أربعة أيام على انتهاء المهلة.. هل تخلق آلية استبدال الليرة السورية سوقاً موازية للنقد؟

الليرة السورية

لم تعد الأيام الأخيرة من مهلة استبدال الأوراق النقدية السورية القديمة مجرد سباق إداري لإنهاء عملية فنية يقودها مصرف سوريا المركزي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة السلطات النقدية على إدارة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السياسة النقدية السورية.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه المصرف المركزي أن عملية الاستبدال تسير وفق الخطة المرسومة وأن نسب الإنجاز بلغت مراحل متقدمة، بدأت الأسواق ترسل إشارات مختلفة، مع تزايد شكاوى المواطنين والتجار من تراجع قبول العملة القديمة، ونقص بعض الفئات النقدية الجديدة، وظهور مؤشرات على سوق غير رسمية تتقاضى عمولات مقابل تسهيل عمليات الاستبدال.

“المركزي” يحدد قواعد المرحلة الأخيرة

تزداد حساسية المشهد مع اقتراب نهاية المهلة المحددة في 30 تموز الجاري، إذ أعلن مصرف سوريا المركزي أن الأوراق النقدية القديمة ستفقد اعتباراً من 31 تموز قوتها الإبرائية، ولن تصبح صالحة لإجراء أي معاملات مالية، فيما ستبقى إمكانية استبدالها متاحة لمدة خمس سنوات، ولكن حصراً عبر مقر المصرف المركزي في دمشق، وفق ضوابط محددة، أبرزها تقديم ما لا يقل عن مئة ورقة من الفئة النقدية الواحدة في الطلب الواحد.

وتشير السلطات النقدية إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو استكمال عملية سحب الإصدار القديم وضمان انتقال منظم إلى العملة الجديدة، مؤكدة أن عمليات السحب ستتم دون استيفاء أي رسوم أو عمولات عبر القنوات الرسمية.

مصرف سوريا المركزي- إنترنت

غير أن ما يحدث داخل الأسواق يبدو أكثر تعقيداً من الصورة الرسمية، ففي عدد من المحافظات، بدأ بعض التجار يفضلون التعامل بالإصدار الجديد أو بالدولار الأميركي، بينما تراجعت وتيرة قبول الأوراق القديمة في بعض الأنشطة التجارية ووسائل النقل، بالتزامن مع شكاوى متكررة من نقص الفئات النقدية الصغيرة، ولا سيما فئتي 500 و1000 ليرة، الأمر الذي أدى إلى تعقيد عمليات البيع اليومية وإعادة الباقي للمستهلكين، ودفع بعض المتعاملين إلى تأجيل صفقات أو البحث عن بدائل للدفع.

وتشير هذه التطورات إلى أن السوق بدأ يكيف نفسه مع المرحلة الانتقالية قبل اكتمالها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة السياسة النقدية على احتواء الآثار الجانبية لهذه العملية.

من وسيلة دفع إلى سلعة للمضاربة

لا تقتصر المخاوف على مسألة استبدال الأوراق النقدية فحسب، بل تمتد إلى احتمال تحول القيود الإدارية واللوجستية المصاحبة للعملية إلى فرصة لظهور سوق موازية تحقق أرباحاً من الفارق بين العملة القديمة والجديدة، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد السوري يعاني ضعف السيولة وارتفاع مستويات الدولرة وتراجع الثقة بالعملة المحلية.

وفي مثل هذه البيئات، لا تتحول العملة إلى مجرد وسيلة للتبادل، وإنما تصبح هي نفسها سلعة قابلة للمضاربة، وهو السيناريو الذي يحذر منه عدد من الاقتصاديين مع اقتراب انتهاء المهلة الرسمية.

في خضم هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى ما يصفه اقتصاديون بـ”الآثار غير المقصودة” لآلية الاستبدال، إذ يحذرون من أن المشكلة لم تعد تقتصر على استبدال أوراق نقدية بأخرى، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يتفاعل بها السوق مع القيود الزمنية والإجرائية المفروضة على العملية، فكلما ضاقت نافذة الاستبدال، وازدادت صعوبة الوصول إلى الخدمة، ارتفعت القيمة الاقتصادية للعملة الجديدة نفسها، لتتحول تدريجياً من وسيلة للتداول إلى سلعة مطلوبة تحقق أرباحاً لمن يمتلكها أو يستطيع توفيرها.

تحذيرات من تشوهات نقدية

في هذا السياق، يحذر الخبير الاقتصادي جورج خزام من أن آلية الاستبدال، بصيغتها الحالية، قد تفتح الباب أمام تشوهات واسعة في السوق النقدية إذا لم تُنفذ بمرونة أكبر، موضحاً أن الجمع بين قصر المهلة، ومحدودية مراكز الاستبدال، والقيود المفروضة على بعض العمليات، يخلق بيئة تسمح بظهور وسطاء يعملون على استغلال حاجة المواطنين والتجار إلى الحصول على الليرة الجديدة أو التخلص من الإصدار القديم مقابل عمولات متفاوتة.

ويرى خزام وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن أخطر ما في هذه المرحلة هو انتقال الثقة من العملة إلى الإصدار نفسه؛ فبدلاً من أن تكون جميع الأوراق النقدية الصادرة عن الدولة متساوية في القيمة القانونية، تبدأ الأسواق بالتعامل مع الليرة الجديدة باعتبارها أكثر قبولاً وأكثر قدرة على إنجاز المعاملات، في حين تصبح الليرة القديمة عبئاً يسعى أصحابها للتخلص منها قبل انتهاء المهلة.

أعلن مصرف سوريا المركزي أن الأوراق النقدية القديمة ستفقد اعتباراً من 31 تموز قوتها الإبرائية- إنترنت

ونوه إلى أنه مع اتساع هذا السلوك، ترتفع القيمة الفعلية للإصدار الجديد في السوق، ليس بسبب اختلاف قيمته الاسمية، وإنما نتيجة محدودية توافره وسهولة استخدامه، مشيراً إلى أن هذا الواقع قد يدفع العديد من التجار إلى إعادة صياغة شروط البيع، بحيث يصبح قبول الليرة القديمة استثناءً وليس قاعدة، بينما يُشترط في الصفقات الكبيرة الدفع بالدولار أو بالليرة الجديدة، تفادياً لتحمل تكاليف الاستبدال أو مخاطر رفض الأوراق لاحقاً.

ووفق هذا السيناريو، لا يبقى الدولار وحده ملاذاً آمناً، وإنما تنضم إليه الليرة الجديدة نفسها، وهو ما يخلق طلباً مزدوجاً على العملتين ويزيد الضغوط على سوق الصرف.

كيف تنتقل العمولات إلى الأسعار؟

لا يقف الأثر عند حدود سوق العملات، إذ يرى خزام أن انتقال تكاليف الاستبدال إلى حلقات التجارة المختلفة قد يقود إلى موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، فالتاجر الذي يضطر إلى دفع عمولة لتحويل أمواله، أو يتحمل كلفة شراء الدولار بسعر أعلى لإتمام صفقاته، لن يمتص هذه الخسائر من هامش ربحه، بل سيضيفها إلى السعر النهائي للسلعة، لتتحول العمولة التي بدأت داخل السوق النقدية إلى عبء يتحمله المستهلك في نهاية المطاف.

ويضيف أن بعض المؤشرات على هذا السلوك بدأت بالظهور بالفعل، مع تداول معلومات عن لجوء أصحاب الكتل النقدية الكبيرة إلى وسطاء لتسريع عمليات الاستبدال أو لتجاوز بعض التعقيدات الإجرائية، في حين يواجه التجار الذين ما زالت معظم مبيعاتهم تتم بالليرة القديمة صعوبة متزايدة في شراء بضائع جديدة من الموردين الذين يفضلون استلام الدولار أو الإصدار النقدي الجديد.

ويضرب مثالاً بتاجر يملك حصيلة مبيعات تبلغ عشرة ملايين ليرة من الإصدار القديم، بينما يرفض الموردون قبول هذه الأموال، فيجد نفسه أمام خيارين؛ إما البحث عن وسيط يتولى استبدالها مقابل عمولة، أو شراء الدولار بسعر أعلى من سعره الفعلي إذا كان الدفع سيتم بالعملة القديمة، وفي الحالتين، ترتفع تكلفة النشاط التجاري، لتنعكس لاحقاً على أسعار السلع في الأسواق.

شرط الـ100 ورقة يثير الجدل

يثير خزام أيضاً تساؤلات حول اشتراط مصرف سوريا المركزي قبول طلبات استبدال الأوراق النقدية بعد انتهاء المهلة إذا كانت مقدمة ضمن رزم لا تقل عن مئة ورقة من الفئة الواحدة، معتبراً أن هذا الشرط قد يخلق سوقاً جديدة لتجميع الأوراق النقدية واستكمال الرزم المطلوبة مقابل مبالغ إضافية، ولا سيما بالنسبة للأفراد الذين يحتفظون بكميات محدودة من بعض الفئات.

ويرى أن مثل هذه الاشتراطات، حتى وإن كانت ذات أهداف تنظيمية، قد تنتج آثاراً جانبية تمنح الوسطاء دوراً أكبر في السوق، بدلاً من تقليصه.

أعلن مصرف سوريا المركزي أن الأوراق النقدية القديمة ستفقد اعتباراً من 31 تموز قوتها الإبرائية- إنترنت

ورغم تصاعد هذه التحذيرات، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تؤكد نشوء سوق موازية واسعة النطاق لتداول الليرة الجديدة أو وجود سعرين رسميين للدولار، وهو ما يجعل كثيراً من السيناريوهات المطروحة أقرب إلى توقعات مبنية على سلوك الأسواق منها إلى وقائع مكتملة.

إلا أن خبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن الأسواق لا تنتظر دائماً صدور القرارات الرسمية حتى تعيد ترتيب أولوياتها، بل تستجيب سريعاً لأي تغير في مستوى المخاطر أو في سهولة الوصول إلى السيولة، وهو ما يفسر تراجع قبول بعض المتعاملين للإصدار القديم قبل انتهاء صلاحيته القانونية.

“المركزي” يدافع عن آلية الاستبدال

في المقابل، يؤكد مصرف سوريا المركزي أن عملية استبدال الأوراق النقدية تسير وفق الخطة الموضوعة، وأن نسب الإنجاز بلغت مستويات متقدمة، داعياً المواطنين إلى عدم التعامل مع أي وسطاء أو دفع عمولات لقاء خدمات الاستبدال، والتوجه حصراً إلى القنوات الرسمية، مشدداً على أن عمليات السحب والاستبدال لا يترتب عليها أي رسوم أو ضرائب داخل المصرف المركزي.

 كما يبرر المصرف الإجراءات التنظيمية المرتبطة بمرحلة ما بعد انتهاء المهلة بأنها تهدف إلى تنظيم عملية استقبال الأوراق النقدية القديمة والحد من محاولات استغلالها في عمليات غسل الأموال أو إدخال كتل نقدية مجهولة المصدر إلى النظام المصرفي، وهو ما يفسر تشديد الضوابط الخاصة بعمليات السحب اللاحقة.

غير أن اقتصاديين يرون أن نجاح أي عملية لاستبدال العملة لا يُقاس فقط بقدرة البنك المركزي على سحب الإصدار القديم، وإنما بمدى نجاحه في الحفاظ على حياد السوق خلال المرحلة الانتقالية، فكلما شعر المواطن أو التاجر بأن الحصول على العملة الجديدة أصبح أكثر صعوبة، ازدادت قيمتها الفعلية داخل السوق، وارتفعت فرص المضاربة عليها، حتى وإن بقيت قيمتها الاسمية ثابتة.

وتمثل  المرحلة الحالية اختباراً مزدوجاً للسياسة النقدية؛ فمن جهة، تسعى السلطات إلى استكمال عملية استبدال العملة دون اضطرابات، ومن جهة أخرى، تحاول الحفاظ على الثقة بالليرة الجديدة ومنع تحولها إلى أداة للمضاربة.

 وإذا نجحت في ضمان وفرة السيولة واستمرار انسياب النقد بين المواطنين والتجار، فإن الآثار الجانبية للعملية قد تبقى محدودة ومؤقتة، أما إذا استمرت الاختناقات أو اتسعت الفجوة بين الطلب على الإصدار الجديد والكميات المتاحة للتداول، فقد تجد الأسواق نفسها أمام دورة جديدة من ارتفاع تكاليف المعاملات واتساع نشاط الوسطاء.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم