بين رسائل التنف والتضييق على حزب الله.. ما دوافع التحركات الإيرانية الجديدة داخل سوريا؟

جندي سوري

في خضم التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الساحة السورية مجدداً كإحدى أكثر الجبهات حساسية في معادلة الصراع الإقليمي، بعدما أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن الحرس الثوري استهدف مركزاً للقيادة الأميركية قرب منطقة التنف في شرق سوريا وهي منطقة المثلث الحدودي الذي يلتقي فيه العراق والأردن وسوريا، في حين نفت مصادر سورية رسمية وقوع أي استهداف مباشر للقاعدة أو تسجيل خسائر.

ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الدقة، بعد أيام فقط من إعلان السلطات السورية إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة عبر الحدود العراقية، قالت إنها كانت في طريقها إلى حزب الله في لبنان، بينما نفى الحزب تلك الاتهامات.

روايتان متناقضتان

بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني، يوم الجمعة الماضي، تنفيذ هجوم استهدف “مركز قيادة للعمليات الخاصة” التابع للجيش الأميركي في قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا، جاء الرد السريع من وزارة الدفاع السورية والقيادة المركزية الأميركية لينفي بشكل قاطع وقوع أي استهداف للقاعدة.

هذا التباين الحاد في الروايات لم يكن مجرد خلاف حول حادثة ميدانية، بل مثل بحسب قراءة الخبراء، مؤشراً على تحولات استراتيجية أعمق تدفع إيران إلى توظيف الرسائل الإعلامية والسياسية كأحد أبرز أدواتها في مواجهة الضغوط المتزايدة، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لموازين النفوذ.

أعلن الحرس الثوري الإيراني، الجمعة، تنفيذ هجوم استهدف “مركز قيادة للعمليات الخاصة” التابع للجيش الأميركي في قاعدة التنف – أرشيفية

وفي هذا السياق، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحال، أن الادعاءات الإيرانية بشأن استهداف قاعدة التنف لا تعكس تطوراً ميدانياً بقدر ما تمثل جزءاً من استراتيجية إعلامية وسياسية تتبعها طهران في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها على المستويين العسكري والدبلوماسي، وفق تصريحات تلفزيونية لـ “سكاي نيوز عربية“.

وتأتي هذه القراءة في وقت تعيش فيه إيران مرحلة تتسم بتراجع هامش المناورة الإقليمية، نتيجة الضربات التي استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بالحرس الثوري، إلى جانب استمرار العقوبات الاقتصادية الأميركية التي تستهدف قطاعات النفط والمال والشحن.

الحرب النفسية بديلاً

 في ظل هذه المعطيات، أصبحت القيادة الإيرانية، بحسب تقدير رحال، أكثر اعتماداً على الرسائل الإعلامية والعمليات النفسية لتعويض ما فقدته من أدوات الضغط التقليدية، سواء عبر حلفائها الإقليميين أو عبر قدرتها على فرض معادلات ردع جديدة.

أشار إلى أن الإعلان عن عملية لم تثبتها الوقائع الميدانية، يمكن تفسيره في إطار محاولة الحفاظ على صورة الردع أمام الداخل الإيراني، وإظهار أن طهران لا تزال قادرة على تهديد المصالح الأميركية في المنطقة رغم الضغوط التي تتعرض لها.

الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحال

وتكتسب قاعدة التنف، الواقعة في أقصى جنوب شرقي محافظة حمص على بعد 24 كيلومتراً غرب معبر التنف-الوليد عند تقاطع الحدود السورية مع الأردن والعراق، أهمية استراتيجية بالغة، ليس بسبب وجود قوات أميركية فيها فحسب، وإنما لأنها تشرف على أحد أهم الممرات البرية التي تربط العراق بسوريا، وهو الممر الذي لطالما اعتبرته طهران جزءاً أساسياً من شبكة الإمداد التي تصلها بحلفائها في سوريا ولبنان.

ومنذ سنوات، تؤكد الولايات المتحدة أن وجودها في التنف يهدف إلى محاربة تنظيم “داعش” ومنع عودته، إضافة إلى دعم فصائل محلية تتولى تأمين المنطقة الحدودية، بينما تنظر إيران إلى هذا الوجود باعتباره عقبة أمام مشروعها الإقليمي الرامي إلى تأمين ممر بري متصل من طهران إلى البحر المتوسط.

ورغم إعلان الولايات المتحدة في شباط/فبراير الماضي استكمال انسحابها من القاعدة، فإن المنطقة ما تزال تحتفظ بقيمتها الاستراتيجية باعتبارها عقدة مواصلات رئيسية وموقعاً حساساً في معادلة الأمن الحدودي.

شحنة الأسلحة تغيّر المعادلة

أضفى هذا التطور تعقيداً إضافياً على المشهد، وجعل المزاعم الإيرانية اللاحقة باستهداف القاعدة تثير تساؤلات حول أهدافها الحقيقية، خصوصاً في ظل تأكيد دمشق وواشنطن على عدم وجود قوات أميركية في القاعدة.

غير أن العامل الأكثر حسماً في تفسير التحرك الإيراني، بحسب رحال، لا يكمن في قاعدة التنف وحدها، بل في التحول اللافت في السياسة الأمنية للدولة السورية تجاه شبكات التهريب التي ارتبطت لسنوات بخطوط الإمداد الإيرانية إلى حزب الله اللبناني.

إحباط تهريب شحنة أسلحة ضخمة كانت مخبأة داخل صهريج نفط في محاولة لنقلها عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان- إنترنت

 فقبل أيام من الإعلان الإيراني، أعلنت وزارة الداخلية السورية إحباط محاولة لتهريب شحنة ضخمة من “الأسلحة النوعية”، بينها صواريخ بعيدة المدى وصواريخ موجهة مضادة للدروع وطائرات مسيرة، كانت مخبأة داخل صهريج نفط جرى تعديله ليحتوي على مخبأ سري، في محاولة لنقلها عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان.

وكشف مصدر أمني عراقي لـ”الحرة” أن فصائل مسلحة مرتبطة بإيران أرسلت الشحنة، وأن طائرات مسيرة كانت تؤمن عملية نقلها، مشيراً إلى أن الصهريج كان جزءاً من شبكة تستفيد من عقود لنقل النفط من العراق إلى سوريا.

وتسلط هذه العملية الضوء على احتمال استغلال حركة تجارة النفط المتزايدة بين العراق وسوريا لتمرير الأسلحة، وهو ما يمثل تحدياً جديداً للسلطات السورية التي تسعى إلى تشديد سيطرتها على حدود ظلت لسنوات ممراً أساسياً لنقل المقاتلين والسلاح بين إيران والعراق وسوريا ولبنان.

دمشق وتضييق الخناق على الممرات

يرى رحال أن هذه الإجراءات السورية، التي تأتي ضمن حملة متواصلة لمكافحة تهريب السلاح عبر الحدود، تمثل تحولاً مهماً في السياسة الأمنية السورية الجديدة، وهو ما تسبب، بحسب تقديره، في إضعاف أحد أهم مسارات الإمداد التي كانت تعتمد عليها إيران لدعم حلفائها في المنطقة.

أفاد بأن النجاح في اعتراض هذه الشحنات يحد من قدرة حزب الله على تعويض خسائره العسكرية أو إعادة بناء مخزونه من الأسلحة عبر الأراضي السورية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على النفوذ الإيراني في المشرق.

وبيّن أن الربط بين الإعلان السوري عن ضبط شحنات السلاح وبين المزاعم الإيرانية المتعلقة باستهداف قاعدة التنف ليس أمراً عشوائياً، بل يعكس محاولة إيرانية لإظهار قدرتها على الرد والضغط في مواجهة ما تعتبره تضييقاً متزايداً على تحركاتها داخل سوريا.

 كما أوضح أن طهران تسعى من خلال هذه الرسائل إلى إفهام القيادة السورية أن استمرار التضييق على خطوط الإمداد ستكون له تبعات سياسية وأمنية، حتى وإن لم تتحول تلك الرسائل إلى عمليات عسكرية مباشرة.

بين السيادة السورية والنفوذ الإيراني

تنسجم هذه القراءة مع ما أعلنته القيادة المركزية الأميركية، التي أكدت عدم وقوع هجوم على قاعدة التنف وعدم تسجيل أي خسائر في صفوف قواتها، كما تتوافق مع الموقف الرسمي السوري الذي نفى صحة الأنباء المتداولة بشأن استهداف القاعدة.

وفي الوقت نفسه، تواصل القوات الأميركية عملياتها العسكرية في المنطقة، مؤكدة أن انتشارها يهدف إلى منع عودة تنظيم “داعش” وحماية الاستقرار في البادية السورية، وفق البيانات الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية الأميركية.

 كما أن الموقف السوري الجديد، الذي يتجلى في عمليات الضبط المتكررة على الحدود، يعكس رغبة دمشق في ترسيخ سيادتها على أراضيها ومنع استخدامها ممراً لأنشطة تهدد أمنها أو أمن دول الجوار، وهو ما عبر عنه الرئيس السوري أحمد الشرع بتأكيده أن بلاده ستبقى خارج أي صراع ما لم تتعرض لهجوم.

ويخلص رحال إلى أن المعركة الدائرة اليوم لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل أصبحت معركة للسيطرة على خطوط الإمداد والممرات اللوجستية التي تحدد ميزان النفوذ في المنطقة.

 ويرى أن نجاح دمشق في إغلاق هذه المسارات سيؤدي تدريجياً إلى تقليص قدرة إيران على إعادة بناء شبكاتها العسكرية داخل سوريا ولبنان، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، تصاعد الخطاب الإيراني ومحاولات توظيف الرسائل الإعلامية والسياسية في مواجهة هذا التحول الميداني.

 معركة الممر البري وإعادة رسم النفوذ

أوضح رحال أن الممر البري الممتد من إيران عبر العراق إلى سوريا وصولاً إلى لبنان، والذي لطالما شكّل أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، أصبح اليوم محور اهتمام وتحرك من قبل عدة أطراف، كل منها يسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة.

في هذا السياق، تأتي المزاعم الإيرانية باستهداف قاعدة التنف، التي نفتها واشنطن ودمشق على حد سواء، لتكون بمثابة رسالة مزدوجة، من جهة موجهة إلى الداخل الإيراني لإظهار استمرار القدرة على الردع، وجهة أخرى إلى الحكومة السورية للضغط عليها بعد أن أظهرت توجهاً أكثر تشدداً تجاه شبكات تهريب السلاح والنفوذ العسكري الإيراني داخل الأراضي السورية.

ويرسم تزامن الإعلان الإيراني مع عمليات الضبط السورية على الحدود، ومع الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف قبل أشهر، صورة لمرحلة جديدة في الصراع الإقليمي، حيث تتحول المعارك من ساحات القتال المباشرة إلى معركة غير متكافئة على خطوط الإمداد، تستخدم فيها الأطراف كافة الأدوات المتاحة، من العمليات الأمنية إلى الحرب الإعلامية والنفسية.

وما يحدث اليوم في منطقة المثلث الحدودي ليس مجرد حلقة عابرة في مسلسل التوتر الإيراني الأميركي، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي أوسع، يعيد فيه اللاعبون الإقليميون والدوليون حساباتهـم في ضوء المتغيرات السورية الجديدة، التي تضع سيادة الدولة وضبط حدودها في صلب أولوياتها، وتهدد بقطع أحد أهم شرايين المشروع الإقليمي الإيراني.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم