من هرمز إلى باب المندب.. انحسار النفوذ الإيراني واحتمالات انخراط سوريا في اليمن

استعادت القوات اليمنية، في تطور ميداني بالغ الدلالة، السيطرة على باب المندب ومطار ذباب، وقطعت الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، في إطار عملية “فجر اليمن” التي أعلنتها الحكومة اليمنية ضد “الحوثيين” المدعومين من طهران.

ولا تبدو أهمية هذا التطور في كونه تقدماً عسكرياً ميدانياً فحسب، وإنما في دلالته على استعادة القوات اليمنية سيطرتها على منطقة باب المندب بالتحديد، بعد أن مثّل اقتراب “الحوثيين” من باب المندب خلال السنوات الماضية إحدى الأوراق التي أتاحت لإيران توسيع مساحة نفوذها والضغط عبر أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

ومن هذه الزاوية، فإن التطورات الأخيرة التي شهدها اليمن، سواء مع تحركات “الحوثيين” للسيطرة على مفاصل من الجغرافيا السياسية والعسكرية في البلاد، أو هجماتهم ضد بعض مدن ومطارات المملكة العربية السعودية ومنشآت الطاقة الحيوية وتداعيات ذلك، لا يمكن قراءتها بشكل منفصل عن مجمل المتغيرات التي تعرفها بؤر التوتر في الشرق الأوسط، خصوصاً ما يجري في العراق ولبنان على مستوى حصر السلاح بيد الدولة، وتقليص ارتباط الفصائل المسلحة بمركز النفوذ الإقليمي في إيران، و”الحرس الثوري” تحديداً.

كما أن هذه التطورات العسكرية والميدانية والسياسية ترتبط، بفعل مباشر، بمسار الحرب مع إيران والتحرك نحو إدارة المفاوضات معها بصورة أكثر فاعلية، في ظل إعادة تشكيل موازين القوة المحيطة بالأذرع الإقليمية التي توظفها في إدارة المعركة، عبر استخدام تلك الدول وتوظيفها كساحات انطلاق لعدد من الصراعات، سواء عسكرياً أو اقتصادياً.

باب المندب: عقدة جغرافية بمعادلة النفوذ الإيراني

بدا واضحاً، على مدى السنوات الماضية، أن إيران استفادت من الجغرافيا التي تحوزها المنطقة بحكم موقعها، كما استفادت من وجود حلفاء ووكلاء لها بالقرب من عدد من الممرات الحيوية. وفي مقدمة هذه الجغرافيا البحرية يأتي مضيق هرمز، الذي تتحكم إيران في جانبه الشمالي، بينما تشارك سلطنة عُمان في إدارة جانبه الجنوبي، وكذلك باب المندب، الذي مثّل وجود “الحوثيين” على مقربة منه ورقة ضغط إقليمية مهمة بالنسبة إلى طهران.

استعادت القوات اليمنية، في تطور ميداني بالغ الدلالة، السيطرة على باب المندب ومطار ذباب. “إنترنت”

بيد أن الواقع الميداني والسياسي خلال الفترة الأخيرة بدأ يفصح عن تقليص واضح لمساحة الحركة التي كانت تتيحها هذه الجغرافيا لإيران، الأمر الذي يشكل متغيراً لافتاً في فهم طبيعة المرحلة وما تقتضيه من مؤشرات الحركة وآليات التفاوض.

ففي اليمن، أعلنت القوات الحكومية، في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إطلاق عملية “فجر اليمن”، وقال الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، في تصريحات صحفية، إن قوات “العمالقة” و”درع الوطن” تمكنت من السيطرة على باب المندب ومطار ذباب، وقطعت الطريق بين ذباب والمخا، مع محاصرة عناصر حوثية في المنطقة.

وتكتسب هذه التطورات الميدانية أهميتها، وربما دلالتها، من أن الواقع العسكري لم يعد يعبر عن عملية ميدانية في نقطة محددة أو موقع عسكري ما، بل يتحرك في نقطة نفوذ استراتيجية تقع عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في خريطة الملاحة الدولية؛ حيث باب المندب وما يمتلكه من معطيات جيو-استراتيجية خاصة، فيما يتصل بالطاقة وأسعار البترول.

ومناطق مثل ذباب ومحيط باب المندب والمخا تشكل جميعها ما يمكن أن نصفه بـ”عقدة جغرافية” تربط الساحل الغربي اليمني بالممر البحري الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

إذا ما نظرنا بتمعن إلى هذا التطور، وعملت القوات المقاتلة على تثبيت هذا التقدم والحفاظ على تقهقر “الحوثيين” في تلك النقاط الحساسة والدالة، فإن ذلك يوازي، بالحتمية، تراجع قدرة “الحوثيين” على استخدام هذه المنطقة باعتبارها منصة للضغط العسكري والبحري والسياسي، وهو ما ينعكس، بصورة كبيرة، على واحدة من أدوات النفوذ الوظيفي التي تتحرك من خلالها إيران عبر علاقتها بالجماعة “الحوثيين”.

من اليمن إلى العراق ولبنان

هنا يمكن فهم هذا التطور في الساحة اليمنية عبر منظور أوسع من زاوية الصراع بين قوات الحكومة اليمنية وجماعة مسلحة كـ”الحوثيين”، كما يمكننا فهمه من ذات السياق الذي ينبغي فهم مساحة حركة الفصائل المسلحة في العراق ولبنان من خلاله.

كما أن فهم وحدة الموقف والساحات، بالتعبير الإيراني، يكشف بوضوح أن إيران تتحرك عبر رقعة الجغرافيا من خلال تلك الفصائل، وأن القدرة على بتر تلك الزوائد تعني أيضاً أن إيران ستواجه مصيراً ثقيلاً واختباراً صعباً في مسار معركة السياسة والسلاح.

تعي إيران تماماً أن الجغرافيا ليست نقاطاً متباعدة على الخريطة، ولا مجموعة ساحات منفصلة، لذا راكمت، عبر سنوات، ومن خلال ظروف سياسية وإقليمية ودولية واعتبارات أيديولوجية ومذهبية، شبكة نفوذ متباينة الأدوار والمهام، تسمح لها بتوزيع أدوات الضغط بين أكثر من جبهة.

من لبنان إلى العراق، وبينهما اليمن، حشدت طهران رؤيتها في السياسة الخارجية على أساس أن تلك الفصائل والجغرافيا تضطلع بالحروب والصراعات عوضاً عنها، بحيث لا تكون طهران مضطرة إلى خوض المواجهات كلها بصورة مباشرة.

لكن هذه المعادلة الاستراتيجية التي حرصت طهران على تشييدها لم تعد صالحة خلال السنوات الأخيرة، فباتت الجغرافيا الإيرانية نفسها، والقيادات العسكرية والسياسية والدينية، في مرمى النيران، وأضحوا بذواتهم داخل بنك الأهداف الأميركي، الأمر الذي دفع إيران إلى بؤرة الصراع هذه المرة بهيئتها المباشرة وبكلفة عالية، ولم تكن الفصائل أيضاً بعيدة عن فاتورة التكاليف والأعباء الاستراتيجية.

وإذا مددنا هذا الخيط على بوصلة الخريطة وخطوط الطول ودوائر العرض، سنجد تحركات إقليمية وضغوطاً دولية في لبنان والعراق تدفع، بدرجات متفاوتة، باتجاه إعادة الاعتبار للدولة الوطنية في بغداد وبيروت، عبر حصر السلاح في مؤسساتها الرسمية وتقليص مساحة عمل الفصائل المسلحة خارج الإطار الرسمي.

وهنا يمكننا تلمس واحدة من أكثر المسائل خطورة ودلالة في المشروع الإيراني وطبيعة الاستقرار ومعادلات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط، خاصة إذا ما بدت طهران عارية الأذرع الوظيفية وخسرت الأثر الأيديولوجي والمذهبي.

لا تبدو حقيقة هذا الأثر في خسارة نقطة جغرافية دالة أو فقدان تنظيم لصالح آخر، ولكنه، في حقيقة الأمر وواقعه، نزيف مستمر ومستدام في صلاحية وبنية المشروع الإيراني، وسقوط لمشروع الإسلام السياسي في صورته الشيعية، وتهدم واضح لبنيان اعتمدت عليه طهران في بناء نفوذها الإقليمي.

هنا قد يبدو المشهد أكثر وضوحاً عن أن كلفة النفوذ الإيراني آخذة في الارتفاع، وأن الأدوات التي جعلت طهران قادرة على إدارة الصراع من مسافات بعيدة تتعرض لاختبار حقيقي.

هرمز وباب المندب خارج سيطرة طهران

تزداد المسألة تعقيداً عندما نضع ذلك في مواجهة التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، حيث أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مؤخراً أن إيران فقدت السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، مؤكداً أن تدفقات النفط عادت لتقترب من مستويات ما قبل الحرب، وأن المضيق مفتوح.

وفي المقابل، زعم “الحرس الثوري” الإيراني أن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً وخاضعاً لسيطرة قواته، مدعياً إغلاق بعض المسارات الداخلية وتفجير الممرات الصخرية التي يستخدمها المخالفون أو لعمليات تهريب النفط.

إذاً تتعامل إيران مع المضيق باعتباره أحد أهم أوراق القوة الإيرانية، لكون أي اضطراب كبير فيه يمكن أن ينعكس على حركة الطاقة والتجارة الدولية، وتدرك واشنطن ذلك، بما يدفعها من جهتها، إلى تكثيف الضغط البحري والعسكري عليها، والعمل على عزلها عن القدرة على التحكم في مضيق هرمز، الأمر الذي يمكن تتبع أثره في تحرك الولايات المتحدة الأميركية عسكرياً وسياسياً ضد إيران، في ضربات متتابعة ومتوالية، مباشرة في مضيق هرمز، وغير مباشرة في مناطق نفوذها الإقليمي، بما يجعل كلفة هذه الأدوات على إيران تفوق مكاسبها بكثير.

لماذا قد تنخرط سوريا في معركة اليمن؟

وفي هذا السياق، تكتسب التقارير التي كشفت عنها “رويترز” و”أكسيوس” بشأن طلب سعودي من الحكومة الانتقالية في دمشق دراسة إرسال قوات إلى اليمن لمحاربة “الحوثيين” دلالة تتجاوز مجرد البحث عن دعم عسكري إضافي في هذه المعركة التي تشتد داخل اليمن، إلى دلالة إقليمية ودولية أوسع، خاصة إذا ما انتبهنا إلى الصلة التي يمكن أن تنشأ بين هذا الطلب وبين النقاشات التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع حول دور سوريا في مواجهة “حزب الله” في لبنان. فالمسألة، في هذه الحالة، لا تبدو محصورة في الجغرافيا اليمنية، وإنما تتصل بإعادة توزيع الأدوار العسكرية والأمنية على امتداد ساحات النفوذ التي كانت إيران تعتمد عليها في إدارة صراعاتها الإقليمية.

ويكتسب هذا الوضع أهمية إضافية إذا ما وضعناه في سياق الترتيبات الإقليمية التي تتبلور حول السعودية، خصوصاً في ظل الدور التركي المتنامي، وما يمكن أن تمنحه تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان من قدرة على التأثير في طبيعة وترتيبات القوى والمقاتلين الموجودين في سوريا، وكذلك في علاقة هذه القوى بالنظام السوري الجديد.

وتلك مسألة تزداد أهميتها إذا ما وضعناها في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد سوريا مجرد ساحة نفوذ إيراني سابقة، وإنما يمكن أن تتحول إلى طرف فاعل في ترتيبات أمنية وعسكرية إقليمية جديدة.

وتقول “رويترز” إن الخيارات التي يجري بحثها تشمل تقديم دعم دفاعي للسعودية، أو نشر قوات سورية في دور هجومي لمساندة القوات اليمنية المدعومة من الرياض، فيما أفادت “أكسيوس” بأن الشرع يدرس الأمر ولم يتخذ قراراً نهائياً بعد، مع تداول تقديرات بشأن إمكانية مشاركة آلاف من القوات السورية.

كذلك تأتي هذه التطورات بالتزامن مع دعم تركي تقني ودفاعي للسعودية في مواجهتها مع “الحوثيين”، في إطار الترتيبات المرتبطة باتفاق “مكة” للدفاع المشترك الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان.

وتبدو أهمية هذه الخطوة، إن انتقلت من مستوى الاتصالات والمداولات إلى التنفيذ، في أنها تكشف أن معركة باب المندب لم تعد صراعاً يمنياً داخلياً، بل أضحت جزءًا رئيساً من صراع إقليمي ودولي يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة وتقليص مساحة الحركة أمام الأذرع الإيرانية على امتداد الشرق الأوسط، خاصة في اليمن ولبنان.

من الزيارة الرسمية للرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع للعاصمة السعودية الرياض يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، وهي الزيارة الخامسة له إلى المملكة. “واس”

كما أن دخول دمشق المحتمل على خط المواجهة، بعد سنوات من كونها إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني، يحمل دلالة إضافية؛ إذ إن الجغرافيا التي راكمت طهران نفوذها داخلها وعلى أطرافها خلال سنوات، من العراق ولبنان وسوريا إلى اليمن، قد تتحول تدريجياً إلى جغرافيا تستقطب ترتيبات مضادة لهذا النفوذ.

ولا يمكن فصل احتمالات انخراط سوريا في اليمن عن طبيعة التحديات التي تواجهها السلطة الجديدة في دمشق، سواء على المستوى الاقتصادي أو في مساعيها إلى تثبيت شرعيتها وموقعها الإقليمي. فالدولة التي خرجت من حرب طويلة، وتواجه أعباء إعادة الإعمار واستعادة مؤسساتها، تحتاج إلى موارد مالية واستثمارات خارجية، بقدر حاجتها إلى بناء علاقات سياسية وأمنية تمنحها نوع من التحرك الأوسع وكسب ثقة وشرعية دول الإقليم.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى احتمال المشاركة السورية في ترتيبات المواجهة مع “الحوثيين” على اعتباره فرصة محتملة أمام أحمد الشرع لتحويل الانخراط في معادلات الأمن الإقليمي إلى مكاسب سياسية واقتصادية، عبر تعزيز العلاقات مع دول الخليج، وإظهار قدرة دمشق على تقديم خدمات أمنية وعسكرية لشركائها، بما قد يفتح الباب أمام دعم مالي واستثمارات كبيرة. 

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها في ظل الفجوة الكبيرة بين احتياجات سوريا التمويلية ومتطلبات التعافي وإعادة الإعمار، حتى مع وجود تعهدات ومساعدات أوروبية وخليجية ضئيلة، لا تزال الحاجة إلى توسيعها بشكل أكبر بكثير وتحويلها إلى موارد فعلية أكثر إلحاحاً اليوم.

وإذا ما قارنا وضع الحكومة السورية الحالية بتجربة حافظ الأسد التاريخية في توظيف الحضور العسكري السوري خارج الحدود لتعزيز موقع دمشق في المعادلات الإقليمية، والحصول على مكاسب اقتصادية ضخمة، إذ أتاح التدخل السوري في لبنان، ثم مشاركة سوريا في التحالف الدولي خلال حرب الخليج عام 1990–1991، للنظام آنذاك توسيع هامش حركته السياسية، وتعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة ودول الخليج، في مرحلة ارتبطت فيها المشاركة العسكرية بمكاسب سياسية واقتصادية ضخمة ساعدتها على مواجهة أزمتها الاقتصادية، وهو ما يعني أنه ليس أمام الشرع سوى اتباع المسار الذي سلكه حافظ الأسد حينذاك.

من ورقة جغرافية لأخرى تفاوضية متآكلة

وهنا تتضح مفارقة التطورات الأخيرة، فكلما تقلصت قدرة حلفاء طهران على التحكم بالممرات البحرية، وكلما أصبحت هذه الممرات محكومة بترتيبات أمنية وعسكرية أوسع، تراجعت قدرة طهران على تحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوضية تحوزها في السياسة.

وبالتالي، فإن أي جولة مفاوضات مع إيران في الأفق المنظور، سواء مباشرة أو غير مباشرة وعبر وسطاء، لا يمكن قراءتها فقط من زاوية البرنامج النووي أو مواد العقوبات عموماً، أو المرتبطة بالأموال السائلة، ولكن ينبغي تدبر وقائعها بما تملكه طهران من أدوات تفاوضية داخل الشرق الأوسط، لا سيما أن كل ورقة باتت ترتبط بكلفة استراتيجية عالية القيمة. وفي أدبيات السياسة، عندما تصبح تكلفة الورقة التفاوضية أكبر من قدرتها على تحقيق العائد، تبدأ الورقة نفسها في فقدان قيمتها.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم