سوريا خارج “قائمة الإرهاب”.. هل تصبح دمشق شريكاً أمنياً للمنطقة والغرب؟

بعد 47 عاماً على إدراجها في قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، خرجت سوريا رسمياً من التصنيف الأميركي، في خطوة أنهت أحد أبرز القيود القانونية التي كانت تحكم علاقة دمشق بواشنطن. وشمل القرار أيضاً إزالة تصنيف “جبهة النصرة” أو “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية أجنبية، في إطار التحول الذي تشهده السياسة الأميركية تجاه سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد.

بالنظر إلى تراتبية الأحداث المتعلقة بإزالة العقوبات الأميركية على سوريا، بدءاً من “قانون قيصر”، ورفع العقوبات المتعلقة بالإرهاب عن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في خطوة سابقة، وانتهاءً بإلغاء تصنيف سوريا على “القائمة السوداء”، يبدو من الواضح أن واشنطن عملت، منذ تغير السلطة الحاكمة في سوريا، على تفكيك منظومة العقوبات رويداً، مدفوعة بجملة من الخطوات والالتزامات التي وعدت الحكومة السورية الجديدة بالالتزام بها للتخلص من عبء المنظومة الأسدية.

ورغم أن إزالة القيود المرتبطة بتصنيف الدولة الراعية للإرهاب ترفع حواجز أمام المساعدات الأميركية وبعض الصادرات الدفاعية والمعاملات المالية والاستثمار، فإن التغيير يفتح أيضاً نقاشاً حول موقع سوريا الجديد في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، بعدما انتقلت من دولة كانت واشنطن تصنفها راعية للإرهاب إلى دولة تتعاون معها في ملفات تتصل بمكافحة التنظيمات المتطرفة.

وتأتي الخطوة في وقت تتجه فيه دمشق إلى توسيع علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية، فيما تشهد المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات الأمنية، من بينها اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 آب/أغسطس.

رفع التصنيف.. عائق أزيل ولكن!

كان إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979 يفرض قيوداً واسعة على العلاقات الأميركية معها، شملت المساعدات الخارجية وصادرات الدفاع وبعض المعاملات المالية وغيرها من المجالات.

وبإزالة التصنيف، تراجعت إحدى العقبات القانونية الرئيسية أمام تطوير العلاقة المباشرة بين دمشق وواشنطن، فيما اعتبرت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن القرار جاء نتيجة خطوات وتعهدات اتخذتها الحكومة السورية الجديدة للابتعاد عن دعم الإرهاب الدولي.

لكن القرار لا يلغي جميع العقوبات والقيود الأميركية المفروضة على سوريا دفعة واحدة، كما أن إزالة التصنيف لا تعني أن الشركات والمؤسسات المالية ستتعامل مع السوق السورية من دون احتساب مخاطر أخرى، بينها البيئة الأمنية والتشريعية ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وهنا يرى الباحث السوري وائل علوان، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، أن رفع التصنيف يمثل خطوة مهمة في إعادة إدماج سوريا بالمجتمع الدولي، لكنه لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات أو بناء علاقات جديدة.

ويقول علوان إن القرار يمكن أن يشجع التعافي الاقتصادي ويدعم الانتقال السياسي، خصوصاً في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والتواصل مع الشركات الغربية، ولا سيما الأميركية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الشركات لا تنظر فقط إلى العقوبات والتصنيفات، وإنما تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة تشريعياً وأمنياً.

ويضيف أن سوريا لا تزال بحاجة إلى إصلاح القطاع المصرفي والتشريعات، إلى جانب معالجة الملفات الأمنية، معتبراً أن رفع التصنيف يمثل خطوة أساسية، لكنه “غير كافٍ” بمفرده لخلق بيئة استثمارية مستقرة.

من العزلة إلى شراكة أمنية مع الغرب؟

يكمن البعد الأكثر حيوية في القرار في الملف الأمني، فسوريا بدأت بالفعل، قبل إزالة التصنيف، الانتقال نحو تعاون أمني مختلف مع الولايات المتحدة والدول الغربية في ملف مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي. وتشير تقارير أميركية إلى أن واشنطن تعمل مع الحكومة السورية الجديدة عبر “التحالف الدولي” لتعزيز قدراتها في مكافحة الإرهاب ومنع تحول البلاد إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية.

عرض عسكري للجيش السوري وسط دمشق – رويترز

وبالتالي، فإن التعاون السوري الغربي في مكافحة الإرهاب لن يبدأ من الصفر، وإنما سيسمح بتوسيع هذا التعاون وتحويله إلى شراكة أمنية أكثر انتظاماً.

ويشير مراقبون ومهتمون بالشأن السوري إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تحتاجان إلى شريك قادر على التعامل مع ملفات متعددة، من أبرزها خلايا “داعش”، وأمن الحدود، وشبكات تهريب السلاح والمخدرات، والمقاتلون الأجانب، وتبادل المعلومات الأمنية.

وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى هذا التعاون لتثبيت موقعها كطرف أمني قادر على ضبط الأراضي السورية، خصوصاً بعد سنوات من انتشار القوى والجماعات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ.

دمشق أمام خارطة تحالفات إقليمية متغيرة

على المستوى الإقليمي، لا يعني خروج سوريا من التصنيف الأميركي أنها ستنضم تلقائياً إلى تحالفات جديدة، لكنه يمنحها مساحة أو شرعية إن صح القول لبناء علاقات أمنية وسياسية متعددة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتشكل فيه ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، أبرزها اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، رغم أن الاتفاق لا يتضمن حتى الآن التزامات عسكرية تفصيلية كتلك الموجودة في حلف الناتو.

وبالفعل، ألمح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في زيارة إلى باكستان، إلى أن بلاده تدرس إمكانية الانضمام إلى اتفاقية الدفاع، مشيراً إلى أنها لم تتخذ قرارها النهائي بعد.

وفي السياق، يعتقد علوان أن رفع التصنيف الأميركي لم يكن يشكل العامل الحاسم في تحديد خيارات دمشق تجاه التحالفات الإقليمية، موضحاً أن التصنيف كان عائقاً بصورة أساسية أمام العلاقة السورية الأميركية، ولم يكن يمنع سوريا قانونياً من إقامة علاقات مع معظم الدول الأخرى.

ويشير إلى أن دمشق تراقب تطورات الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة، بما فيها الاتفاق السعودي التركي الباكستاني، خصوصاً في ظل النقاش حول إمكانية توسيعه ليشمل أطرافاً أخرى، ومنها إيران.

هل يغير القرار حسابات “داعش”؟

في مقابل هذا التحول، يبرز السؤال حول موقف التنظيمات الجهادية والإرهابية، وفي مقدمتها “داعش”. ويرى علوان أن رفع التصنيف الأميركي لن يؤدي بحد ذاته إلى تغيير جوهري في موقف هذه الجماعات من الحكومة السورية، لأن العداء بينها وبين السلطة الجديدة بدأ قبل القرار.

ويشير إلى أن مواقف الحكومة السورية من الجماعات الجهادية والإرهابية، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، إلى جانب انفتاحها على الولايات المتحدة، شكلت بالفعل عوامل دفعت التنظيمات المتطرفة إلى التعامل مع دمشق باعتبارها خصماً.

لكن القرار، من وجهة نظر محللين مهتمين بالشأن السوري، قد يمنح التنظيم مادة إضافية في دعايته ضد الحكومة السورية، خصوصاً إذا تحولت الشراكة بين دمشق وواشنطن إلى تعاون أمني أكثر وضوحاً وتقدماً.

ويشير المحللون إلى أن “داعش” قد يسعى إلى تصوير الحكومة السورية باعتبارها جزءاً من منظومة إقليمية ودولية معادية له، واستخدام ذلك لتبرير استهداف المؤسسات الأمنية والعسكرية أو محاولة تجنيد عناصر جديدة.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التنظيم قادر على تحويل هذا الخطاب إلى تصعيد واسع. فالمسألة تعتمد على قدرته العملياتية داخل سوريا، وعلى حجم شبكاته المحلية، وقدرته على استغلال الثغرات الأمنية والسياسية.

وتظهر تقارير أميركية أن واشنطن ما تزال تنظر إلى خطر عودة “داعش” بوصفه تحدياً قائماً، فيما تعمل عبر التحالف الدولي على دعم قدرات الحكومة السورية في مكافحة التنظيم ومنع تحول سوريا إلى ملاذ له.

وبالتالي، فإن التحدي أمام دمشق يتمثل في منع التنظيم من استغلال مرحلة إعادة بناء الدولة لتوسيع شبكاته أو استثمار التوترات السياسية والمجتمعية.

من مكافحة الإرهاب إلى إعادة تعريف موقع سوريا

المفارقة الأساسية في التحول الحالي أن سوريا، التي كانت الولايات المتحدة تصنفها منذ 1979 دولة راعية للإرهاب، أصبحت اليوم مطالبة بإثبات قدرتها على لعب دور في مكافحة التنظيمات التي تصنفها واشنطن إرهابية. وهذا التحول لا يكتمل بقرار رفع التصنيف وحده. فالدول الغربية والعربية التي قد توسع تعاونها مع دمشق ستنظر إلى قدرتها على ضبط الحدود، ومواجهة “داعش” والجماعات الجهادية، ومنع عودة شبكات التهريب، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قدرتها على العمل ضمن أطر قانونية ومؤسساتية واضحة.

عرض عسكري للجيش السوري في دمشق بذكرى سقوط الأسد – رويترز

وفي المقابل، فإن نجاح دمشق في هذه الملفات قد يمنحها قيمة أمنية تتجاوز حدودها، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها ملفات الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية والصراعات الإقليمية. ويعني ذلك أن التحول الحقيقي قد لا يكون في إزالة اسم سوريا من قائمة أميركية بقدر ما هو في انتقالها من موقع الدولة المعزولة إلى شريك محتمل في ترتيبات أمنية في المنطقة.

في المحصلة، يزيل رفع التصنيف الأميركي واحداً من أهم العوائق القانونية والسياسية أمام توسيع علاقة سوريا بالولايات المتحدة، ويمكن أن يساعد على تطوير التعاون مع الدول الأوروبية والعربية، بما في ذلك في المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب.

وعليه، فإن خروج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل نقطة انطلاق؛ إلا أن المسألة المقبلة ستكون كيفية استخدام الانفتاح الدولي لبناء موقع أمني وسياسي جديد داخل منطقة تعيد رسم تحالفاتها، من دون أن تتحول سوريا مرة أخرى إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم