لم تكن شهادة الباحثة اليمنية – الأميركية ندوى الدوسري، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، في الأول من أيلول/ سبتمبر الجاري، مجرد إحاطة روتينية حول خطر جماعة “الحوثي” الموالية لطهران.
وما منح الإحاطة ثقلها في الشارع السياسي اليمني، هو زاوية الطرح، حيث وضعت المشكلة أمام صانع القرار في واشنطن بلا رتوش، جماعة بدأت كـ”تمرد محلي”، ثم استقوت بالتحولات لتسيطر على الأرض والسكان والمؤسسات والموانئ، متحولة إلى سلطة أمر واقع، تمتلك ترسانة صاروخية وشبكات تهريب، وعلاقات تتجاوز حدود اليمن.
والسؤال الذي يفرض نفسه عقب الشهادة لم يكن فقط، ماذا قالت ندوى عن “الحوثيين”؟ بل: لماذا بدا كلامها، بالنسبة لليمنيين، شرحاً لما يعرفونه ويعايشونه منذ نحو عقدين؟
وتكمن الإجابة في الفجوة الممتدة بين التجربة اليمنية اليومية مع جماعة “الحوثي”، وبين التبسيط الدولي للصراع، ففي الوقت الذي استغرقت فيه المحافل الدولية في ملفات وقف إطلاق النار، وتوزيع المساعدات ونتائج الحرب، ظلت طبيعة القوة التي تراكمها الجماعة وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها، حقيقة مهملة في الخطاب السياسي الغربي.
من تمرد محلي إلى خطر إقليمي
اختارت الدوسري البدء من جذر التاريخ، لا من نتائج هجمات البحر الأحمر، حيث رصدت أمام المشرعين الأميركيين تحولات العقود الثلاثة الماضية: من جبال صعدة، مروراً بتمردات جماعة “الحوثي” المتعاقبة واستغلالها للمرحلة الانتقالية بعد عام 2011، وصولاً إلى اجتياح صنعاء عام 2014، والتحول اللاحق إلى فاعل عسكري إقليمي.
وهذه النقطة هي المفتاح، فالهجمات على الملاحة البحرية أو القوات الأميريكية ليست بداية الأزمة، وإنما “نتيجة طبيعية لمسار طويل من التغاضي”، لقد أخطأت واشنطن والمجتمع الدولي مراراً في تقييم أيديولوجية جماعة “الحوثي” وطموحاتها وسقف صلاتها بإيران.
وبينما كانت طهران تستثمر بجهد ممنهج في بناء قدرات جماعة “الحوثي”، استمر الخطاب الدولي في التعاطي مع “الحوثيين” كفصيل محلي، يمكن احتواؤه بتقديم التنازلات.
واليوم، تحوز جماعة “الحوثي” على ترسانة تضم الصواريخ الباليستية والمجنحة، والمسيّرات، والألغام البحرية، مع قدرات داخلية على التجميع والتصنيع.
والأهم من حجم الترسانة، هو القاعدة الجغرافية والبشرية والاقتصادية التي تٌتيح لـ”الحوثيين” تعويض الخسائر، وتجديد قدراتهم بعد كل ضربة. وهنا يتغير السؤال من: “كيف نمرر الضربات العسكرية للجماعة؟” إلى: “كيف ننهي البيئة التي تتيح لهم إعادة بناء أنفسهم؟”.
فخ “الهدنة” وتأسيس الأزمات
يلامس التقييم الأكثر حساسبة في الشهادة السياسة الدولية تجاه الحرب اليمنية، فالدوسري لا تنكر أهمية حماية المدنيين، لكنها تشير إلى حقيقة مؤلمة: ركّز الضغط الأميركي والدولي على الحكومة اليمنية وحلفائها، بينما احتفظت واشنطن بنفوذ معدوم تقريباً على “الحوثيين”.

ويقدم اتفاق ستوكهولم في 2018، نموذجاً صارخاً لهذا الخلل، فمع اقتراب القوات الحكومية من حسم معركة الحديدة، جرى استخدام النفوذ الدولي لوقف الهجوم لأسباب إنسانية مشروعة، لكن النتيجة كانت احتفاظ “الحوثيين” بالحديدة وموانئها دون تنفيذ بنود إعادة الانتشار.
وتكرر الأمر في هدنة 2022، حيث أٌخذ هدوء الجبهات كمؤشر على التهدئة، بينما استغلت جماعة “الحوثي” غياب الحرب المفتوحة لتكثيف التجنيد، وتحديث الترسانة العسكرية، وإعادة ترتيب صفوفها.
وتؤكد الشهادة قناعة يمنية عريضة، بأن الهدنة التي لا تغير موازين القوة على الأرض لا تمنع الحرب، بل تمنح الطرف الصلب فرصة لجعله أكثر قدرة على خوض الجولة القادمة.
البحر الأحمر: الممر يبدأ من البر
أعادت هجمات البحر الأحمر، لفت أنظار العالم إلى اليمن، لكن المفارقة أن واشنطن والعواصم الغربية لم تكتشف خطورة جماعة “الحوثي” حين أٌخضع الداخل اليمني، ولكن عندما هددت خطوط التجارة الدولية.

وظهر مراسل CNN نيك روبرتسون من جزيرة ميون في باب المندب، مستعرضاً ضيق الممر وقرب الساحل اليمني من القرن الإفريقي، ومحذراً من تداعيات سيطرة “الحوثيين” على مزيد من المناطق الساحلية.
وهنا تلتقي الصورة الميدانية التي نقلها الإعلام الأميركي مع جوهر ما طرحته الدوسري في واشنطن: أن التهديد البحري لا ينفصل عن السيطرة على الأرض التي تطل على الممر، حيث يعد باب المندب امتداد لمن يسيطر على الأرض، ويملك شبكات التهريب، ويختزن السلاح.
ومن هنا أيضاً، لا يمكن للضربات الجوية المنفصلة، أو العقوبات الفردية أن تحسم تهديداً يتغذى على السيطرة الجغرافية والسياسية الكاملة.
شبكات عابرة للحدود
تجاوزت الشهادة الشأن المحلي لتقدم “الحوثيين” كجزء من شبكة إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها طهران مع شبكات التهريب، والمنظمات المسلحة، والجريمة المنظمة، وصولاً إلى تقاطعات المصالح مع روسيا والصين.
وتتحدث الإفادة عن شبكات إمداد “حوثية” تمتد عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وتجنيد للمهاجرين الأفارقة، إضافة إلى تعاون متنامٍ مع حركة “الشباب” الصومالية وتنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”، عبر تبادل الخبرات والتنسيق اللوجستي.
وحتى بالنسبة للعمليات العسكرية الأميركية، مثل حملة “الفارس الخشن” عام 2025، ترى الدوسري أنها رغم تقليصها لبعض القدرات الصاروخية، لم تنهِ قدرة “الحوثيين” على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، إذ تبقى الضربات منخفضة التكلفة، مقارنة بكلفة الاعتراض والدفاع الأميركية الباهظة.
أزمة الشفافية وموقف الأمم المتحدة
في إطار هذا التعقيد، تبرز مسألة التعاطي الدولي والإنساني، فالأمم المتحدة تٌعرّف دورها كـ”فاعل إنساني يحاول الوصول إلى الملايين”، ومن ذلك استئناف رحلات الطيران الأممي “UNHAS” إلى صنعاء في شباط/ فبراير 2026 بعد موافقة سلطات “الحوثيين”.
ووفق الباحث اليمني عبد القادر الخراز، وصلت اليوم الأربعاء، ثلاث طائرات إلى مطار صنعاء، رغم أن الأمم المتحدة أعلنت عن رحلة واحدة فقط، مع غياب إشارات التتبع لبعض الطائرات.
ومع وجود فارق قابل للإثبات بين السجلات المعلنة والرصد الميداني، يضع المنظمة الأممية أمام مسؤولية الشفافية: ما طبيعة كل رحلة؟ ومن يستقلها؟ وماذا تنقل؟ خاصة في ظل قيود مشددة يفرضها “الحوثيون” على العمل الإنساني، واحتجازهم للموظفين الأمميين.
أي رواية يحتاجها اليمنيون؟
عكس التفاعل المحلي الواسع مع شهادة ندوى الدوسري، ارتياحاً يمنياً لرؤية طال انتظارها تحت قبة المشرعين الأميركيين، رواية لا تبدأ من آخر صاروخ أٌطلق في البحر، بل من أصل الأزمة الحقيقية.

ويرى المحلل السياسي إبراهيم جلال، في شهادة الدوسري تفكيكاً للتهديد من منظور استعادة الدولة، بينما اعتبر وزير الشؤون الاجتماعية والعمل مختار اليافعي، أن قيمتها تكمن في ربط الملف الإنساني بالظروف السياسية والأمنية المخلقة له. ومن جانبه، أشار البرلماني علي حسين عشال إلى أن قوة الطرح جاءت من الاتزان والمعرفة بعيداً عن الانفعال.
وفي المقابل، قدمت أصوات أخرى قراءة أكثر نقداً، إذ ذكّر الصحفي علي سالم المعبقي بأن فكرة “دعم الدولة” كانت حاضرة في الأدبيات الأميركية منذ ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، دون نتائج حاسمة، بينما رأى الكاتب عبد السلام القيسي أن استمرار الخطاب اليمني في التهوين من قدرات “الحوثيين” العسكرية، أضعف قدرة القوى الوطنية، على حشد موقف دولي جاد.
ويكشف هذا النقاش عن حقيقة أساسية، وهي أن معركة اليمنيين مع “الحوثيين” ليست عسكرية وحسب، وإنما هي معركة مع قوة مسلحة عقائدية، بنت شبكات سلطة وقوة تجعل معالجة آثارها دون تفكيك مصادر قوتها، مجرد تأجيل للانفجار القادم.
وقد أجابت الدوسري عن هذا السؤال بوضوح في واشنطن، لكن التحدي الحقيقي يبقى أمام اليمنيين أنفسهم: هل يمتلكون الخطاب المتماسك والموحد الذي يشرح للعالم واقعهم، أم يتركون الآخرين يكتبون تاريخ حربهم وتعريف خصومهم نيابة عنهم؟
- لجنة المناهج الكردية لـ”الحل نت”: معهد لإعداد معلمي اللغة الكردية قريباً في الحسكة وعفرين
- العراق يفعّل اتفاق طريق التنمية مع تركيا.. ما الخطة؟
- معركة الرواية في واشنطن.. هل يعرف العالم “الحوثيين” كما يراهم اليمنيون؟
- معاون وزير التربية لـ “الحل نت”: الاعتراف بالشهادات الجامعية لشمال شرق سوريا بات “محسوماً”
- عمال النفط في الحسكة يحتجون.. وعود بالتثبيت تنتهي بالفصل

