إيران و”كلود”.. كيف استغل الذكاء الاصطناعي في التجسس والدعاية؟

كشف تقرير لشركة “أنثروبيك” الأميركية المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي “كلود”، عن استخدام جهات مرتبطة بإيران هذا النموذج في عمليات شملت جمع معلومات استخباراتية عن القوات البحرية الأميركية، ومراقبة أشخاص في إسرائيل والشتات اليهودي، إلى جانب التخطيط لحملات دعائية وبناء قواعد بيانات لأهداف محتملة.

ويأتي الكشف في سياق إقليمي شديد التوتر، إذ تزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران التي بدأت في 28 شباط/ فبراير. ليكشف عن الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه تقنية الذكاء الاصطناعي في طبيعة الصراع.

وأوضحت الشركة أنها رصدت وأوقفت، خلال الفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، عدداً من عمليات إساءة استخدام نماذجها، انطلقت من الصين وإيران وغرب أفريقيا، محذرة من تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تستخدمها حكومات وجهات مرتبطة بها في التجسس والمراقبة والتأثير.

من البيانات المفتوحة إلى معلومات استخباراتية

بالنسبة إلى الحالة الإيرانية، لا يقتصر الأمر على استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات متاحة للعامة، إنما يمتد إلى تنظيم هذه المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى أدوات قابلة للاستخدام في عمليات الاستهداف والدعاية.

شعار نموذج “كلود” – تعبيري

في إحدى الحالات التي وثقتها “أنثروبيك”، استخدمت جهة مرتبطة بإيران نموذج “كلود” لجمع وتحليل معلومات متاحة للعامة عن القوات البحرية الأميركية العاملة في المنطقة، شملت أسماء أفراد عسكريين استخرج بعضها من تعليقات على صور منشورة على الإنترنت، إضافة إلى معرفات أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بالسفن والطائرات، ونصوص استعلامات مرتبطة بصور الأقمار الصناعية التجارية.

وأوقفت الشركة الحساب المستخدم في هذه الأنشطة، وشاركت معلومات مرتبطة بالتهديد مع جهات حكومية معنية، مؤكدة أن ذلك لا يعني بالضرورة تقديم الذكاء الاصطناعي معلومات سرية، بقدر ما يكشف عن قدرته على جمع كميات كبيرة من البيانات المفتوحة وفرزها وتحليلها بسرعة تفوق الوسائل التقليدية.

من المراقبة إلى تحديد الأهداف

في حالات أخرى، رصدت “أنثروبيك” حسابات موالية للدولة الإيرانية استخدمت النموذج في عمليات منفصلة شملت الدعاية، واستهداف القوات البحرية الأميركية، والمراقبة المحلية، وتحديد ملامح أشخاص في إسرائيل وأوساط الشتات اليهودي.

وأزالت الشركة ثلاث حسابات مرتبطة بمؤسسات دعاية حكومية إيرانية، من بينها منظمة الثقافة والاتصال الإسلامي التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ومكتب الدعاية الإسلامية في خراسان رضوي، ومرصد “بينا” الثقافي.

وبحسب التقرير، استخدمت هذه الحسابات في بناء خطط للحملات، وإعداد أدلة عقائدية، وإنشاء أنظمة لتصنيف الشخصيات وقواعد بيانات للأهداف، إلى جانب إعداد وثائق للتخطيط الوزاري، ما يكشف عن وظيفة أخرى للذكاء الاصطناعي تتجاوز البحث التقليدي إلى تحويل المعلومات المتفرقة إلى ملفات منظمة قابلة للاستخدام في التأثير والمراقبة.

الحرب المعرفية وسؤال بديل الفرق الهندسية

لا يقدم التقرير الذكاء الاصطناعي كأداة تجسس فقط، إنما يربطه أيضاً بما تسميه الشركة أنشطة “الحرب المعرفية”، إذ استخدم النموذج في صياغة مواد وأدلة تساعد في بناء الرسائل الدعائية وتوجيهها لجمهور محدد، ضمن سلسلة تبدأ بجمع البيانات وتصنيف الأشخاص وتنتهي بإنتاج رسائل موجّهة.

وتلفت “أنثروبيك” إلى أن أبرز ما كشفته هذه العمليات هو أن الذكاء الاصطناعي بات يؤدي مهاماً كانت تتطلب سابقاً فرقاً من المهندسين والمحللين، إذ تصف الشركة هذا التحول بالقول إن الذكاء الاصطناعي “يستخدم الآن كبديل للقوى العاملة الهندسية”، ما يمنح الجهات التي تمتلك أصلاً قدرات استخباراتية أو دعائية إمكانية توسيع نطاق عملياتها دون زيادة مماثلة في عدد العاملين.

إيران ضمن ظاهرة أوسع

لا تقتصر هذه الظاهرة على إيران وحدها؛ إذ رصدت “أنثروبيك” حملات مراقبة مماثلة انطلقت من الصين استهدفت مجتمعات الشتات والمعارضة، بينها شخصيات مؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ ومجتمعات التبتيين وأتباع حركة “فالون غونغ”، إضافة إلى استخدام متعاقد يعمل لصالح أجهزة الأمن القومي في مالي لتصميم برمجيات أتاحت جمع معلومات استخباراتية.

ومع ذلك، تبرز الحالة الإيرانية في التقرير بسبب تعدد أوجه الاستخدام التي رصدتها الشركة، من جمع المعلومات العسكرية إلى المراقبة وتحديد الأشخاص وصولاً إلى الدعاية والتخطيط لحملات التأثير.

تكشف الحالات التي عرضتها “أنثروبيك” عن تحول في طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي. ووفق التقرير، دخل الذكاء الاصطناعي في الحالة الإيرانية ثلاث مساحات متداخلة هي الاستخبارات والمراقبة والحرب المعرفية، وهو ما لا يجعل منه بديلاً عن أجهزة الاستخبارات أو المؤسسات الأمنية، لكنه يمنحها أداة قادرة على التعامل مع حجم أكبر من المعلومات وبسرعة أعلى، في مرحلة جديدة من استخدام هذه التقنية داخل الصراعات الإقليمية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم