أكثر من 2500 ملف أمام القضاء السوري في مسار العدالة الانتقالية

دخل مسار العدالة الانتقالية في سوريا مرحلة جديدة مع إعلان وزارة الخارجية والمغتربين وجود أكثر من 2500 ملف موزعة بين التحقيق والنيابة العامة والقضاء، في وقت تعمل فيه مؤسسات جديدة على معالجة ملفات الانتهاكات السابقة، وفي مقدمتها قضية المفقودين والمختفين قسراً.

وقال رئيس قسم حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، ياسر الفرحان، خلال الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إن القضاء السوري بدأ مساراً قضائياً يستند إلى الإعلان الدستوري والقوانين الوطنية والمعايير الدولية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات في الماضي.

وبحسب الفرحان، فصلت محكمة الجنايات المختصة في خمس دعاوى، بينما تنظر في 12 دعوى أخرى، في حين توجد 69 ملفاً أمام قاضي الإحالة، إضافة إلى 1147 ملفاً قيد التحقيق ونحو 1333 ملفاً لدى النيابة العامة.

وتشير هذه الأرقام إلى اتساع نطاق الملفات التي دخلت المسار القضائي، لكنها موزعة بين مراحل مختلفة، من التحقيق الأولي إلى الإحالة والمحاكمة، ما يعني أن جميعها لا تمثل قضايا وصلت إلى مرحلة المحاكمة أو صدرت فيها أحكام.

من التحقيق إلى المحاكمة

تقول الحكومة السورية إن المسار القضائي الجديد يقوم على مجموعة من الضمانات، تشمل علنية المحاكمات، وإتاحة حضور المراقبين الدوليين والمنظمات الحقوقية، إلى جانب ضمان حقوق الدفاع والتواصل مع العائلات ومشاركة الضحايا.

القصر العدلي في حلب – تعبيري

وأشار الفرحان كذلك إلى ما وصفه بسلامة الإجراءات واستقلال القضاء، مشيراً إلى وجود مسار تشريعي جديد لتعزيز حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون.

وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة في ملف العدالة الانتقالية، إذ لا تقتصر المسألة على عدد الأشخاص الذين ستتم محاسبتهم، وإنما تشمل أيضاً طبيعة الإجراءات التي ستتبعها المحاكم، ومدى استقلالها، وحقوق المتهمين والضحايا، وقدرة القضاء على التعامل مع ملفات الانتهاكات وفق معايير المحاكمة العادلة.

واعتبر الفرحان أن إدراج سوريا للمرة الأولى على البند الثاني من جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان، بدلاً من البند الرابع، يعكس، من وجهة نظر الحكومة السورية، مرحلة جديدة من القطيعة مع الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي شهدتها البلاد في الماضي.

المفقودون.. مسار موازٍ للعدالة

لا يقتصر مسار العدالة الانتقالية على المحاكم. فملف عشرات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لارتباطه بمصير العائلات، والمقابر الجماعية، وتحديد أماكن المفقودين وكشف مصيرهم.

وقال الفرحان إن الهيئة الوطنية للمفقودين قطعت خطوات في بناء هيكلها المؤسسي وإعداد الإطار التشريعي المنظم لعملها، بالتشاور مع عائلات الضحايا والمجتمع المدني.

كما أشار إلى إطلاق برنامج “أثر” الوطني للإبلاغ عن المفقودين، وتطوير قاعدة بيانات مركزية، إلى جانب تنفيذ 194 استجابة ميدانية مرتبطة بملفات المفقودين والمقابر الجماعية.

وأعلنت الهيئة في 30 آب/أغسطس الماضي إطلاق برنامج “أثر” عبر تطبيق للهواتف المحمولة وموقعها الإلكتروني، بهدف توفير وسيلة للعائلات لتسجيل بيانات ذويها وتقديم البلاغات المتعلقة بالمفقودين والمختفين قسراً.

وتأسست الهيئة الوطنية للمفقودين في أيار/مايو 2025 بموجب مرسوم رئاسي بوصفها هيئة مستقلة معنية بملف المفقودين، ومن مهامها توثيق حالات الاختفاء وإنشاء قاعدة بيانات وطنية ومتابعة مصير المفقودين.

بين المسار الوطني والرقابة الدولية

تحاول دمشق تقديم المسار القضائي الجديد باعتباره جزءاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب، مع التأكيد على أن المحاسبة ستتم عبر القضاء الوطني ووفق معايير المحاكمة العادلة.

ممثل سوريا يلقي كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف (سانا)

لكن نجاح هذا المسار يقاس بمدى تحولها إلى إجراءات قضائية فعالة وشفافة، وبقدرة المؤسسات على حماية الأدلة والشهود والضحايا، وضمان حقوق الدفاع، والوصول في النهاية إلى أحكام قابلة للتنفيذ.

وتضع الأرقام التي أعلنتها وزارة الخارجية حجم المهمة أمام المؤسسات السورية، فيما لا تزال ملفات أخرى مرتبطة بالمفقودين والمقابر الجماعية بحاجة إلى توثيق وتحقيق ميداني.

وبذلك، فإن المرحلة المقبلة تتعلق بقدرة الدولة السورية على بناء مسار عدالة انتقالية يجمع بين المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر، ويخضع في الوقت نفسه لرقابة تسمح بقياس استقلال القضاء وشفافية الإجراءات.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم