تصدر الصراع بين الولايات المتحدة وإيران العناوين الرئيسية في المنطقة والعالم، إلا أن دور الصين في تمكين إيران من الاستمرار في الحرب غالباً ما يحظى باهتمام أقل.
فكيف دعمت الصين حليفتها في الحرب؟ وإلى أي مدى مَكّن هذا الدعم إيران من الاستمرار في الحرب لفترة أطول؟ وكيف تلاعبت الصين بين شراكتها مع الخليج وتحالفها مع إيران؟
الدعم الصيني الخفي لإيران
خلال العقود الماضية، تطورت العلاقات الصينية الإيرانية من تعاون محدود إلى شراكة استراتيجية واسعة النطاق تشمل الروابط الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، ورغم أن الصين كانت حذرة في بيع الأسلحة مباشرة لإيران منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، إلا أن دعم بكين لطهران استمر بشكل سري، مما ساعد إيران على الالتفاف على العقوبات الدولية، والحفاظ على صادرات النفط، والحصول على تقنيات ذات استخدام مزدوج ضرورية لطائراتها المسيّرة وصواريخها الباليستية وغيرها من الأسلحة.
منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أواخر شباط/فبراير 2026، تصرفت الصين بحذر شديد، فلم تحرك أي حاملات طائرات ولا سفناً حربية ولا قاذفات صينية لنجدة طهران، بل اكتفت بتوفير دعم تقني واستخباراتي، زاد من فاعلية المسيّرات والصواريخ الباليستية؛ فاختارت أشكال دعم تعطيها القدرة على الإنكار أمام حلفائها في دول الخليج، التي تربطها بهم علاقات اقتصادية متينة.
وحسب تقارير لصحيفة “نيويورك تايمز” و”سي إن إن“، في أيار/مايو الماضي، فإن الصين قامت بتزويد مكونات وقطع لتصنيع مسيّرات انتحارية إيرانية، وبالموافقة على بيع طهران صواريخ أرض-جو حديثة تطلق عن الكتف، كما أنها ساهمت بتزويدها بمعلومات استخباراتية ودعم تقني مكّن طهران من استهداف مواقع استراتيجية مهمة في الخليج وإسرائيل.
نقلت “ميدل إيست آي” عن مسؤولين لم تسمّهم أن بكين أرسلت إلى إيران مسيّرات انتحارية وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى بطاريات صواريخ أرض-جو، وذلك بعد حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025.
كما نقلت “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن معلومات استخباراتية أن الصين ساعدت إيران على إعادة بناء قدراتها الصاروخية المتضررة، مع تكثيف تعاون في إنتاج صواريخ أرض-أرض، وقد رصدت أجهزة استخبارات أوروبية هذا التعاون.

هذا التعاون لم يتوقف، فقبل أيام، بحسب وكالة “رويترز” من المتوقع أن تتسلم إيران خلال الأسابيع المقبلة شحنة أولى من أصل 400 منصة إطلاق صواريخ دفاع جوي صينية الصنع محمولة على الكتف، حسبما ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة على الصفقة لـ”رويترز”، فيما تبلغ قيمة هذه الصفقة 60-70 مليون دولار، ورغم ذلك صرحت وزارة الخارجية الصينية قائلة: “إن التقارير ذات الصلة لا أساس لها من الصحة على الإطلاق”.
بينما علق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصفقة قائلاً: “حصول إيران على مثل هذه المعدات من الصين سيكون أمراً مفاجئاً بالنظر إلى ما قال إنها تأكيدات من الرئيس الصيني شي جين بينغ بعدم التدخل في الحرب نيابة عن إيران”.
الموقف المُعلن للصين
دبلوماسياً، أدانت بكين الهجمات الإسرائيلية باعتبارها تنتهك القانون الدولي وتهدد سيادة إيران، ودعا مندوبها في الأمم المتحدة إلى جهود دولية لخفض التصعيد خلال جلسة مجلس الأمن الطارئة في حزيران/يونيو 2025، لكن هذا الموقف بقي خطابياً بالأساس، ولم يترجَم إلى انخراط عسكري مباشر.
وسياسياً، حاولت الصين أن تقدم نفسها كوسيط في الحرب، حيث أفادت ثلاثة مصادر باكستانية لوكالة “رويترز” بأن بكين ضغطت على باكستان للتوسط بين واشنطن وطهران لاستئناف محادثات السلام. وأكدت وزارة الخارجية الصينية آنذاك أن الصين ستواصل “لعب دور فاعل في استعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج العربي في أسرع وقت ممكن”.
رأى محللون أن بكين تتحاول أن توازن بين الدفاع عن حليفتها وبين استقرارها الاقتصادي وعلاقتها بدول الخليج، ولهذا حاولت الانخراط كوسيط لتمنح نفسها حصانة ولتقدم نفسها كوسيط محايد في الصراع، لكن المساعدة التي قدمتها لإيران وضعتها في مأزق بشكل يمكنها من أن تكون وسيطاً محايداً.
ولأن بكين تقيس الأمور وفقاً لمصالحها الاقتصادية، فإن العلاقة مع إيران أقل أهمية بالنسبة للصين، ولهذا حاولت أن تقدم “الدعم الخفي” لإيران، وبالتالي، فإن الصورة الأدق لمساعدة الصين لإيران هي “دعم محسوب” أقرب إلى الحياد الحذر منه إلى تحالف عسكري مفتوح.
استمرار الحرب بسبب الدعم
الدعم الذي قدمته الصين لإيران، جاء في معظمه بعد حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025، وليس أثناءها، وهو ما يمكن تفسيره بأنه دعم للتعافي أكثر منه عاملاً حاسماً في مجريات المعارك وقت وقوعها، ولكن في الوقت نفسه، منح هذا الدعم إيران قدرة أكبر على الصمود في الجولات اللاحقة من المواجهة، حتى لو لم يغيّر نتيجة الجولة الأولى.
فلولا هذا الدعم الصيني لكانت إيران فقدت جزءاً من قدرتها على مواصلة الحرب في شباط/فبراير الماضي، فمساعدة الصين، وروسيا، هو من ساعد إيران في إطالة أمد الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير الماضي.
كما أن الدعم الاقتصادي الصيني (شراء النفط الإيراني رغم العقوبات، الشبكات التي تلتف على العقوبات) يُعتبر الأبرز فعلياً حيث يُعدّ الدعم الاقتصادي أبرز ما تقدمه الصين لإيران، وهذا النوع من الدعم غير المباشر قد يكون أكثر تأثيراً على قدرة إيران على تحمل تكاليف الحرب والعقوبات طويلة الأمد، وليس على نتيجة المعارك العسكرية المباشرة.
محاربة واشنطن على حساب الخليج
لعبت العلاقات الصينية الخليجية دوراً مهماً، وربما كانت أحد أكبر العوامل التي “كبحت” حجم الدعم الصيني لإيران أو جعلته أكثر سرية. وأقامت الصين علاقات تجارية واستثمارية وثيقة مع الدول الست في “مجلس التعاون الخليجي”، (البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة)، منذ قمة الخليج والصين في عام 2022. ومن المقرر عقد قمة أخرى هذا العام في الرياض ولكن لم يتم تأكيدها بعد، وفق “رويترز”.
فالصين ضخّت مليارات الدولارات في “دول مجلس التعاون الخليج”، وكانت السعودية ثالث أكبر متلقٍ لعقود البناء الصينية ضمن “الحزام والطريق” في 2025 بقيمة نحو 20 مليار دولار، بينما أصبحت الإمارات من أكبر وجهات الاستثمار الصيني المباشر (خصوصاً في منطقة خليفة الصناعية بأبوظبي)، واتخذت شركة “كوسكو” الصينية ميناء خليفة مركزاً رئيسياً لها في المنطقة، هذا الحجم من الارتباط الاقتصادي يجعل الخليج -وليس إيران- الشريك الأثقل وزناً بالنسبة لبكين.
وفق مصادر خليجية لـ”رويترز”، فإن الدول الخليجة تأمل في نهاية المطاف أن تدفع بكين طهران نحو تسوية تفاوضية، إلا أن الصين غالباً ما تتحرك ببطء وحذر. وتدرك أيضاً أن حرباً طويلة الأمد قد تخدم مصالح بكين من خلال زيادة الضغط على الولايات المتحدة. أي بمعنى آخر محاربة واشنطن عن طريق دعم طهران.

العلاقة الاقتصادية العميقة بين الصين والخليج كانت على الأرجح سقفاً حقيقياً حدّ من اندفاع بكين نحو دعم إيران عسكرياً بشكل مفتوح، لكنها في الوقت نفسه لم تمنع الدعم الصيني لإيران في نهاية المطاف.
وبالتالي يمكن النظر إلى الدعم الصيني باعتباره عاملاً رئيسياً يعزز من قدرة إيران على مواصلة الصراع، فالحصول على وسائل دفاع جوي جديدة، وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والمعدات العسكرية، إلى جانب استمرار القنوات الاقتصادية، كلها تقلل من أثر الضربات والعقوبات على المدى الطويل، وتمنح طهران وقتاً أكبر لإعادة تنظيم قدراتها.
وينعكس هذا الدعم الصيني على قدرة إيران على إطالة أمد الحرب، بصورة مباشرة، على دول الخليج. فكلما تمكنت إيران من الحفاظ على قدراتها العسكرية والاقتصادية، بقيت احتمالات استمرار استهداف المصالح والمنشآت وطرق الملاحة في الخليج قائمة. ووفق تقرير لـ”رويترز”، فإن الحرب أضرت بدول الخليج، وقيّدت صادرات الطاقة، ووضعتها بدرجات متفاوتة في دائرة الاستهداف، فيما لجأت دول خليجية إلى الصين للضغط على طهران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز والحد من تهديدات الملاحة في البحر الأحمر.
وعليه، فإن الدعم الصيني لإيران، خصوصاً الاقتصادي والتقني والعسكري، رفع قدرة طهران على مواصلة الحرب حتى اليوم، وهو ما أطال ولا يزال يطيل فترة تعرض دول الخليج للتداعيات الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن التداعيات البشرية في المنطقة ككل.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

