“دمشق الجديدة”.. حلم الـ7 مليارات يصطدم بواقع الاقتصاد السوري

مشروع دمشق الجديدة

يضع مشروع “دمشق الجديدة” الاقتصاد السوري أمام اختبار مبكر لقدرة البلاد على استقطاب استثمارات ضخمة بعد سنوات من الحرب والعقوبات والانكماش، بعدما وقّع الصندوق السيادي السوري ومجموعة “أرادَ” الإماراتية اتفاقية لتطوير مشروع عقاري تقدر قيمته بنحو 7 مليارات دولار، في واحدة من أكبر الصفقات العقارية المعلنة في سوريا منذ بدء مرحلة إعادة الإعمار.

 ويقام المشروع على مساحة تقارب 4 ملايين متر مربع غرب دمشق، ويتضمن نحو 11 ألف وحدة سكنية، إلى جانب فنادق وشقق فندقية ومرافق تعليمية وصحية وتجارية وترفيهية ومساحات خضراء، بما يجعله أقرب إلى مدينة متكاملة منه إلى مجمع سكني تقليدي.

انفتاح يعيد رسم المشهد

تزامنت الصفقة مع تحسن نسبي في البيئة الخارجية المحيطة بالاقتصاد السوري، بعدما اتجهت دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها المالية والاقتصادية مع العالم، ففي آب/ أغسطس الماضي، أزالت الولايات المتحدة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة أزالت عقبة مهمة أمام الاستثمار والتعاملات المالية الدولية، فيما بدأت “فيزا” و”ماستركارد” بالفعل أولى معاملات البطاقات الدولية داخل البلاد، في مؤشر على بدء إعادة ربط الاقتصاد السوري بشبكات الدفع العالمية.

لكن الانفتاح المالي والاستثماري لا يعني أن الاقتصاد السوري أصبح جاهزاً لاستيعاب استثمارات بهذا الحجم من دون تحديات، فالبنك الدولي يقدر تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية التي دمرتها الحرب بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في عام 2024، بعدما تضرر نحو ثلث مخزون رأس المال الذي كانت تملكه البلاد قبل الحرب.

يقام المشروع على مساحة تقارب 4 ملايين متر مربع غرب دمشق- إنترنت

 كما يقدر البنك حجم الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار، كان نصيب البنية التحتية منها 52 مليار دولار، مقابل 33 ملياراً للمباني السكنية و23 ملياراً للمباني غير السكنية.

وفي هذا السياق، لا تبدو قيمة مشروع “دمشق الجديدة” كبيرة فقط من حيث حجمها المالي، وإنما أيضاً من حيث موقعها داخل اقتصاد ما زال يعاني فجوة هائلة بين احتياجات إعادة الإعمار والموارد المتاحة.

ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50 بالمئة منذ عام 2010، وأن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي تراجع من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024.

مدينة لا مجرد مجمع سكني

يضم المشروع، بحسب التفاصيل المعلنة، نحو 11 ألف وحدة سكنية بين شقق وفلل ومنازل متلاصقة ومساكن بعلامات تجارية، إضافة إلى 500 غرفة فندقية ونحو ألف شقة فندقية، ومستشفى بسعة 300 سرير، ومنشآت تعليمية تستوعب نحو 5 آلاف طالب، ومساحات مكتبية وتجارية ومرافق للخدمات الحكومية، فضلاً عن حديقة عامة رئيسية تمتد على نحو 700 ألف متر مربع.

كما يقوم التصور العمراني على مفهوم “مدينة الـ15 دقيقة”، بما يتيح للسكان الوصول إلى الخدمات الأساسية والحاجات اليومية ضمن مسافات قصيرة.

يتضمن المشروع كذلك بعداً اجتماعياً، وفق ما أعلنته الجهات السورية، يتمثل في إنشاء مدن سكنية موازية ومستدامة لقاطني المخيمات وأصحاب المنازل المهدمة، في محاولة لربط الاستثمار العقاري بملف السكن وإعادة دمج المتضررين من الحرب في مشاريع عمرانية جديدة.

لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة، يطرح الباحث الاقتصادي يونس الكريم أسئلة تتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي ينبغي لسوريا أن تتبناه في مرحلة ما بعد الحرب.

قال الكريم إن المشكلة الأساسية في الطروحات الاقتصادية والاستثمارية التي يقدمها الصندوق السيادي السوري لا تتعلق فقط بمستوى المهنية أو الخبرة في إدارة أحد أهم الأدوات الاقتصادية الحديثة للدول، وإنما تكمن، بصورة أعمق، في غياب المخيلة الاقتصادية والواقعية عند تصميم المشاريع الكبرى، محذراً من إعادة إنتاج نماذج اقتصادية سبق أن طُرحت في عهد بشار الأسد وأسهمت، برأيه، في تكريس الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهت إلى انهيار ذلك النموذج.

أحلام قديمة بأسماء جديدة؟

أضاف الكريم وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن المشاريع المطروحة اليوم ليست جديدة تماماً من حيث جوهرها، إذ إن جزءاً كبيراً من الأفكار المتعلقة بالتوسع العمراني والاستثمار العقاري والمشاريع الكبرى سبق طرحه خلال السنوات الأخيرة من عهد الأسد، في إطار وعود واسعة بتحويل سوريا إلى مركز إقليمي للاستثمار والتنمية، من دون أن تنجح تلك المشاريع في معالجة الاختلالات الهيكلية التي كان يعاني منها الاقتصاد السوري.

 وتابع: “السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو هل يصعب على الصندوق أن يقدم تصوراً اقتصادياً جديداً يتناسب مع سوريا التي خرجت من حرب طويلة، بدلاً من إعادة إنتاج أحلام اقتصادية جُرّبت سابقاً؟”.

ويرى أن اختبار الواقعية يصبح أكثر إلحاحاً مع مشروع “دمشق الجديدة”، مشيراً إلى أن مناقشة المشروع يجب أن تبدأ، بعيداً عن الظروف الأمنية والسياسية، من الأسئلة الاقتصادية والفنية الأساسية التي تحدد قابلية المدينة للحياة والاستدامة، وفي مقدمتها المياه والصرف الصحي والطاقة والنقل والبنية التحتية.

 وأضاف: “كيف سيتم تأمين المياه والصرف الصحي لمدينة جديدة بالتوازي مع مدينة دمشق الحالية؟ هذه ليست مسألة تفصيلية يمكن تأجيلها إلى مراحل لاحقة من المشروع، بل هي جزء أساسي من دراسة الجدوى نفسها”.

أزمة المياه تسبق المدينة

تكتسب مسألة المياه وزناً خاصاً في ضوء وضع البنية التحتية السورية، ففي نيسان/أبريل الماضي وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 150 مليون دولار لمشروع طوارئ لأمن المياه والخدمات القادرة على الصمود، بهدف إعادة تأهيل منظومات إمداد المياه والصرف الصحي في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والمتضررة من الحرب، ضمن حزمة تمويل إجمالية بقيمة 225 مليون دولار للمياه والصحة.

أشار الكريم إلى أن أزمة المياه ليست افتراضاً نظرياً بالنسبة إلى دمشق وسوريا، لافتاً إلى أن البنك الدولي أطلق خلال عام 2026 مشروعاً للطوارئ يتعلق بأمن المياه والخدمات القادرة على الصمود في سوريا، ويتضمن قطاعات إمدادات المياه والصرف الصحي وإدارة الموارد المائية والبنية التحتية الحضرية، بما يعكس حجم التحدي الذي يواجه قطاع المياه والخدمات الأساسية في البلاد.

وتابع أن بناء مدينة جديدة تستوعب عشرات الآلاف من الأسر لا يمكن أن يُقاس بعدد الأبنية والوحدات السكنية فقط، بل بقدرتها على توفير مصادر مياه مستدامة وشبكات صرف وطاقة ونقل وخدمات عامة قادرة على مواكبة التوسع السكاني لعقود.

وقال إن تحويل مشروع بهذا الحجم إلى مدينة سياحية وخدمية “شرهة للمياه”، من دون نشر تصور واضح لمصادر المياه وآليات إدارتها، يضع المشروع أمام سؤال جوهري يتعلق بجدواه على المدى المتوسط والطويل.

من سيسكن “دمشق الجديدة”؟

أما السؤال الثاني، بحسب الكريم، فيتعلق بسبب انتقال السكان إلى “دمشق الجديدة”، وقال: “لماذا سيأتي الناس إلى هناك؟ وما هي الأنشطة الاقتصادية التي ستستوعبهم؟ أين الوظائف والصناعات والخدمات ذات القيمة المضافة؟ وما القطاعات الإنتاجية والتجارية التي ستجذب السكان والاستثمارات؟”.

وأوضح أن بناء آلاف الوحدات السكنية لا يمثل في حد ذاته سياسة اقتصادية، لأن العقار لا يستطيع وحده خلق اقتصاد منتج ومستدام، مضيفاً أن دمشق الحالية تعاني أصلاً من اختناقات عمرانية وبيئية وخدمية، وبالتالي فإن إضافة تجمعات سكانية ضخمة من دون قاعدة اقتصادية جديدة قد تعني توسيع المشكلة بدلاً من حلها.

يقام المشروع على مساحة تقارب 4 ملايين متر مربع غرب دمشق- إنترنت

وحذر من أن توجيه جزء كبير من رأس المال المتاح في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج والسيولة ومحدودية النظام المصرفي نحو العقارات قد يؤدي إلى تجميد الأموال في الأراضي والمباني بدلاً من توجيهها إلى قطاعات إنتاجية قادرة على توليد فرص العمل والصادرات والدخل، قائلاً إن “العقار ليس اقتصاداً بحد ذاته”، وإن سوريا في مرحلة إعادة البناء تحتاج إلى استثمارات تنتج وتصدّر وتخلق وظائف، لا إلى توسع عمراني منفصل عن دورة الإنتاج.

وتتزامن هذه الملاحظة مع تحدٍ آخر يتعلق بقدرة النظام المالي السوري على تمويل الاقتصاد الحقيقي، فقد وافق البنك الدولي في آب/أغسطس الماضي على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، مشيراً إلى أن القطاع لا يزال صغيراً ومتركزاً حول المصارف، ويعتمد بدرجة كبيرة على النقد، مع ضعف الوساطة المالية وتقادم البنية التحتية للمدفوعات، وهي عوامل ترفع تكاليف المعاملات وتحد من الوصول إلى التمويل وتعيق إعادة الاتصال بالقنوات المالية الدولية.

7 مليارات دولار.. لكن لمن؟

كما حذر الكريم من مخاطر تحول المشاريع العقارية الكبرى إلى أدوات للمضاربة أو تركّز الثروة إذا لم ترافقها قواعد واضحة للتمويل والملكية والشفافية ومكافحة غسل الأموال وحماية المال العام، مشيراً إلى أن أي مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى الإفصاح عن مصادر التمويل، وهيكل الملكية، والتزامات الأطراف، والعائد المتوقع على المال العام، وجدول التنفيذ، وآليات الرقابة.

بينما تراهن دمشق على أن تدفق الاستثمارات الخليجية والأجنبية يمكن أن يفتح مرحلة جديدة من النمو، يبقى التحدي في تحويل الأموال الداخلة إلى اقتصاد منتج وليس مجرد أصول عقارية، فمشروع “دمشق الجديدة” قد يوفر دفعة للبناء والتشغيل والخدمات وسلاسل التوريد إذا ارتبط بموردين محليين ووظائف واستثمارات إنتاجية، لكنه قد يبقى، في المقابل، مشروعاً عمرانياً ضخماً إذا لم يتصل بقاعدة إنتاجية أوسع.

وختم الكريم بالقول إن سوريا الجديدة تحتاج إلى الخروج من “ثوب خطط الأسد وأحلامه الاقتصادية” وليس إعادة إنتاجها بأسماء ومؤسسات جديدة، مضيفاً: “نحتاج إلى النظر إلى سوريا كما هي فعلاً، بإمكاناتها ومواردها وقيودها، ثم بناء اقتصاد يناسبها، لا يكفي أن نبني مدينة جميلة؛ المطلوب أن نبني اقتصاداً يجعل هذه المدينة قابلة للحياة، ويمنح السوريين عملاً وإنتاجاً ومستقبلاً، لا مجرد أبراج وعقارات”.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم