مع اقتراب المهلة التي حددتها الحكومة العراقية للفصائل المسلحة لتسليم سلاحها، والمقررة في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل، تبرز مؤشرات على تحول في طريقة عمل مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران، من التشكيلات الكبيرة والمعروفة إلى خلايا صغيرة تعمل بصورة سرية وخارج الهياكل التنظيمية التقليدية.
وكشف تقرير لموقع “الحرة“، نقلاً عن مصادر أمنية واستخباراتية عراقية، عن وجود شبكة من الخلايا الصغيرة التي تشكلت خلال الأشهر الماضية، وتضم عناصر جرى اختيارهم من فصائل رئيسية، فيما تلقى بعضهم تدريبات في إيران.
وبحسب المصادر، تتكون كل مجموعة من 5 إلى 10 عناصر، وتعمل بمعزل عن المجموعات الأخرى، فيما يمثل “الحرس الثوري الإيراني” حلقة الاتصال بينها، عبر “حجي حامد”، رئيس مستشاري الحرس في العراق، وفق ما أوردته “الحرة”.
التخلي على الزي لا السلاح
تقول المصادر التي تحدثت إلى “الحرة” إن التحول جاء في ظل الضغوط الحكومية والأميركية على الفصائل المسلحة لمناقشة تسليم سلاحها والتحول إلى العمل السياسي، وهو ما قد يحد من قدرة الجهات المرتبطة بطهران على الاعتماد على تشكيلات كبيرة يسهل رصدها وملاحقتها.

وبدلاً من ذلك، جرى توزيع عناصر مختارة على مجموعات صغيرة، تعمل بصورة مستقلة عن بعضها، ومن دون زي عسكري أو شارات تنظيمية، وتتحرك باستخدام سيارات مدنية.
وتتركز أنشطة هذه الخلايا، وفق المصادر، على عمليات محدودة، خصوصاً تشغيل الطائرات المسيرة، مع تغيير مواقع الإطلاق ونقل المعدات بين مناطق مختلفة، بما يصعب على الأجهزة الأمنية تحديد هويتها أو تعقب نشاطها مسبقاً.
ولا يمثل استخدام الهياكل غير المعلنة ظاهرة جديدة تماماً في المشهد المسلح العراقي. فمنذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ظهرت أسماء وواجهات مثل “أصحاب الكهف” و”أولياء الدم” لتبني هجمات من دون إعلان مسؤولية الفصائل الرئيسية عنها بصورة مباشرة.
“حجي حامد”.. حلقة الاتصال
وفق المصادر العراقية، ترتبط الخلايا بصورة مباشرة بـ “الحرس الثوري الإيراني” عبر “حجي حامد”، الذي وصل إلى العراق بعد اجتياح تنظيم “داعش” مناطق واسعة من البلاد عام 2014، ضمن مجموعة من المستشارين الإيرانيين الذين قدموا لمساعدة الحشد الشعبي في مواجهة التنظيم.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح حامد، بحسب المصادر، أحد أبرز ضباط الارتباط بين “الحرس الثوري” والميليشيات المسلحة في العراق.
وتكمن أهمية هذا الارتباط، وفق ما نقلته “الحرة”، في أن الخلايا لا تحتاج بالضرورة إلى المرور بقيادات الفصائل المعروفة لتنفيذ عملياتها، بما يجعل العلاقة بينها وبين البنية المسلحة التقليدية أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
وبحسب مطلعين على الملف الأمني، فإن هذا النمط يمثل تحولاً عن الصيغة السابقة التي كانت تعتمد على تشكيلات كبيرة وقيادات معروفة، إلى مجموعات أصغر وأكثر عزلة.
ضربة ديالى تكشف جزءاً من الصورة
برزت إحدى الإشارات التي استند إليها التقرير في ضربة استهدفت، في 27 تموز/ يوليو، معسكر “أبو منتظر الحميداوي” في محافظة ديالى، المحاذية لإيران.

وبحسب المصادر التي تحدثت إليها “الحرة”، أسفرت الضربة عن مقتل مستشارين إيرانيين، فيما اعتبر مطلعون أن وجود مستشارين إيرانيين في الموقع يمثل مؤشراً إضافياً على طبيعة الصلة بين هذه المجموعات و”الحرس الثوري”.
وتقول المصادر إن تصميم الشبكة يقوم على عدم معرفة الخلايا ببعضها بعضاً، بحيث تبقى الجهة الإيرانية حلقة الاتصال الوحيدة بينها.
وفي حال صحت هذه المعطيات، فإن هذا النمط يوفر درجة أعلى من العزل التنظيمي؛ إذ إن كشف إحدى الخلايا أو توقيف عناصر منها لا يعني بالضرورة الوصول إلى بقية الشبكة.
عقبة جديدة أمام حصر السلاح
المشكلة التي تواجه بغداد هنا لا تتعلق فقط بكمية السلاح الموجودة لدى الفصائل، وإنما بالجهة التي تملك قرار استخدامه وبالبنية التي يمكن أن تحتفظ به بعد انتهاء المهلة الحكومية.
فإذا مضت الفصائل الكبيرة في تسليم جزء من أسلحتها أو تفكيك هياكلها المسلحة، فإن السؤال سيكون حول مصير العناصر والمعدات التي لا تنتقل إلى مؤسسات الدولة أو إلى العمل السياسي، وإنما إلى مجموعات أصغر وأكثر سرية.
وبحسب مصادر استخباراتية عراقية تحدثت إليها “الحرة”، فإن بعض عناصر هذه الخلايا يتحركون بدافع عقائدي مرتبط بالمنظومة الإيرانية، أكثر من ارتباطهم بالحوافز المالية، ما قد يجعل احتواءهم عبر التسويات السياسية أو الاقتصادية أكثر صعوبة.
وهنا تتحول القضية من حصر السلاح إلى حصر القدرة على استخدام السلاح؛ فوجود السلاح خارج إطار الدولة يمكن رصده نظرياً، لكن وجوده داخل شبكة خلايا متفرقة، لا تعترف بقيادة واحدة ولا تتحرك بهيكل معلن، يجعل مهمة تفكيكها أكثر تعقيداً.
هل تستطيع بغداد احتواء التحول؟
تملك الحكومة العراقية عدة أدوات للتعامل مع هذا النوع من البنى، تبدأ من الاستخبارات ومراقبة شبكات التمويل والحركة، وصولاً إلى ملاحقة الأفراد المتورطين وفرض السيطرة على مواقع تخزين وإطلاق الطائرات المسيرة.

لكن التحدي الأكبر، وفق التقرير، يكمن في أن نجاح سياسة حصر السلاح يقاس بقدرة الدولة على منع إعادة تشكيل القوة المسلحة خارج المؤسسات تحت أسماء وهياكل جديدة.
كما أن ارتباط بعض هذه الخلايا، بجهة خارجية مباشرة يضيف بعداً إقليمياً إلى القضية، إذ تصبح بغداد أمام شبكة لا تقتصر خطوطها التنظيمية على الداخل العراقي.
وبذلك، فإن التحول من الفصائل الكبيرة إلى الخلايا الصغيرة، إذا تأكدت معطياته، لا يعني بالضرورة أن إيران تخلت عن أدواتها المسلحة في العراق، بقدر ما قد يعني أنها تعيد تشكيلها لتصبح أقل ظهوراً وأكثر قدرة على العمل في بيئة سياسية وأمنية تتجه نحو تضييق مساحة السلاح خارج الدولة.
- “نريد فقط الضمانات”.. تأييد مجتمعي من عوائل الفصائل و”الحشد” للدمج وحصر السلاح
- إيران تهدد بتعطيل مطارات الدول المتعاونة مع واشنطن في ملف الطيران
- رغم تأكيدات باحتوائه مقابر جماعية.. دمشق تستكمل أعمال تأهيل مطار المزة
- خط جديد لطيران اليمنية.. رحلات مباشرة من عدن إلى الدمام
- أهالي دمر يطالبون بكشف ملكية أراضي مشروع “شام فيو”

