لم تكن الصين بحاجة إلى إرسال جنود إلى إيران كي تصبح جزءاً من معادلة الحرب، فمنذ اندلاع المواجهة الأميركية–الإيرانية في 28 شباط/فبراير، ظل النفط الإيراني يجد طريقه إلى السوق الصينية، بينما حافظت شبكات التجارة والتمويل والتكنولوجيا على قدر من الحركة داخل الاقتصاد الإيراني، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحاول خنق مصادر تمويل طهران وتقليص قدرتها على مواصلة القتال.
وبذلك برزت بكين، ولو بصورة غير مباشرة، كأحد أهم العوامل التي يمكن أن تمنح إيران هامشاً إضافياً للصمود أمام الضغط الأميركي.
النفط.. شريان طهران المالي
تكشف الأرقام حجم هذه العلاقة بوضوح، فالصين تشتري نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، بحسب وزارة الخزانة الأميركية، بينما قدرت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية–الصينية قيمة النفط الإيراني غير المعلن الذي وصل إلى الصين خلال 2025 بنحو 31.2 مليار دولار، ووفق اللجنة، فإن هذه الإيرادات تمثل عشرات المليارات من الدولارات سنوياً بالنسبة إلى طهران، فيما تستفيد منها الحكومة الإيرانية وتمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية.
وتجعل هذه الأرقام العلاقة النفطية أكثر من مجرد تجارة بين بلدين، فالمشكلة بالنسبة إلى إيران ليست امتلاك النفط، وإنما القدرة على بيعه وتحويله إلى إيرادات في ظل العقوبات الأميركية، وكلما بقيت المصافي الصينية مستعدة لشراء الخام الإيراني، بقيت لدى طهران قناة رئيسية للحصول على موارد مالية تساعدها على تمويل وارداتها والحفاظ على جزء من نشاط اقتصادها، حتى في وقت تتعرض فيه بنيتها العسكرية والاقتصادية لضغوط شديدة.

ويقول خبير الشؤون الصينية، الدكتور جعفر الحسيناوي، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، إن الحديث عن قدرة الصين على تغيير مسار الحرب “مبالغ فيه”، لكنه في الوقت نفسه لا يعني، بحسب تقديره، غياب الدعم الصيني لطهران، موضحاً أن استمرار شراء الصين للنفط الإيراني يمثل أحد أبرز أشكال الدعم الاقتصادي، لأنه يتيح لإيران الحفاظ على مورد مالي مهم في مواجهة الضغوط الأميركية.
ويضيف الحسيناوي أن تأثير بكين لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما يمتد إلى البعد الاستراتيجي، معتبراً أن الصين تقدم لإيران دعماً معلوماتياً يساعدها في التعامل مع التحركات العسكرية الأميركية، ولا سيما البحرية، ويربط ذلك بالمصلحة الصينية في تخفيف الوجود العسكري الأميركي القريب من الصين.
واشنطن ومطاردة الشريان الصيني
في المقابل، توثق لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية مساراً آخر للدعم الصيني، يتمثل في تمكين إيران من تخفيف آثار العقوبات عبر شبكات تجارية ومالية وتكنولوجية، وتقول اللجنة إن شركات ووسطاء صينيين ساعدوا في معاملات النفط، وتشغيل “أسطول الظل”، والوصول إلى تقنيات يمكن استخدامها في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، كما تشير إلى العثور على مكونات صينية في مسيّرات إيرانية.
لم تكن واشنطن تتعامل مع هذه القنوات باعتبارها تجارة عادية، فمنذ بدء الحرب، كثفت وزارة الخزانة الأميركية استهدافها للشبكات المرتبطة بتجارة النفط الإيراني مع الصين، ففي 28 نيسان/أبريل، حذرت الوزارة المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع المصافي الصينية المستقلة، وقالت إن هذه المصافي تستورد الجزء الأكبر من النفط الإيراني، وإن العائدات الناتجة عن ذلك تعود بالنفع على النظام الإيراني وبرامجه التسليحية والعسكرية.
وفي 11 أيار/مايو، فرضت واشنطن عقوبات على 12 فرداً وكياناً قالت إنهم يساعدون “الحرس الثوري” الإيراني في بيع وشحن النفط إلى الصين، معتبرة أن هذه الشبكات تستخدم شركات كواجهة لإخفاء دور “الحرس الثوري” وتحويل العائدات إلى النظام الإيراني، وبعد شهر، استهدفت وزارة الخزانة تسعة أفراد وكيانات قالت إنهم دعموا مشتريات أسلحة لصالح “الحرس الثوري” ووزارة الدفاع الإيرانية، وكان من بينهم أفراد وشركات في الصين وهونغ كونغ.
ولا تتوقف القصة عند النفط الخام، ففي حزيران/يونيو، قالت الخزانة الأميركية إنها استهدفت شبكة مرتبطة بتهريب مئات الملايين من الدولارات من غاز البترول المسال الإيراني إلى الأسواق الآسيوية، باستخدام شركات واجهة في الصين والإمارات وحسابات مصرفية أجنبية وأساطيل شحن خفية، وبالنسبة إلى واشنطن، فإن هذه الشبكات تمثل “شرياناً اقتصادياً” يساعد إيران على الحفاظ على قدرتها المالية رغم العقوبات.
مصالح تتجاوز الحرب
لكن اختزال العلاقة الصينية-الإيرانية في تمويل الحرب سيكون تبسيطاً للمشهد، فقد وقعت بكين وطهران في آذار/مارس 2021 اتفاق التعاون الشامل لمدة 25 عاماً، بما يشمل الطاقة والبنية التحتية والتجارة والنقل والصناعة والتكنولوجيا، وتعهدت الصين باستثمارات تصل قيمتها المعلنة إلى 400 مليار دولار خلال مدة الاتفاق، وهو رقم كثيراً ما يُستخدم للدلالة على حجم التحالف الاقتصادي بين البلدين.
وتشير لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية إلى أن قدراً محدوداً فقط من هذه الاستثمارات تحقق فعلياً، بسبب العقوبات ومخاطر التعامل مع الاقتصاد الإيراني وتردد الشركات الصينية في التعرض للعقوبات الثانوية الأميركية، وفي المقابل، رصدت اللجنة ترتيبات مرتبطة بالنفط مقابل البنية التحتية قد تصل قيمتها إلى 8.4 مليار دولار خلال 2024.

ويشرح خبير الشؤون الآسيوية حسين إسماعيل، في حديث خاص لموقع “الحل نت”، هذه العلاقة من زاوية مختلفة، معتبراً أن الدعم الاقتصادي الصيني “قد لا يكون دعماً مادياً مباشراً” للحرب، لكنه يعزز قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود أمام الحصار الأميركي.
ويشير إسماعيل إلى أن التعاون بين البلدين يمتد إلى قطاعات النفط والتعدين والنقل والزراعة والصناعة، وأن تدفق السلع والمعدات الصينية إلى قطاعات مدنية مثل الصحة والتعليم والزراعة والنقل يساعد الاقتصاد الإيراني على الاستمرار وتلبية جانب من احتياجات السكان.
ويرى أن مشروعات النقل والربط التجاري بين البلدين تكتسب أهمية إضافية في ظل العقوبات والقيود البحرية، مشيراً إلى تشغيل خط السكك الحديدية الذي يربط الصين بإيران عبر آسيا الوسطى، وبالنسبة إلى طهران، فإن تنويع طرق التجارة يمثل وسيلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة لضغوط العقوبات أو الاضطرابات العسكرية.
ويؤكد أن هذه البنية التحتية، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تُضخم على حساب القناة النفطية، فالنفط هو الحلقة الأكثر مباشرة في قدرة العلاقة الصينية-الإيرانية على توفير موارد لطهران.
النفط يظل الحلقة الأهم
تقول لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية (USCC) إن التجارة الثنائية التي أعلنتها الصين مع إيران بلغت 9.96 مليار دولار في 2025، لكن إضافة صادرات النفط الإيراني غير المعلنة المقدرة بـ31.2 مليار دولار ترفع القيمة الفعلية للعلاقة إلى مستويات أكبر بكثير، وبحسب اللجنة، فإن النفط غير المعلن يمثل أكثر من 75 بالمئة من إجمالي التجارة الثنائية عند احتسابه ضمن التدفقات التجارية.
هنا تظهر إحدى أهم مفارقات الحرب المشتعلة، فكلما حاولت واشنطن خنق الاقتصاد الإيراني، أصبحت السوق الصينية أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران، فقد يكون الاقتصاد الإيراني قادراً على التكيف مع العقوبات، لكن قدرته على الاستمرار ليست منفصلة عن وجود مشترٍ مستعد لشراء النفط، وشبكات قادرة على نقله وتسوية قيمته، وموردين يستطيعون توفير السلع والمكونات التي تحتاج إليها القطاعات المدنية والعسكرية.
ويعتقد الحسيناوي أن التخلي الصيني عن شراء النفط الإيراني سيترك أثراً كبيراً في مسار الحرب، فيقول إن استمرار شراء الخام الإيراني، خصوصاً بأسعار منخفضة، يوفر لطهران هامشاً اقتصادياً يساعدها على الاستمرار.
الخليج.. الثمن غير المباشر
ويصعب تجاهل أثر القناة الصينية، فإذا فقدت إيران المشتري الأكبر لنفطها، فإن قدرتها على الحصول على النقد الأجنبي ستتعرض لضربة كبيرة، لذا فهي توفر أحد الشروط الاقتصادية التي تجعل الحرب الطويلة أقل كلفة على طهران مما كانت ستكون عليه في حال إغلاق هذه القناة.
وتتجاوز المصالح الصينية إيران نفسها إلى المنطقة بأكملها، فبكين ترتبط بعلاقات اقتصادية أكبر بكثير مع دول الخليج، ووفق لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، بلغ حجم التجارة الثنائية للصين مع السعودية 108 مليارات دولار في 2025، وبلغ الرقم نفسه تقريباً مع الإمارات، مقابل 41.2 مليار دولار مع إيران عند احتساب النفط غير المعلن، وهو ما يعني أن بكين لديها مصالح ضخمة في الخليج لا يمكن التضحية بها بسهولة لصالح طهران.

وفي الوقت الذي تستفيد فيه الصين من النفط الإيراني الرخيص، فإنها تخسر من الحرب التي قد تعطل النفط الخليجي كله، خاصة وأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات البحرية من الطاقة، ونحو نصف وارداتها النفطية يمر عبر مضيق هرمز، بحسب لجنة المراجعة الأميركية-الصينية، ومع استمرار الحرب، تراجعت تدفقات النفط إلى آسيا، فيما انخفضت واردات الصين من الخام إلى 8.41 مليون برميل يومياً في تموز/يوليو، أي أقل بنحو 24.3 بالمئة من مستواها في الشهر نفسه العام الماضي.
وارتفع خام برنت إلى نحو 89.81 دولاراً للبرميل وسط مخاوف جديدة بشأن أمن الملاحة بعد هجمات على سفن في مضيق هرمز وباب المندب، بينما تراجع عدد السفن العابرة لهرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما قبل الحرب، بينما أعلنت وكالة الطاقة الدولية خفض توقعاتها لإمدادات النفط العالمية لعام 2026، بعدما تراجعت شحنات النفط من الشرق الأوسط من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى 12 مليوناً في تموز/يوليو.
لذلك، لا تبدو بكين بالضرورة راغبة في حرب طويلة بلا نهاية، حتى لو كانت مستعدة للحفاظ على بعض القنوات التي تمنح إيران القدرة على الصمود، فمن الناحية الاقتصادية، استمرار تعطيل هرمز يهدد الصين نفسها، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم وأحد أكبر المستفيدين من استقرار طرق التجارة والطاقة.
خطاب دبلوماسي.. ومصالح على الأرض
يعكس الخطاب الصيني الرسمي منذ اندلاع الحرب هذه المفارقة، ففي اليوم الأول، دعت بكين إلى وقف العمليات العسكرية وعودة الحوار، مؤكدة ضرورة احترام سيادة إيران وسلامة أراضيها، وفي آذار كرر وزير الخارجية وانغ يي أن موقف الصين يتمثل في وقف القتال وإنهاء الحرب، معتبراً أن الصراع لا يخدم أي طرف، بينما في أيار قالت بكين إن أمن الملاحة والبنية التحتية للطاقة يجب أن يكونا محميين، ودعت إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.
لكن الخطاب الدبلوماسي لم يمنع استمرار العلاقة الاستراتيجية مع طهران، ففي حزيران/يونيو، رحبت بكين بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدت أن إعادة فتح مضيق هرمز تخدم مصالح الدول الإقليمية والمجتمع الدولي، كما أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن بلاده ستواصل دعم إيران في ما وصفه بحقوقها المشروعة، بالتوازي مع الدفع نحو المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، لم تقتصر التحركات الصينية على البيانات السياسية؛ إذ أعلنت بكين تقديم دفعة جديدة من المساعدات الإنسانية إلى إيران ولبنان في حزيران/يونيو، بينما واصلت اتصالاتها المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين.
وهنا يصبح من الصعب وصف السياسة الصينية بأنها مجرد “دعم عسكري لإيران”، كما يصعب في الاتجاه الآخر اعتبارها حياداً كاملاً، فبكين تقدم دعماً دبلوماسياً واقتصادياً واضحاً، وتوجد شبكات صينية مرتبطة بالتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام وبعض المشتريات العسكرية الإيرانية، في وقت لا تزال فيه الصين تتجنب التزاماً دفاعياً رسمياً تجاه طهران.
وتؤكد لجنة المراجعة الأميركية-الصينية أن التعاون العسكري المباشر بين البلدين ظل محدوداً، رغم وجود مؤشرات على نقل مكونات وتكنولوجيات ذات استخدام عسكري.
من يمسك بزمام الحرب؟
بذلك يصبح “الدعم الصيني” متعدد المستويات، والنفط هو الأكثر تأثيراً اقتصادياً، والتجارة والبنية التحتية توفران متنفساً للاقتصاد، والتكنولوجيا وشبكات المشتريات تضيف بعداً استراتيجياً، بينما يوفر الدعم الدبلوماسي لطهران غطاءً سياسياً في مواجهة الضغوط الغربية.

وفي ضوء ذلك، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فإن إيران لا تخوض حربها بالمال الصيني وحده، لكن بكين توفر لها منفذاً اقتصادياً يصعب تجاهله، وهو ما يجعل دورها مختلفاً عن صورة الحليف العسكري التقليدي، فبكين لا تحتاج إلى إرسال قوات أو إعلان تحالف دفاعي مع طهران حتى تؤثر في ميزان الصراع؛ يكفي أن تظل المصافي الصينية مستعدة لاستقبال النفط الإيراني، وأن تبقى شبكات التجارة والتمويل والتكنولوجيا قادرة على العمل، لكي تحصل إيران على عامل أساسي للمناورة.
وفي المقابل، تدفع دول الخليج جزءاً من ثمن هذه المعادلة، فكل يوم إضافي من الحرب يعني مخاطر أكبر على الملاحة والطاقة والبنية التحتية والأسواق، وقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة في هرمز أن الخلاف الأميركي-الإيراني لم يعد محصوراً في ساحات المواجهة العسكرية، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس أكبر مستوردي الطاقة في آسيا.
وفي المحصلة فإن خسارة السوق الصينية من شأنها أن تفرض على طهران صدمة مالية كبيرة، فإن بكين تكون قد أصبحت، حتى من دون خوض الحرب عسكرياً، جزءاً من البنية التي تسمح لإيران بتحملها.
وفي هذه الحالة، لا تكون الصين “محرك الحرب” بالمعنى المباشر، لكنها تصبح أحد أهم عوامل تمكين استمرارها، وهو دور قد يبدو اقتصادياً في ظاهره، لكنه يحمل في تداعياته آثاراً عسكرية واستراتيجية تطال إيران وخصومها ودول الخليج والاقتصاد العالمي بأكمله.

