شح السيولة وغلاء المعيشة يضغطان السوريين.. واحتجاجات القامشلي تكشف عمق الأزمة

احتجاجات القامشلي

لا تبدو أزمة المعيشة في سوريا منفصلة عن التحولات النقدية التي دخلت حيز التنفيذ مع إطلاق العملة الجديدة مطلع العام الجاري ، إذ تتقاطع ضغوط الأسعار مع شكاوى من محدودية السيولة وتأخر بعض المستحقات، في وقت يسعى فيه مصرف سوريا المركزي إلى إدارة مرحلة ما بعد استبدال العملة، وتوسيع أدوات الدفع خارج التعامل النقدي.

ويقول الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بإحدى الجامعات الخاصة، دليل عابد، إن الاقتصاد السوري واجه، بعد طرح العملة الجديدة، ضغوطاً متزايدة بفعل التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تسريح العمال وارتفاع البطالة بأكثر من 60 بالمئة، بحسب تقديره.

الأسعار تلتهم الدخول

يضيف الأستاذ الجامعي، أن تراجع المبيعات والأرباح لدى عدد من التجار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف استئجار المحال، دفع بعض الفعاليات الاقتصادية إلى إغلاق أعمالها أو تعليقها، وفق ما نقلت عنه وكالة أنباء “هاوار”.

احتجاجات في قامشلي بسبب غلاء المعيشة- إنترنت

ويرى أن الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة ظهر في أسعار عدد من الفواتير والخدمات والخبز التي ارتفعت، وفق تقديره، بأكثر من عشرة أضعاف، فيما قفزت إيجارات المساكن بنحو 200 بالمائة، إلى جانب زيادة أجور النقل، معتبراً أن اتساع الفجوة بين السيولة المتاحة واحتياجات الأسواق المالية بات عاملاً مؤثراً في قدرة الأسر والمنشآت على الوفاء بالتزاماتها.

ويشير كذلك إلى تأخر صرف مستحقات مزارعي القمح وتقسيطها على دفعات، معتبراً أن شح السيولة المتاحة أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تفسير التأخير، ولا سيما في مناطق تعتمد بدرجة كبيرة على التدفقات النقدية الحكومية والمصرفية.

شح السيولة يثير التساؤلات

في السياق نفسه، قال مدير سابق لمصرف حكومي، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن تأخر بعض المستحقات والتعويضات والزيادات المالية يرتبط بـ”محدودية السيولة المتداولة مقارنة بارتفاع الأسعار”، موضحاً أن أجور السكن تجاوزت مستوياتها السابقة بأكثر من 100 بالمئة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع المبيعات لدى بعض التجار.

أضاف أن الإجراءات النقدية المصاحبة لاستبدال العملة فرضت حاجة أكبر إلى إدارة السيولة بمرونة، في ظل تأخر بعض المدفوعات وتقسيط التعويضات وظهور صعوبات لدى منشآت في القطاع الخاص.

لكن رواية نقص السيولة لا تتطابق بالكامل مع موقف المصرف المركزي، الذي أكد منذ إطلاق العملة الجديدة أن العملية لا تستهدف زيادة الكتلة النقدية أو خفض القدرة الشرائية، بل استبدال العملة القديمة بالجديدة وحذف صفرين من قيمها الاسمية.

وكان المصرف قد أعلن في شباط/ فبراير استبدال 35 بالمئة من الكتلة النقدية القديمة البالغة 42 تريليون ليرة، مع صرف رواتب ذلك الشهر بالكامل بالعملة الجديدة بقيمة 45 مليار ليرة جديدة.

مستحقات القمح إلى المصارف

مع انتهاء مهلة الاستبدال في 30 تموز/ يوليو، أعلن المركزي أن نسبة الاستبدال تجاوزت 95 بالمئة وفق التقديرات الأولية، مؤكداً في الوقت نفسه أنه يواصل تقييم احتياجات التداول النقدي واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الفئات النقدية التي يحتاجها السوق.

احتجاجات في قامشلي بسبب غلاء المعيشة- إنترنت

وفي ملف القمح، بدأت المصارف الزراعية في الحسكة خلال آب/ أغسطس صرف مستحقات المزارعين، بعد تحويل دفعات من الفواتير إلى المصارف، فيما أشارت البيانات الرسمية إلى أن الصرف يتم نقداً وفق الآليات المعتمدة، ما يعكس أن مشكلة المدفوعات لم تختفِ بالكامل، حتى مع تقدم عملية استبدال العملة.

وبالتوازي، يتحرك المصرف المركزي نحو تقليل الاعتماد على النقد، إذ دخل الدفع بالبطاقات الدولية مرحلة التشغيل الفعلي، بعد تنفيذ أول عملية شراء باستخدام “ماستركارد” في 27 آب، بينما أكد المصرف أن التحول الإلكتروني يأتي لتوفير أدوات دفع إضافية، لا لإلغاء التعامل النقدي.

القامشلي تدفع ثمن الغلاء

تظهر ضغوط الأسعار بصورة أكثر مباشرة في القامشلي، حيث خرجت احتجاجات مرتبطة بارتفاع تكاليف المازوت والكهرباء وانعكاسها على النشاط الاقتصادي.

جاءت هذه التحركات بعد توقف عدد من المولدات إثر رفع الدعم عن المازوت الخدمي، قبل أن تحدد مديرية منطقة قامشلو تكلفة تشغيل الأمبير بنحو 1.25 دولار للساعة، مع إقرارها بأن هذه الكلفة تشكل عبئاً يفوق القدرة الشرائية للمواطنين.

وهكذا، لا تبدو الضغوط التي تواجه الأسر السورية مجرد نتيجة لتحول نقدي واحد، بل حصيلة تداخل بين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتكاليف الطاقة والسكن، فضلاً عن صعوبات وصول بعض التدفقات المالية إلى مستحقيها.

وفي القامشلي، تحولت هذه الضغوط إلى احتجاجات في الشارع، لتكشف أن استقرار العملة شكلياً لا يكفي وحده لتهدئة الأسواق ما لم يرافقه تحسن ملموس في الدخول والخدمات وتدفق السيولة إلى الاقتصاد الحقيقي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم