن اختطاف الناقلة “سيبو 1” حدثاً عادياً، فقد وقع الهجوم في المياه القريبة من اليمن وليس في نطاق السواحل الصومالية التقليدية.

وتؤكد بيانات المكتب البحري الدولي، تسجيل 38 واقعة قرصنة وسطو مسلح عالمياً خلال النصف الأول من 2026، بينها خمس عمليات اختطاف، بينما كان القراصنة الصوماليون مسؤولين عن 94 بالمئة من حالات احتجاز الرهائن. 

ومع ذلك، تحذر مجموعة الأزمات الدولية من المبالغة في مقارنة الوضع الحالي، بذروة القرصنة قبل نحو 15 عاماً. ويرى محللون أن القرصنة نشاط انتهازي بحت، إذ ظلت شبكاتها كامنة على اليابسة بانتظار ظروف أمنية أكثر ملاءمة. 

ويكفي لتلك الشبكات أن تتراجع الدوريات الدولية، وتتغير مسارات السفن لتعود إلى نشاطها، لكنها تتحرك هذه المرة في بحر بالغ الاضطراب.  

جماعة ” الحوثي” تبحث عن مركز جديد  

في الرابع والعشرين من آب/ أغسطس، نشرت مؤسسة “القرن الدولي” دراسة بعنوان “من الفرع إلى المركز: الحوثيون في إفريقيا”، خلصت إلى أن جماعة “الحوثي” تسعى لبناء نفوذ يمتد من اليمن إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

عناصر من جماعة الحوثي

واعتمد التقرير على مئات المقابلات وصور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع السفن، مشيراً إلى أن التحرك “الحوثي” تجاوز مرحلة الالتفاف على حظر السلاح، ليصبح مشروعاً أكبر لبناء تحالفات مع الجماعات المسلحة وشبكات التهريب. 

ومن أبرز شواهد ذلك، اعتقال السلطات الأمنية في مدينة المكلا عام 2024 لشخص صومالي يٌدعى أحمد علمي سمتر، وٌصف بأنه وسيط بين جماعة “الحوثي” وحركة “الشباب”، حيث ساهم في نقل مئات العناصر الصومالية لمعسكرات تدريب “حوثية”، وتسهيل وصول مهندسين “حوثيين” إلى مناطق سيطرة حركة “الشباب”.

وهذا يمثل نقلة نوعية، فامتلاك “الحوثيين” لخبرات تصنيع المسيرات والصواريخ وإدارة التهريب يمنحهم القدرة على توفير الإسناد لجهات أخرى مقابل الحصول على أرض وطرق إمداد ومعلومات.  

حركة “الشباب” والمخاطر الاستخباراتية  

تعد العلاقة مع حركة “الشباب” الصومالية الحلقة الأكثر حساسية، نظراً لانتماء الحركة تنظيمياً إلى تنظيم “القاعدة” الإرهابي، بينما تتبنى جماعة “الحوثي” مرجعية مختلفة تماماً.

ورغم هذا الاختلاف العقائدي، تجمع الطرفين مصالح مشتركة؛ فـ”الحوثيون” يسعون لتدريب عناصر من الحركة، بينما تبحث الأخيرة عن قدرات عسكرية تواجه بها الضربات الجوية. 

وفي السياق ذاته، أفادت منصات متخصصة في شؤون الاستخبارات والدفاع بأن جماعة “الحوثي” وحركة “الشباب، تنسقان عملياتهما البحرية، بحيث يقدم “الحوثيون” معلومات لوجستية وقوائم بالسفن ذات الأولوية، لتنقلها حركة “الشباب” بدورها إلى عصابات القرصنة.

وإذا صحت هذه التقارير، فإن العلاقة تجاوزت التدريب المحدود، إلى مستوى خطير يتمثل في تبادل بنك المعلومات واستهداف القطع التجارية.  

شبكة تهريب تمتد عبر البحر  

لا تتحرك هذه الشبكات في معزل عن الاقتصاد غير المشروع، فقد رصد تقرير مؤسسة “القرن الدولي” توسع شبكات “الحوثيين” في تهريب الأشخاص والأسلحة والمكونات الكيميائية، مشيراً إلى استخدام طرق بحرية تمر عبر اليمن والصومال وجيبوتي “التي تنفي بدورها تورطها في هذه الأنشطة”. 

وإلى جانب ذلك، استفادت جماعة “الحوثي” من وجود المهاجرين الأفارقة في اليمن، لتجنيد بعضهم في شبكات التهريب والاستخبارات. 

وهنا تبرز جغرافية خليج عدن كممر اتصال رئيسي، لا كحاجز فاصل، فالممرات التي تسلكها السفن التجارية هي ذاتها التي تستخدمها قوارب التهريب وشبكات السلاح والمهاجرون والقراصنة. 

وعندما يلتقي التهريب بالقرصنة بالتأكيد، لا يعني هذا التشابك أن كل قارب تهريب يعمل لصالح “الحوثيين”، ولا أن كل قرصان صومالي يأتمر بأمر حركة “الشباب”، لكن تداخل شبكات المعلومات والتهريب، يخلق بيئة مرنة تتبادل فيها الأطراف المختلفة الخدمات، دون الحاجة لتنظيم واحد موحد. 

ففي حين يبحث القراصنة عن صيد ثمين ومعلومة دقيقة عن مسار السفن، وحركة “الشباب” تبحث عن المال والتكنولوجيا، و”الحوثيون” يبحثون عن عمق استراتيجي خارج الحدود، تبقى المصالح المؤقتة قادرة دائماً على خلق روابط أقوى من التحالفات المعلنة.

وفي المقابل، يضع الخبراء حدوداً لهذه الفرضية، مؤكدين أن بعض العلاقات الإفريقية لا تزال هشة، ولا توجد أدلة قاطعة على انتقال القدرات العسكرية “الحوثية” المتقدمة بالكامل إلى تلك الجماعات.  

خليج عدن.. ساحة التقاطع الكبرى  

في النهاية، لا يعكس المشهد الحالي بالضرورة “تحالف قرصنة” مركزياً تقوده جماعة “الحوثي”، بقدر ما يكفي دلالة على تكالب عدة جهات مسلحة وإجرامية على البيئة البحرية نفسها.

"عدو لم يكن بالحسبان".. فقدان آدم يبال بداية لانهيار حركة "الشباب" الصومالية؟
“عدو لم يكن بالحسبان”.. فقدان آدم يبال بداية لانهيار حركة “الشباب” الصومالية؟

وبينما تسعى جماعة “الحوثي” لتوسيع نفوذها، تبحث حركة “الشباب” عن الموارد، وشبكات التهريب تربط الساحلين، في حين وجد القراصنة في الانشغال الدولي، فرصة ذهبية للعودة. 

ومع تشتت جهود القوات البحرية الدولية بين البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق هرمز، تبدو المسافة بين شبكات التهريب والجماعات المسلحة والقرصنة أضيق من أي وقت مضى. 

وفي مساحة ضيقة مثل خليج عدن، قد تكون هذه المسافة القصيرة هي التهديد الأبرز الذي يستحق المراقبة والتحليل العميق في المرحلة المقبلة.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم