العراق بعد حرب إيران.. الزيدي في معركة ضد السلاح المتفلت والمال الإيراني

تشكل الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران معادلات جديدة بالمنطقة، الأمر الذي يبرز على نحو واضح في استدارة عدة دول عربية شهدت ما يمكن وصفه بالاحتلالات الإيرانية بفعل السياسة والسلاح، ومن خلال الانخراط المتزايد لميليشياتها الولائية وعبر تطييف وعسكرة الحواضن الشيعية، لجهة فك الارتباط أو بالأحرى التبعية مع نظام “الولي الفقيه”، ومن ثم استعادة السيادة وحصر السلاح في يد الدولة. ذلك الصراع الذي يخوضه رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، وبنفس الدرجة نظيره اللبناني نواف السلام، وكذا رئيس الدولة جوزيف عون.

وتكاد لا تختلف الأوضاع في بغداد عن مثيلاتها في بيروت، حيث إنه منذ مرحلة ما بعد صدام حسين وحكم البعث، صعد النفوذ الإيراني وملأ فراغ السلطة، وقد نجحت طهران في التغلغل والوغل في أجهزة ومؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وشكلت شبكة ولائية لها نفوذها المالي كما العسكري والسياسي.

وقد كانت لهذه الأمور تداعيات جمّة من خلال ارتهان العراق للسيادة الإيرانية ووقوعها في دائرة حروب بالوكالة لحساب “الولي الفقيه”، في ظل وجودها ضمن بيئة عمل نشطة ومشبوهة على المستوى الجيوسياسي تتاخم حدود سوريا ولبنان، وتحويلها لممر يتم من خلال نقل السلاح وتهريب المعدات العسكرية ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”، وتأمين “الهلال الشيعي” كما تروج السردية الإيرانية.

الزيدي يواجه نفوذ طهران العسكري والمالي

وبجانب ذلك، عانى العراق تحت وطأة هذه الأمور وتفاقمها من الفساد المالي وتبييض الأموال التي تعاني منها الدولة ويظهر في أزمة الرواتب للموظفين، مثلاً. لهذا، يخوض رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي حرباً عنيفة ضد الميليشيات ليست كشبكة عسكرية وأمنية لها نفوذها وهيمنتها على أجهزة الدولة ومؤسساتها الصلبة، إنما شبكة مالية موازية للدولة لها قدرات وإمكانات هائلة يحتمي بسلاح متفلت وعناصر وتنظيمات ميليشياوية أخرى أقل علانية تعمل في الظل والخفاء لتهديد أي طرف أو محاولة يسعى لحلحلة وتغيير وضع النفوذ الإيراني بالعراق.

رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي في جلسة حوارية خلال مؤتمر حوار بغداد الثامن، الذي عقده المعهد العراقي للحوار في العاصمة بغداد. 21 آب/أغسطس 2026. “واع”

ولهذا، اتخذ رئيس الوزراء العراقي الزيدي خطوة جديدة لتعزيز الرقابة على الإنفاق الحكومي ومكافحة الفساد المالي، حيث أعلن عن إصدار توجيهات لإنشاء هيئة عليا تتولى تشديد الرقابة على العقود الحكومية والعمل على استرداد الأموال العامة.

وخلال اجتماع مع عدد من كبار المسؤولين، أعلن تشكيل “المجلس الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال العامة”، برئاسته، وعضوية رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي ورئيس هيئة النزاهة الاتحادية، وفق بيان صادر عن مكتبه.

ووفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2025، حل العراق في المرتبة 136 من أصل 181 دولة. فيما يعود جزء كبير من الجدل حول الفساد في العراق إلى مرحلة ما بعد عام 2003، عندما أُهدرت أو أسيء استخدام مليارات الدولارات التي خُصصت لإعادة إعمار البلاد.

وفي عام 2021، قدّر الرئيس العراقي السابق برهم صالح حجم الأموال التي خسرها العراق بسبب الاختلاس منذ عام 2003 بنحو 150 مليار دولار.

ومن أبرز قضايا الفساد التي هزت البلاد ما عُرف إعلامياً بـ”سرقة القرن”، وهي القضية التي كشفت في تشرين الأول/أكتوبر 2022 عن اختلاس ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار من أموال الدولة، عبر الأمانات الضريبية في وزارة المالية. وفي مارس/آذار 2025، صدر عفو مثير للجدل عن أحد المدانين في القضية.

وفي إطار الإجراءات الجديدة، وجّه الزيدي بإلزام الجهات الحكومية بإجراء دراسات جدوى اقتصادية للمشروعات قبل تنفيذها، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة لتدقيق العقود الحكومية والتأكد من توافقها مع القوانين والأنظمة النافذة.

إنهاء تبعية الفصائل العراقية

وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو الانتقال من الاكتفاء بملاحقة حالات الفساد بعد وقوعها إلى تعزيز الرقابة الوقائية ومنع الهدر قبل إبرام العقود وصرف الأموال. بل تزامنت هذه التحركات مع تجدد الاهتمام بملف الفساد المالي، خصوصاً المرتبط بالقوى الميليشياوية والفصائل المسلحة التي تعمل على تهريب الدولار وتنشط في تبييض الأموال، عقب إعلان هيئة النزاهة العراقية إحباط محاولة واسعة لاختلاس نحو 1.5 تريليون دينار عراقي من مصرفين حكوميين في بغداد.

ويأتي إنشاء المجلس الجديد بقرار مباشر من رئيس الوزراء ليعكس تصاعد الضغوط الداخلية والدولية على الحكومة العراقية لتحسين الشفافية وتعزيز المساءلة المالية.

ولهذا، لم يكن مفاجئاً أن يضع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قمة أولوياته ومهامه القصوى ضرورة إصلاح ومعالجة المنظومة الأمنية وتفكيك الميليشيا الولائية، ومن ثم، تبني حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة. فالحد من نفوذ الفصائل الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران وتحييدها لم تعد مجرد استجابة لضغوط دولية وإقليمية، إنما مصلحة وطنية استراتيجية لإنهاء التبعية التي تقوض من مؤسسات الدولة في العراق ووضعها تحت طائلة قرار خارجي، تتآكل معها وتضعف أو تضيق سيادتها، بينما تكون فيها مصلحة طهران الأقرب من بغداد.

صورة أرشيفية لاستعراض لعناصر من حركة “النجباء” العراقية الموالية لطهران والمرتبطة بـ”الحرس الثوري” الإيراني. الصورة من موقع “الحركة”

وفي كلمة ألقاها بمناسبة توليه منصبه، تعهد الزيدي بـ”حصر السلاح بيد الدولة”. وتكرر الأمر ذاته في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، حيث عاود الزيدي التأكيد مجدداً على نزع سلاح الميليشيات ومكافحة الفساد، بينما دعا الشركات الأميركية إلى الاستثمار في العراق.

وقد فرضت الحرب في إيران ضرورات ومعادلات مغايرة، إذ نجحت واشنطن في منع تولي أو بالأحرى عودة نوري المالكي لرئاسة الحكومة، المرشح الأول لـ”الإطار التنسيقي”، الجناح السياسي لـ”الحشد الشعبي” الذي يضم الأحزاب والفصائل الشيعية المسلحة التابعة لإيران.

وتزامنت جهود وصول الزيدي للحكومة مع انجرار العراق قسراً للحرب التي اندلعت في شباط/فبراير الماضي، بعدما شنت فصائل شيعية عراقية هجمات على مصالح أميركية داخل بغداد، وردت الولايات المتحدة بضربات جوية استهدفت مواقع تابعة لهذه القوى الميليشياوية.

ويمكن القول إن رئيس الحكومة العراقية الذي تعهد بالحد من نفوذ إيران وفصائلها بالعراق، يبقى أمام معادلة سياسية وأمنية بالغة الحساسية. إذ تبدو حكومة الزيدي أمام لحظة سياسية وأمنية مفصلية، خصوصاً اقتراب الموعد المقرر لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الإرهابي وانسحاب القوات الأميركية من العراق.

كما أن الفصائل المدعومة من إيران ليست تشكيلات عسكرية منفصلة عن النظام السياسي، وإنما أصبحت خلال السنوات الماضية جزءًا من البنية السياسية والأمنية والاقتصادية للدولة.

وقد أكد الزيدي أن موعد إنهاء المهمة العسكرية للتحالف يمثل تاريخاً ثابتاً ونهائياً، في خطوة تكتسب أهمية إضافية بالنسبة إلى الفصائل المسلحة التي طالما قدمت الوجود العسكري الأميركي باعتباره أحد المبررات الرئيسية لاستمرار احتفاظها بالسلاح وقدرتها على العمل العسكري المستقل.

تحديات إنهاء السلاح المتفلت

ثمة نقطة لافتة وضرورية تبرز تعقيدات الموقف المفصلي الذي يقع على عاتق الزيدي، وهي أن الجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران أصبحت تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً غير محدود، فيما تضم ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” نحو عشرة فصائل تقدر قوتها بنحو 50 ألف مقاتل، وفق مسؤولين أمنيين سبق أن نقلت عنهم “رويترز”. كما أن عدداً من هذه الفصائل يمتلك تمثيلاً سياسياً داخل البرلمان والحكومة.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة المهمة أمام الزيدي؛ فالحكومة لا تواجه “ميليشيات” خارج الدولة بالمعنى التقليدي، وإنما تواجه قوى تمتلك أذرعاً تتمفصل داخل مؤسسات الدولة، وأخرى مسلحة تعمل بقدر من الاستقلال عنها.

ومن ثم، فإن أي محاولة لإعادة احتكار السلاح لا يمكن أن تكون مجرد عملية أمنية لنزع الأسلحة، وإنما ستكون مواجهة مع شبكة واسعة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشكلت على مدى أكثر من عقدين.

وفي ما يبدو أن هناك متغيرات تفرض واقعاً جديداً، وقد أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قائد “سرايا السلام”، في أيار/مايو الماضي دعمه لعملية حصر السلاح في يد الدولة.

كما أن قيس الخزعلي، زعيم “عصائب أهل الحق” والحليف التاريخي لطهران، أبدى بدوره استعداداً لدمج جماعته في مؤسسات الدولة، في تحول لافت يأتي بالتزامن مع تركيز متزايد من جانبه على السياسة الداخلية العراقية.

لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل الفصائل المسلحة. فقد رفضت جماعات أكثر ارتباطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني، من بينها “كتائب حزب الله” وميليشيا “النجباء”، التخلي عن السلاح، مؤكدة أنها ستواصل القتال بغض النظر عن سياسات الحكومة العراقية.

يكشف هذا التباين عن إحدى أبرز العقبات أمام أي مشروع لدمج الفصائل المسلحة؛ فالجماعات التي أصبحت مصالحها السياسية والاقتصادية مرتبطة بصورة أكبر بمؤسسات الدولة تبدو أكثر استعداداً للخضوع لسلطة بغداد، بينما تجد الفصائل الأكثر ارتباطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني حوافز أقل للتنازل عن استقلاليتها العسكرية، وفق معهد “تشاتام هاوس”.

زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قائد “سرايا السلام”. “رويترز”

ويتمثل الاختبار الحقيقي أمام حكومة الزيدي في مدى امتلاكها، إلى جانب حلفائها، الإرادة والقدرة على مواجهة الجماعات التي قد ترى في أي محاولة لتقليص نفوذها تهديداً مباشراً لمصالحها. في حين تزداد صعوبة هذا التحدي في ظل حوادث أمنية تشير إلى مخاطر المواجهة.

وكان مقتل ضابط في جهاز الاستخبارات العراقي في هجوم بطائرة مسيّرة، والذي حمّل وزير الخارجية العراقي مسؤوليته لـ”فصائل من الداخل”، مؤشراً على أن الصدام مع الجماعات المسلحة قد تكون له كلفة أمنية وسياسية مرتفعة.

كما أن الصراع الإقليمي المحتدم، وانشغال إيران بتحدياتها الأمنية الداخلية، والضغوط الأميركية، إلى جانب تزايد المخاوف داخل النخبة السياسية العراقية من تداعيات الحرب، خلقت تقاطعاً استثنائياً في المصالح وفرض جملة شروط جديدة قد تساهم في معالجة النفوذ الإيراني والسلاح المتفلت وغير الشرعي بيد الفصائل.

معركة أكبر من حصر السلاح

يمكن القول إن إغلاق مضيق هرمز ضمن تداعيات الحرب في إيران، وكذا الهجمات على منشآت النفط العراقية دفعا بغداد إلى حافة أزمة مالية خطيرة، فيما استخدمت واشنطن نفوذها على النظام المالي العراقي للضغط على بغداد. إذ تُحتفظ عائدات النفط العراقية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك، بينما تحصل بغداد على شحنات من الدولارات لتتمكن من تمويل الرواتب وإدارة مؤسسات الدولة، وفق تقارير صحفية عربية.

وفي المقابل، أوقفت الولايات المتحدة في نيسان/أبريل شحنات الدولار بصورة مؤقتة، قبل أن تصدر حكومة الزيدي في حزيران/يونيو توجيهات إلى الميليشيات الموالية لإيران بالتخلي عن أسلحتها، ثم استؤنفت شحنات الدولار في تموز/يوليو الماضي.

وبالتالي، فإن معركة الزيدي لا تتعلق فقط بنزع سلاح الميليشيات، إنما تبدو معركة أوسع وأكثر شمولاً حول من يملك القرار في العراق، الدولة أم الفصائل؟ ومن يتحكم في الثروة النفطية؟ ومن يحدد سياسة البلاد الخارجية؟ ومن يملك قرار الحرب والسلام؟ وبالتالي، فإن حكومة الزيدي ماضية في حصر كل هذه الملفات بيد الدولة، وهو ما ستواجه تحديات جمّة، إلا أن الزيدي يبدو جلياً إنه ماضي في هذا المسار ولن يتراجع حتى تحقيق ذلك، وإن كلف الأمر استخدام القوة العسكرية وعمل مداهمات لمقار شخصيات فيهم شبهة فساد مثلما حصل خلال الأشهر الفائتة ضمن حملة “صولة الفجر” الأمنية والقضائية الواسعة لمكافحة الفساد المالي والإداري واسترداد المال العام في العراق، والتي كانت بتوجيهات مباشرة من الزيدي.

ولهذا أعلن الزيدي، اليوم الجمعة، عن المضي في مكافحة الفساد وتهيئة مليون قطعة أرض سكنية للمواطنين، مشيراً الى أن رواتب الموظفين مؤمنة، وفق وكالة الأنباء العراقية (واع).

وقال الزيدي، في جلسة حوارية خلال مؤتمر حوار بغداد الثامن، الذي يعقده المعهد العراقي للحوار في العاصمة بغداد: “تمكنا من تأمين الرواتب، وإيجاد مسارات بديلة لتصدير النفط، وسنقدم موازنة تمثل خريطة للمستقبل الاقتصادي للعراق”، لافتاً إلى أن “موازنة العام المقبل ستركز على قطاع الكهرباء في الإنتاج والتوزيع والنقل، والتوسع في توظيف الطاقة الشمسية”.

وأشار إلى أن الحكومة تعمل على فتح مسارات بديلة لتصدير النفط عبر جيهان وبانياس والعقبة، وزيادة حصة العراق التصديرية، مع السعي لرفع الإنتاج إلى 8-10 ملايين برميل يوميًا خلال 6 سنوات.

وفي ملف السلاح، أكد الزيدي توافق القوى السياسية على حصره بيد الدولة، والعمل على آليات تسليمه، موضحاً أنه “لا توجد نوايا أو احتمالات لأي تصادم عسكري، ولن نسمح لأعداء العراق باستغلال أي فرصة”. وشدد على عدم التراجع عن مكافحة الفساد.

أما إقليمياً، قال الزيدي إن العراق يسعى للتحول من ساحة للصراع إلى جسر للتفاوض والتفاهم، مؤكداً أن السلاح خارج إطار الدولة يطرد الاستثمارات، لافتاً إلى أن “العراق دولة مهمة في المنطقة، ولا يمكن القطيعة مع محيطه العربي والاقليمي، ولمسنا رغبة قوية للانفتاح على العراق”، مبيناً أن “العراق يتجه ليكون الدولة الأكثر استقراراً وقوة في التنمية والاقتصاد”.

في المحصلة، تكشف تحركات الزيدي أن معركته تتجاوز حصر السلاح بيد الدولة إلى إعادة بناء سلطة الدولة على الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، من إدارة الثروة النفطية ومكافحة الفساد إلى ضبط القرار الخارجي والعلاقات الإقليمية. ومع أن هذا المسار يواجه نفوذاً متجذراً للفصائل المسلحة وشبكات المصالح المرتبطة بها، فإن الحكومة تبدو ماضية في فرض معادلة جديدة تجعل بغداد صاحبة القرار، وسط الضغوط الاقتصادية والإقليمية الراهنة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم