في تطور لافت لمجريات أزمة المحروقات التي شهدتها سوريا خلال الأسبوعين الماضيين، خرج وزير الطاقة السوري محمد البشير، السبت، ليعلن تراجع الازدحام أمام محطات الوقود بشكل كبير، وعودة الحركة إلى طبيعتها في معظم المناطق، مقدماً في الوقت ذاته اعتذاره العلني للمواطنين الذين عانوا من طوابير الانتظار الطويلة التي امتدت لساعات.
وجاء هذا الإعلان في بيان رسمي للوزارة، حاول من خلاله الوزير تشريح الأسباب المعقدة التي أدت إلى تأزم المشهد وتكرر أزمة البنزين في أكثر من محافظة سورية.
وفق رواية الوزير.. كيف بدأت الأزمة؟
أرجع الوزير البشير، في بيانه الذي تابعه “الحل نت”، الاختناقات غير المسبوقة التي شهدتها محطات الوقود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة بدأت باستبعاد شحنة بنزين كاملة من السوق بعد ثبوت عدم مطابقتها للمواصفات الفنية القياسية، وهو إجراء احترازي اتخذته الوزارة حفاظاً على سلامة المركبات والمحركات.
غير أن هذا القرار، كما أوضح الوزير، تزامن مع تداول معلومات واسعة النطاق حول قرب تخفيض أسعار المحروقات، مما دفع عدداً من أصحاب المحطات إلى تخفيض كميات استجرارهم من المادة تجنباً للخسائر المالية التي كانت ستلحق بهم جراء بيع الكميات القديمة بأسعار مرتفعة ثم استبدالها بأخرى مخفضة، وفي المقابل، أحجم قطاع عريض من المواطنين عن التعبئة انتظاراً للأسعار الجديدة، مما أدى إلى تراكم الطلب المؤجل.
ما علاقة تخفيض الأسعار بالأزمة؟
مع صدور قرار التخفيض الرسمي في الثامن والعشرين من حزيران الماضي، والذي خفض سعر ليتر بنزين “أوكتان 95″ بنسبة 20.39 بالمئة إلى 130 ليرة سورية جديدة، و”أوكتان 90” بنسبة 19.97 بالمئة إلى 125 ليرة، انفجر الطلب دفعة واحدة وبصورة غير مسبوقة.
هذا التزاحم الهائل، بحسب الوزير، واجه ضغطاً على عمليات النقل والتوزيع، إضافة إلى استغلال بعض المتاجرين لهذه الفجوة لتحقيق أرباح سريعة، وهو ما ساهم في زيادة حدة الاختناقات أمام المحطات التي كانت تعمل بطاقة محدودة، حيث شهدت محافظات دمشق وريفها وحلب وحماة واللاذقية طوابير امتدت لساعات، في مشهد وصفه مراسلون بأنه الأكثر حدة منذ سنوات.
ولمواجهة هذا الوضع الطارئ، أكد الوزير أن وزارته تحركت فوراً عبر مضاعفة كميات التزويد من البنزين، وتسريع عمليات النقل والتوزيع بشكل ملحوظ، وكثفت الرقابة على السوق.
إجراءات إسعافية لكسر الاختناق
كشف البيان عن حصيلة هذه الحملة الرقابية، والتي أسفرت عن تنظيم 179 ضبطاً خلال الأسبوع الماضي فقط، شملت مخالفات في محطات الوقود ومستودعات التخزين، إضافة إلى إغلاق منشآت كاملة ثبت تورطها في ممارسات غير قانونية، كما جاء فيه أن هذه الإجراءات أسهمت في عودة الهدوء التدريجي إلى محطات الوقود وعودة حركة التوزيع إلى مسارها الطبيعي.
في سياق متصل، يرى خبراء اقتصاد أن الأزمة الأخيرة كانت نتيجة متوقعة لخلل في آلية التسعير، حيث يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الوقود بقدر ما هو مرتبط بسياسة تحرير الأسعار في اقتصاد هش.

وأشارت تقارير إلى أن قرار التخفيض جاء دون إجراءات استباقية لتعويض أصحاب المحطات عن الفروقات السعرية، مما دفعهم إلى وقف الاستجرار تحسباً للخسائر، وهو ما فاقم الأزمة وضاعف من معاناة المواطنين.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحديات هيكلية عميقة يعاني منها قطاع الطاقة في سوريا، والتي أقر بها الوزير البشير نفسه، مشيراً إلى تضرر منشآت النفط والغاز والمصافي ومستودعات التخزين وشبكات النقل جراء سنوات الحرب وتراكم الإهمال.
أزمة أعمق من البنزين
أكد الوزير أن الوزارة تعمل على حلول طويلة الأمد تشمل تطوير الإنتاج، وزيادة قدرة المصافي، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتداعية، إلا أنه شدد على أن إعادة بناء قطاع الطاقة الذي أنهكته السنوات الماضية يمثل مشروعاً وطنياً طويل الأمد يحتاج إلى وقت وإمكانات كبيرة.
أشارت تقديرات إلى أن سوريا تحتاج يومياً إلى نحو 100 ألف برميل من النفط الخام، في حين لا يتوافر حالياً سوى ما بين 20 إلى 24 ألف برميل فقط، مما يضع الحكومة أمام فجوة كبيرة تعتمد في سدها على الاستيراد.
اعتذار وزير الطاقة وتصريحاته حول تجاوز الأزمة المؤقتة، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول قدرة الحكومة على إدارة قطاع المحروقات في ظل استمرار التحديات البنيوية، وضعف القدرة الإنتاجية المحلية، وغياب آليات تضبط سلوك السوق في أوقات التعديلات السعرية، لتبقى أزمة البنزين الأخيرة محطة جديدة في مسلسل طويل من الأزمات التي يعاني منها المواطن السوري في تأمين احتياجاته الأساسية من الطاقة.

