في مشهدٍ يختزل عمق الهوة بين واقع الدخل المتردي وتكاليف العيش الآخذة في الانفلات، تقف سوق العقارات في المدن السورية الكبرى، وفي مقدمتها دمشق وريفها، أمام موجة غلاء غير مسبوقة في بدلات الإيجار، جعلت من تأمين سقف ملائم حلماً يستنزف طاقات الأسر السورية بأكملها.
ولم تعد المعادلة الاقتصادية في البلاد تخضع لمنطق التوازن الطبيعي بين الأجر وكلفة المأوى؛ إذ بات الحصول على شقة متواضعة في أطراف العاصمة يتطلب أضعاف ما يتقاضاه الموظف في القطاعين العام أو الخاص مجتمعين، في ظل أرقام أممية تشير إلى أن أكثر من تسعين بالمئة من السوريين يرزحون تحت خط الفقر.
عرض شحيح وطلب متزايد
يعزو الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف هذا الارتفاع إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، موضحاً أن ندرة العقارات المتاحة للإيجار مقابل زيادة الطلب دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.
ويقول إن غالبية المالكين باتوا يفضلون تقاضي بدل الإيجار بالدولار، في حين تراجع عدد من يقبلون الدفع بالليرة السورية، وهو ما يزيد الضغوط على المستأجرين الذين تتلقى الغالبية العظمى منهم دخولها بالعملة المحلية.

وبحسب يوسف، تبدأ إيجارات العقارات في المناطق العشوائية من نحو 200 إلى 300 دولار شهرياً، وترتفع في المناطق الشعبية المقبولة إلى 300 أو 400 دولار، فيما تتجاوز في الأحياء الراقية حاجز الألف دولار.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها الحقيقية عند مقارنتها بمستوى الأجور؛ إذ أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن متوسط الإيجار في دمشق وصل في 2026 إلى نحو ألف دولار، في حين تراوحت الرواتب التي جرى الاستناد إليها بين 200 و300 دولار.
أزمة سكن ممتدة
لا تبدو الفجوة بين الإيجار والدخل حالة عابرة، بل نتيجة مباشرة لتراكم أزمات اقتصادية وسكنية امتدت لسنوات، فقد أدى تدمير أو تضرر نحو ثلث الوحدات السكنية في البلاد خلال الحرب إلى تقليص المعروض، ولا سيما في محيط دمشق، بينما أسهمت عودة بعض السكان والنمو السكاني وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار في زيادة الطلب على الوحدات المتاحة.
وتؤكد البيانات الحديثة أن أسعار الإيجارات ارتفعت خلال 2025 في عدد من المحافظات، مع تسجيل مستويات مرتفعة بشكل خاص في دمشق.
ومع اتساع هذه الفجوة، اضطر أصحاب الدخل المحدود إلى ابتكار حلول قاسية لتأمين السكن، من بينها العمل في أكثر من وظيفة، والاعتماد على الحوالات المالية القادمة من الخارج، أو تقاسم المسكن بين أكثر من عائلة.
ولا يأتي الاعتماد على الحوالات من فراغ؛ فبيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة دفعا مزيداً من الأسر إلى الاعتماد عليها كمصدر أساسي للدخل.
بين الاستغلال والاضطرار
يرى يوسف أن مطالبة المالك بدفع الإيجار بالدولار تمثل شكلاً من أشكال الاستغلال، لكنه يربط انتشار هذه الممارسة أيضاً بتدهور القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة بالنسبة إلى المالك نفسه.
وفي ظل غياب توازن حقيقي بين دخل الأسرة وتكلفة السكن، تبدو السوق وكأنها تدفع طرفي المعادلة إلى البحث عن وسيلة للبقاء، فيما يتحمل المستأجر العبء الأكبر في النهاية.

وتزداد الضغوط مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والسلع، إذ انعكست الزيادات في أسعار المحروقات على كلفة الحياة اليومية، ما يرفع بدوره النفقات التي يتحملها أصحاب العقارات والمستأجرون على حد سواء.
وقد أدى رفع أسعار الوقود أخيراً إلى موجة احتجاجات واسعة، في مؤشر جديد على حساسية الوضع المعيشي وقدرة أي زيادة إضافية في الأسعار على إشعال التوتر الاجتماعي.
معضلة ضبط الإيجارات
في المقابل، تبدو مهمة ضبط سوق الإيجارات شديدة التعقيد؛ ففرض سقف سعري قد يدفع بعض المالكين إلى سحب عقاراتهم من السوق، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من نقص المعروض، لكن ترك السوق من دون ضوابط في ظل اتساع الفجوة بين الإيجارات والأجور يعني عملياً تحميل الأسر ذات الدخل المحدود كلفة أزمة لا تملك أدوات التعامل معها.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة على نحو أكثر وضوحاً، فوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء تشير إلى أن الأجور في سوريا لا تزال تغطي نحو ثلث الاحتياجات الأساسية للأسر، فيما يعيش ما لا يقل عن ربع السكان في فقر مدقع، ويعيش 67 بالمئة منهم تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى.
وبذلك، لم يعد ارتفاع الإيجارات مجرد ملف عقاري أو نتيجة مؤقتة لزيادة الطلب، بل أصبح واحداً من أبرز مظاهر الاختلال بين الدخل وتكاليف المعيشة في سوريا.
وبينما تقترب كلفة السكن في بعض المناطق من مستويات دول الجوار، يبقى دخل المواطن بعيداً عنها، لتتحول الشقة التي يفترض أن تكون ملاذاً للأسرة إلى أكبر بند يستنزف دخلها، وربما إلى العامل الذي يحدد قدرتها على تأمين الغذاء والصحة والتعليم قبل أي احتياج آخر.
- “تتجاوز دخل المواطن”.. كيف تحولت إيجارات الشقق في سوريا إلى عبء لا يُحتمل؟
- مقتل ثلاثة شبان علويين بإطلاق نار على سيارتهم في ريف طرطوس
- حفر وتوغلات.. تحركات إسرائيلية متزامنة في جنوب سوريا
- 1500 دولار شهرياً للعضو.. كم يدفع السوريون لمجلس الشعب سنوياً؟
- 3 محافظات على صفيح الاحتجاج.. الكهرباء والمستحقات تشعل الغضب في سوريا

