أثار تزايد حالات رفض بعض التجار ووسائل النقل قبول العملة السورية القديمة، رغم استمرار سريانها قانوناً، المخاوف من دخول الأسواق في حالة ارتباك نقدي قد تسبق الموعد الرسمي لانتهاء تداول الإصدار القديم.
وبينما يؤكد مصرف سوريا المركزي أن الأوراق النقدية القديمة تحتفظ بقوتها الإبرائية الكاملة حتى انتهاء المهلة المحددة للاستبدال، يرى خبراء اقتصاديون أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على استبدال الأوراق النقدية، بل يتمثل في الحفاظ على الثقة العامة بالعملة ومنع انهيارها فعليًا قبل انتهاء صلاحيتها القانونية، وهي ظاهرة قد تفضي إلى اضطراب واسع في حركة الأسواق والمعاملات اليومية.
العملة ما زالت ملزمة قانوناً
تشير بيانات مصرف سوريا المركزي إلى أن العملة القديمة تبقى صالحة للتداول حتى نهاية 30 تموز/يوليو الجاري، مع استمرار إمكانية استبدالها لدى فروع المصرف خلال الفترة التي حددها القرار، في محاولة لضمان انتقال سلس بين الإصدارين.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب إسمندر إن ما تشهده الأسواق يمثل ما يعرف بـ”الرفض المبكر للعملة”، وهو سلوك يؤدي عملياً إلى انهيار القوة الإبرائية للأوراق النقدية قبل موعدها الرسمي، موضحاً أن القانون لا يمنح أي جهة أو تاجر الحق في الامتناع عن قبول العملة القديمة طالما أن المصرف المركزي لم يعلن انتهاء قوتها الإبرائية، إذ تبقى أداة وفاء قانونية ملزمة في جميع عمليات البيع والشراء وسداد الديون والالتزامات بقيمتها الاسمية الكاملة، وفق صحيفة “الوطن”.
ويحذر من أن استمرار هذا السلوك لا يقتصر أثره على مخالفة القانون، بل يضرب الثقة بالعملة الوطنية نفسها، فحين يرفض التاجر استلام العملة القديمة خوفاً من تكدسها لديه، ينتقل هذا الخوف سريعاً إلى المستهلك، الذي يبدأ بدوره في التخلص منها أو رفضها، لتدخل السوق في حلقة متسارعة من فقدان الثقة قد تؤدي إلى موت العملة فعليًا قبل انتهاء المهلة القانونية، بما ينعكس على الأسعار والسيولة واستقرار التعاملات.
ارتباك يتسع في الأسواق
تزداد أهمية هذه المخاوف مع ما تشهده الأسواق السورية من تفاوت في تداول الإصدارين الجديد والقديم بين المحافظات، فضلاً عن شكاوى متكررة من نقص بعض الفئات النقدية الجديدة، الأمر الذي يجعل استمرار قبول العملة القديمة ضرورة عملية لضمان انسياب عمليات البيع والشراء، خصوصاً في التعاملات اليومية الصغيرة.
كما رصدت تقارير صحفية رفض بعض الفعاليات التجارية ووسائل النقل التعامل بالإصدار القديم قبل انتهاء المهلة، رغم أن تعليمات مصرف سوريا المركزي تلزم بالتعايش بين العملتين حتى نهاية الفترة المحددة.
ويرى إسمندر أن مسؤولية معالجة الأزمة تقع بالدرجة الأولى على مصرف سوريا المركزي، من خلال اتخاذ إجراءات تعيد الثقة بالإصدار القديم وتزيل المخاوف التي تدفع التجار إلى رفضه، مقترحاً أن يبدأ ذلك بإصدار بيان قانوني واضح يعيد التأكيد على استمرار القوة الإبرائية للعملة القديمة، مع تذكير الأسواق بالنصوص القانونية التي تلزم الجميع بقبولها، وبيان العقوبات المترتبة على رفضها قبل انتهاء المهلة الرسمية.
حلول لتبديد مخاوف التجار
لا يكتفي الخبير بالإجراءات القانونية، بل يدعو إلى حلول تشغيلية تقلل العبء عن التجار، ومن أبرز هذه المقترحات إطلاق مبادرة “التاجر المعتمد للاستبدال”، بحيث يمنح كبار التجار ومحطات الوقود وشركات النقل صفة وكلاء معتمدين لاستلام العملة القديمة من المواطنين، على أن تودع يومياً في حسابات مصرفية مخصصة، وتضاف قيمتها مباشرة إلى أرصدتهم إلكترونياً.

ويرى أن هذه الآلية ستبدد المخاوف من تكدس السيولة القديمة لدى التجار، وتضمن استمرار قبولها في الأسواق حتى آخر يوم من المهلة القانونية، كما يقترح تسيير سيارات مصرفية متنقلة تابعة للمصرف المركزي تجوب الأسواق التجارية والمواقف الرئيسية يومياً، لتستبدل ما لدى التجار الصغار والسائقين من أوراق نقدية قديمة، ضمن سقوف مالية مناسبة، بما يخفف الضغط عن فروع المصارف ويمنع تراكم السيولة لدى الأنشطة التجارية الصغيرة التي تعتمد على التداول النقدي المباشر.
وفي الجانب الرقابي، يؤكد إسمندر ضرورة اعتماد سياسة ردع واضحة، تبدأ بتخصيص خط ساخن للإبلاغ الفوري عن أي حالة رفض للعملة القديمة، مع تفعيل تطبيقات إلكترونية أو خدمة عبر “واتساب” تسمح للمواطنين بإرسال صور أو مقاطع توثق المخالفة، لتتولى الجهات المختصة، سواء المصرف المركزي أو الأجهزة الرقابية أو القضاء، التعامل معها بسرعة.
الثقة قبل العقوبات
يرى إسمندر أن الإعلان عن هذه الإجراءات سيكون له أثر رادع حتى قبل تطبيق العقوبات، مضيفاً أنه من بين أهم المقترحات التي يراها كفيلة بإنهاء حالة الذعر، إعلان المصرف المركزي أنه “المشتري الأخير” للعملة القديمة دون أي شروط أو قيود، بحيث يستطيع أي تاجر أو مواطن يمتلك كميات كبيرة من الإصدار القديم استبدالها فوراً في فروع المصرف، وهو ما يسحب الذريعة الأساسية التي يستند إليها الرافضون لقبولها، والمتمثلة بالخوف من عدم القدرة على تصريفها لاحقًا.
ويرى اقتصاديون أن نجاح عملية استبدال العملة لا يقاس بعدد الأوراق التي جرى سحبها من الأسواق، بل بقدرة السلطات النقدية على الحفاظ على الثقة حتى اليوم الأخير من المهلة القانونية، فالتجارب الدولية في تغيير العملات تؤكد أن التواصل المستمر مع المواطنين، ووضوح الرسائل الرسمية، وتوفير قنوات استبدال سهلة وسريعة، تمثل عناصر حاسمة في تجنب الفوضى النقدية ومنع تشكل سوق موازية بين الإصدارين.
وفي هذا السياق، تبدو استعادة الثقة أكثر أهمية من مجرد سحب العملة القديمة من التداول، فإذا اقتنع المواطن والتاجر بأن الإصدار القديم سيبقى مقبولاً حتى اللحظة الأخيرة، فإن عملية الاستبدال ستسير بصورة طبيعية.
أما إذا ترسخ الاعتقاد بأن العملة فقدت قيمتها قبل الموعد الرسمي، فإن الأسواق قد تواجه موجة رفض جماعية، تؤدي إلى تعطيل المعاملات اليومية، وارتفاع الأسعار بصورة لحظية، وإرباك النشاط التجاري، وهو السيناريو الذي يحذر منه الخبراء، ويضع مصرف سوريا المركزي أمام اختبار حقيقي في إدارة واحدة من أكثر مراحل الإصلاح النقدي حساسية.

