“لوموند”: السياسات الاقتصادية لحكومة الشرع تعمّق الفقر في سوريا

بعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، تجد الحكومة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع نفسها أمام أحد أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة الانتقالية، وهو إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات والانهيار المالي.

وفي محاولة لإنعاشه، تبنت دمشق حزمة إصلاحات تقوم على تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام اقتصاد السوق، غير أن هذه السياسات بدأت تفرض أعباء معيشية متزايدة على السوريين، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق التعافي الاقتصادي.

وفي تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، اعتبر خبراء أن رفع الدعم وتحرير الأسعار يجريان بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد والمجتمع على استيعابهما، محذرين من أن غياب خطة اقتصادية متكاملة قد يدفع مزيداً من السوريين نحو الفقر.

إصلاحات اقتصادية أم ضغوط معيشية؟

ترى الحكومة السورية أن منظومة الدعم التي ورثتها عن النظام السابق أصبحت عبئاً مالياً يصعب الاستمرار في تمويله، في ظل محدودية الإيرادات العامة وارتفاع كلفة إعادة الإعمار.

امرأة تمشي في حي شعبي بريف حمص – انترنت

ومن هذا المنطلق، بدأت بتقليص الدعم عن المحروقات والكهرباء وعدد من السلع الأساسية، ضمن سياسة تستهدف تحرير الأسعار وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص على قيادة مرحلة التعافي.

لكن هذه الإجراءات انعكست سريعاً على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الوقود والنقل والمواد الغذائية، في حين بقيت الأجور عند مستويات متدنية، الأمر الذي زاد الضغوط على الأسر السورية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

اقتصاد السوق يحتاج إلى مؤسسات

وبحسب “لوموند”، فإن المشكلة لا تكمن في تبني اقتصاد السوق بحد ذاته، إنما في غياب المؤسسات القادرة على إدارة هذا التحول.

ويشير التقرير إلى أن الانتقال إلى اقتصاد حر يتطلب وجود نظام مصرفي فاعل، وقضاء مستقل، وهيئات رقابية تنظم المنافسة، إلى جانب شبكات حماية اجتماعية تخفف آثار الإصلاحات على الفئات الأكثر هشاشة، وهي مقومات لا تزال سوريا تفتقر إلى جزء كبير منها.

وينقل التقرير عن أحد الخبراء قوله إن ما يجري في البلاد “ليس استراتيجية اقتصادية واضحة، بل حالة من الفوضى”، في إشارة إلى غياب رؤية متكاملة لإدارة مرحلة التحول.

الاستثمارات تنتظر والفقر يتسع

تعول الحكومة على القطاع الخاص ورجال الأعمال السوريين في الداخل والخارج للمساهمة في إعادة تنشيط الاقتصاد، إلا أن تدفق الاستثمارات لا يزال محدوداً.

أشخاص يقفون في طوابير أمام إحدى محطات الوقود في سوريا بسبب نقص مادة المحروقات – انترنت

ويرى مراقبون أن المستثمرين ينتظرون استقرار البيئة القانونية والمالية، ووضوح السياسات الاقتصادية، إلى جانب تخفيف العقوبات الغربية، قبل ضخ استثمارات كبيرة في السوق السورية.

وفي المقابل، تتزايد الضغوط المعيشية على السوريين، إذ تعتمد أعداد متزايدة من الأسر على تحويلات أقاربها في الخارج أو المساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما لم تعد الرواتب تكفي سوى جزء يسير من تكاليف المعيشة.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار رفع الدعم من دون برامج حماية اجتماعية فعالة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر، وتسارع تآكل الطبقة الوسطى، بما يهدد الاستقرار في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى بيئة أكثر تماسكاً لدعم عملية التعافي.

وتخلص “لوموند” إلى أن نجاح الحكومة السورية يقاس بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين الإصلاحات المالية وحماية الفئات الأكثر تضرراً، بحيث لا تتحول سياسات التعافي إلى عامل إضافي يفاقم الأزمات المعيشية التي يواجهها السوريون منذ سنوات.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم