تقديرات دولية تحذر من استمرار أزمة الأمن الغذائي في سوريا.. ما المنطقة الأكثر تأثراً؟

الأمن الغذائي

لا تبدو أزمة الأمن الغذائي بسوريا في طريقها إلى الانحسار خلال الأشهر المقبلة، إذ ترجح التقديرات الدولية استمرار ملايين السوريين في مواجهة صعوبات حادة في الحصول على الغذاء، وسط تدهور اقتصادي مستمر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، بما يحول دون استفادة شريحة واسعة من السكان من أي تحسن في الإنتاج الزراعي.

وأظهر أحدث تقرير صادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، والذي يغطي الفترة بين حزيران/يونيو 2026 وكانون الثاني/يناير 2027، أن مناطق شمال شرقي سوريا وشمالها الغربي ستبقى ضمن المرحلة الثالثة “الأزمة” وفق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، وهي مرحلة تعني أن الأسر تواجه فجوات في استهلاك الغذاء أو تضطر إلى استنزاف أصولها ووسائل معيشتها لتلبية احتياجاتها الأساسية.

المساعدات لا تكفي لسد الفجوة

توقع التقرير أن يتراوح عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية بين خمسة وخمسة ملايين وتسعمئة وتسعة وتسعين ألف شخص خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2026 حتى كانون الثاني/يناير 2027، مع تراجع الدخول الموسمية وارتفاع النفقات الشتوية.

شمال سوريا الأكثر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي- إنترنت

ويرى التقرير أن تحسن إنتاج المحاصيل خلال الموسم الحالي لن يكون كافياً لإحداث تحول ملموس في واقع الأمن الغذائي، لأن الأزمة تتجاوز الإنتاج الزراعي إلى عوامل اقتصادية أعمق، تشمل انخفاض الدخول، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، واستمرار الضغوط على الأسواق المحلية.

ويعني ذلك أن زيادة المعروض الزراعي لن تنعكس بالضرورة على قدرة الأسر الفقيرة على شراء احتياجاتها الغذائية، في ظل استمرار تآكل القوة الشرائية للأجور.

الشمال الشرقي في قلب الأزمة

بخصوص المناطق الأكثر تضرراً، رجّح التقرير أن تكون مناطق شمال شرقي سوريا أكثر عرضة لمخاطر انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تداخل عدة عوامل في آن واحد، أبرزها آثار سنوات النزاع، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الزراعي، إضافة إلى اعتماد نسبة كبيرة من السكان على شراء الغذاء من الأسواق بدلاً من إنتاجه.

يضيف التقرير أن المنطقة تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في انخفاض احتياطيات المياه الجوفية بفعل موجات الجفاف المتكررة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يزيد الاعتماد على الري الاصطناعي، في وقت تشهد فيه أسعار الوقود والأسمدة وبقية مدخلات الإنتاج الزراعي ارتفاعات مستمرة، ما يرفع تكلفة الزراعة ويحد من قدرة المزارعين على توسيع إنتاجهم.

وعلى صعيد متصل، كشفت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أكثر من 13.4 مليون شخص في سوريا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في مؤشر يعكس عمق الأزمة التي تعصف بالقطاع الزراعي وسبل العيش في مختلف المحافظات.

وأوضحت المنظمة أن خطة عمل الطوارئ والتعافي في سوريا للفترة 2026-2028، التي تسعى للوصول إلى 9.8 ملايين شخص، تحتاج إلى تمويل يبلغ 286 مليون دولار، وهو مبلغ يعكس حجم التحديات التي تواجهها الجهود الإنسانية لسد الاحتياجات المتزايدة.

الاقتصاد والصراع يفاقمان المخاطر

لا تقتصر المخاطر على العوامل الاقتصادية والمناخية، إذ يحذر التقرير من أن أي تصعيد عسكري أو اضطرابات أمنية جديدة، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، قد تؤدي إلى تعطيل الأنشطة الزراعية، وإعاقة وصول المزارعين إلى أراضيهم، وتقليص فرص العمل، فضلاً عن إرباك حركة الأسواق وسلاسل الإمداد، بما يفاقم هشاشة الأمن الغذائي في مختلف المناطق.

ويشير التقرير كذلك إلى أن استمرار تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع معدلات التضخم يمثلان أحد أكبر التحديات أمام الأمن الغذائي، إذ يؤدي انخفاض القيمة الحقيقية للأجور والرواتب إلى تراجع قدرة الأسر على شراء الغذاء، خاصة أن شريحة واسعة من العاملين تتقاضى دخولاً لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

شمال سوريا الأكثر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي- إنترنت

كما يزيد تقليص المساعدات الإنسانية من حدة الأزمة، خصوصاً في مناطق النزوح شمال غربي البلاد، حيث يعتمد ملايين السكان على الدعم الغذائي في ظل محدودية مصادر الدخل البديلة.

وتعد شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) من أبرز الجهات الدولية المتخصصة في تحليل أوضاع الأمن الغذائي الحاد، إذ تأسست عام 1985 بدعم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وتعتمد على تحليل بيانات المناخ والإنتاج الزراعي والأسواق والصراعات لتقديم توقعات مبكرة تساعد الحكومات والمنظمات الإنسانية على الاستعداد للأزمات قبل تفاقمها.

وتشير أحدث تقديراتها إلى أن أزمة الغذاء في سوريا لم تعد مرتبطة فقط بضعف الإنتاج، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لتشابك التحديات الاقتصادية والمناخية والأمنية، وهو ما يجعل شمال شرقي البلاد وشمالها الغربي الأكثر عرضة لاستمرار الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم