اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية التركية.. اختبار معادلة الردع الجديدة

بعد تجدد الهجمات “الحوثية” على مواقع في المملكة العربية السعودية، ولا سيما في مدن ومناطق جنوبية، وتصاعد استهداف المنشآت الحيوية والطاقة، يعود إلى الواجهة سؤال بالغ الأهمية حول جدية اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها الرياض مع باكستان وتركيا، ومدى استعداد الأطراف الموقعة على ترجمة هذه الاتفاقية من إطار سياسي وأمني إلى ترتيبات دفاعية عملية.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ضوء التطورات التي شهدتها الأيام الأخيرة، بعدما قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك يمكن أن تصبح “عملية” إذا امتد الصراع في اليمن إلى الأراضي السعودية، مؤكداً أن بلاده ملتزمة ببنود الاتفاقية. وجاء ذلك بعد هجمات “حوثية” على السعودية أسفرت عن إصابة عشرات الأشخاص واستهدفت مواقع ومنشآت في المملكة.

“اتفاقية مكة” وكيفية تفعيلها

لكن الموقف الباكستاني سرعان ما كشف عن تعقيد أكبر في مسألة التفعيل، إذ أكدت الخارجية الباكستانية، في المقابل، عدم وجود نقاش حالي بشأن استجابة عسكرية بموجب الاتفاقية للهجمات “الحوثية”، مع التشديد على أن إسلام آباد ستتصرف وفق الاتفاقية عندما يحين الوقت.

ويكشف هذا التباين بين الحديث عن إمكانية التفعيل من جهة، وعدم وجود رد عسكري قيد النقاش من جهة أخرى، عن الفجوة التي يمكن أن تفصل بين الالتزام السياسي والقدرة على تحويله إلى استجابة عملياتية.

لحظة توقيع “اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك” بقصر الصفا في مكة المكرمة خلا آب/أغسطس. “واس”

وهنا تحديداً تبدو أهمية السؤال المتعلق بجدية الاتفاقية، إذ إن المسألة لا تتعلق بمجرد رد فعل على هجمات معينة، ولكن باختبار حقيقي لقدرة التحالفات الأمنية الجديدة في المنطقة على إنتاج معادلة ردع مختلفة، وعلى حماية الدول الحليفة ومصالحها الحيوية عندما تتعرض لتهديد مباشر من جماعات مسلحة مرتبطة بمشروع إقليمي معادي.

ولا تبدو الهجمات الأخيرة محدودة من حيث طبيعتها أو أهدافها. فقد أصدرت السعودية، أمس الثلاثاء، تحذيرات أمنية واسعة شملت مناطق عدة، من بينها مكة وجدة، على خلفية تصاعد هجمات الجماعات المرتبطة بإيران، ولا سيما “الحوثيين”. كما أدى استهداف البنية التحتية للطاقة إلى تعطيل عمليات تحميل النفط في ميناء ينبع، فيما بقي خط أنابيب الشرق-الغرب متوقفاً بعد تعرضه لهجمات، الأمر الذي دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وسط مخاوف من تأثير الاضطرابات على إمدادات الطاقة العالمية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأن التهديد لم يعد يقتصر على الأراضي السعودية، وإنما يتصل بصورة مباشرة بأمن الممرات البحرية. فقد تمكن “الحوثيون”، وفق تقارير حديثة، من التقدم على الساحل الغربي لليمن والسيطرة على مواقع استراتيجية قرب البحر الأحمر، بما يعزز مخاطر التهديد الذي يطاول باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة.

في المقابل، أدانت تركيا الهجمات “الحوثية” على السعودية، في وقت تحاول فيه الاتفاقية الثلاثية الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى بناء آليات تنفيذية. وكان وزراء خارجية الدول الثلاث قد عقدوا في 31 آب/أغسطس أول اجتماع للجنة المشتركة المعنية بالاتفاقية في إسطنبول، في خطوة عكست بدء العمل على وضع الترتيبات المرتبطة بها موضع التنفيذ.

وربما تضع هذه التطورات الموقف التركي صوب اتفاقية الدفاع أمام لحظة سؤال جدي، يرتبط بمدى استعداد أنقرة للانتقال من الإدانة السياسية إلى التفعيل العملي لمقتضيات الدفاع المشترك، إذا استمرت الهجمات “الحوثية” أو توسعت العمليات العسكرية في اليمن.

وقد برز بالفعل نقاش علني حول هذا الأمر، بعدما رفض مسؤول تركي كبير الانتقادات التي اعتبرت أن اتفاقية مكة فشلت في الاستجابة للهجمات “الحوثية”، في إشارة إلى أن عدم إرسال قوات أو إعلان تدخل عسكري مباشر لا يعني بالضرورة أن الاتفاقية غير فاعلة.

إذاً، قد يبدو من الأهمية بمكان تبيان أن قياس جدية وفعّالية هذه الاتفاقية ليس مرتبطاً بالضرورة بانتقال الأطراف المتحالفة في هذه الاتفاقية نحو مواقع الهجوم والاحتشاد بعضاً لبعض ضد خصم معين في نقطة جغرافية معلومة، قد تبدو هنا جماعة “الحوثي” أو إيران من خلفهم، وإنما قد تتبدى في بعض الأنشطة والمظاهر العسكرية والاستخباراتية، فضلاً عن إنتاج مظلة دفاعية أكثر اتساعاً حول المواقع المستهدفة في المملكة العربية السعودية، سواء من خلال الدفاع الجوي، أو تبادل المعلومات والاستخبارات، أو حماية المنشآت الحيوية، أو تأمين الممرات البحرية، أو أي ترتيبات عسكرية أخرى ترفع تكلفة استهداف المواقع الحيوية في السعودية.

وهذا تحديداً ما يجعل الاختبار الحالي مختلفاً عن مسألة إرسال قوات باكستانية أو تركية إلى اليمن. فالتدخل العسكري المباشر في الحرب اليمنية يبدو، في الوقت الراهن، أقل احتمالاً من أشكال أخرى من الدعم، مثل تعزيز الدفاعات الجوية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم التقني، وترتيبات حماية الملاحة والممرات البحرية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن تفعيل الاتفاقية، في حال طلبت السعودية ذلك، قد يأخذ مثل هذه الأشكال بدلاً من الانخراط المباشر في الحرب داخل اليمن.

وبالتالي، قد يبدو مبكراً الحكم بحسم على ما يمكن أن تقدمه اتفاقية الدفاع المشترك، وما أنتجته من معادلات ردع مختلفة، إذ إن تلك المعادلات لا تُقاس فقط بحجم القوة المحتملة في العمليات العسكرية، وإنما تُعرف بمدى ما تتركه من آليات منع لدى العدو، وقدرتها على تقويض نطاق المواجهة بشكل أو بآخر، وهو ما يجعل احتمالات التفعيل وسيناريوهات التنفيذ الفعّلي للاتفاقية حيزاً حقيقياً من بنية الاتفاقية ومعادلة الردع نفسها.

باب المندب يدخل حسابات الأمن السعودي

وتشير قراءة تحليلية حديثة للاتفاقية إلى وجود ما يمكن وصفه بـ”فجوة المصداقية” بين الوعود السياسية والقدرات العملياتية، إذ إن اتفاقيات الدفاع الجماعي لا تصبح أدوات ردع حقيقية بمجرد إعلان الالتزام المتبادل، وإنما تحتاج إلى آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتكامل عسكري، وقدرات مشتركة، وإدارة للتصعيد.

استمرار “الحوثيين” في الضغط على السعودية وتهديد باب المندب قد يحول التصعيد من أزمة يمنية قابلة للاحتواء إلى اختبار مباشر لمنظومة الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية. “وكالات”

ذلك أن الشرق الأوسط يبدو، بصورة متزايدة، أمام واقع استراتيجي جديد في الصراع مع إيران والأذرع المسلحة التابعة لها، وفي مقدمتها جماعة “الحوثي” في اليمن. ويأتي في مقدمة دوافع هذا التحول إدراك متزايد بأن حرية الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، لا يمكن أن تظل رهينة للتطورات العسكرية الميدانية أو أداة من أدوات الضغط في الصراعات الإقليمية.

فالسيطرة على الممرات البحرية أو تهديد أمنها لا ينعكس على الدول المتصارعة وحدها، وإنما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد والطاقة، وأمن التجارة الدولية. وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى السعودية في ظل اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ أصبح باب المندب والبحر الأحمر أكثر أهمية بالنسبة إلى قدرة المملكة على الحفاظ على مسارات بديلة لتصدير الطاقة.

وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن تقدم “الحوثيين” على الساحل الغربي لليمن يضيف ضغطاً مباشراً على صادرات النفط السعودية وحركة التجارة الدولية. ومن ثم، فإن حماية هذه الممرات تتحول تدريجياً من مسألة أمنية إقليمية إلى مصلحة دولية مشتركة، بما يفرض ترتيبات جديدة للقوة والردع والنفوذ في الشرق الأوسط.

وقال المحلل السياسي اليمني، الدكتور أمين العلياني، إن التصعيد “الحوثي” انتقل من خطوط التماس التقليدية إلى الساحل الغربي وباب المندب، ما يمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد الملاحة الدولية والطاقة، ويحوّل الساحل إلى ورقة ضغط إقليمية تتقاطع مع الصراع الأوسع مع إيران.

وأضاف العلياني لـ”الحل نت” أن التهديد الحوثي لم يعد محصوراً في الحدود الجنوبية للسعودية، بل أصبح يجمع بين استهداف الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية والضغط على باب المندب والبحر الأحمر، ما يجعل حماية الساحل والممرات البحرية جزءًا من الأمن القومي السعودي.

وأشار إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان دخلت مرحلة الاختبار السياسي والاستراتيجي، خصوصاً بعد وصول الهجمات “الحوثية” إلى الأراضي السعودية واستمرارها، بالتزامن مع تهديد الطاقة والملاحة.

واعتبر العلياني أن تصريحات وزير الدفاع الباكستاني بشأن إمكانية تفعّيل الاتفاقية تمثل رسالة ردع إلى “الحوثيين” وإيران، في حين يعكس عدم وجود ترتيبات عسكرية فورية رغبة باكستان في إبقاء الردع قائماً من دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة.

إن استمرار “الحوثيين” في الضغط على السعودية وتهديد باب المندب قد يحول التصعيد من أزمة يمنية قابلة للاحتواء إلى اختبار مباشر لمنظومة الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

المحلل السياسي اليمني، أمين العلياني لـ”الحل نت”

وفي مؤشر لافت على طبيعة المرحلة، تتعامل السعودية مع التهديد “الحوثي” كونه جزءًا من بيئة أمنية خارج حدود اليمن، تتعرض فيها منشآتها الحيوية وممراتها النفطية والملاحية لضغوط متزامنة. وقد أكد مجلس الوزراء السعودي، خلال جلسته برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في جدة، “مضي المملكة في الدفاع عن سيادتها والحفاظ على أمن المواطنين والمقيمين وصون مقدراتها الوطنية، مشدداً على رفضه القاطع للنهج العدائي والسلوك الإجرامي الذي دأبت عليه ميليشيا الحوثي في تهديد استقرار اليمن ومحيطه العربي والإسلامي”.

ولا تبدو أهمية هذا الموقف في لهجته السياسية فحسب، وإنما في كونه يكشف عن درجة مختلفة ونبرة أكثر حسماً من الجانب السعودي تجاه التهديدات “الحوثية”، نحو مستوى أكثر ارتباطاً بمفهوم الدفاع عن السيادة والأمن الإقليمي وحرية الملاحة، وهو ما يكتسب دلالة إضافية في ضوء ترتيبات الدفاع والأمن الجديدة التي تنخرط فيها المملكة، سواء من جانبها أو من خلال تحالفاتها المشتركة عسكرياً، خاصة وقد أدى استهداف خط أنابيب الشرق-الغرب وتعطيل تحميل النفط في ينبع إلى انتقال تداعيات المواجهة إلى سوق الطاقة العالمية، مع ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف بشأن الإمدادات.

المنطقة وضرورة حصر السلاح داخل الدولة

لعل التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة تكشف عن اتجاه أوسع من مجرد المواجهة المباشرة بين إيران وخصومها. فالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك المواجهات بين إسرائيل وإيران و”حزب الله”، تزامن مع تحولات داخلية وإقليمية عميقة أعادت طرح سؤال الدولة واحتكارها للسلاح كأحد أهم عناوين المرحلة المقبلة.

وقد كان سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في نهاية عام 2024 أحد أبرز المؤشرات على حجم التحول الذي تشهده البيئة الإقليمية. كما أن التطورات السياسية في لبنان، مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة تضع مسألة حصر السلاح بيد الدولة ضمن أولوياتها، تعكس بدورها اتجاهاً نحو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنظيمات المسلحة.

وينطبق الأمر ذاته، بدرجات مختلفة، على العراق، حيث يتقدم النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة، في ظل ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة لإعادة تعريف مفهوم السيادة الأمنية للدولة.

وفي اليمن، تتقاطع هذه التحولات مع المسار العسكري والسياسي المتعلق بجماعة “الحوثي”. فكلما ازداد الضغط الإقليمي والدولي على الجماعة، وكلما أصبحت قدرتها على استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الملاحة والمنشآت الحيوية في دول المنطقة موضع مواجهة مباشرة، أصبح الصراع جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل الدولة اليمنية، ومن يمتلك قرار الحرب والسلم فيها.

باكستان بين الالتزام الدفاعي وتجنب الحرب

ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن تدبر مسارات اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية-التركية، وارتباطها بجملة من الترتيبات الأمنية الأخرى التي تعوزها المنطقة في الأفق المنظور كجدارية ردع مطلوبة ضد المخاطر التي تعمل طهران على تفجيرها في الجغرافيا السياسية داخل الشرق الأوسط، لرفع درجة تكلفة العمليات العسكرية ضدها، ما يجعل الولايات المتحدة الأميركية والحلفاء في المنطقة يرفعون بالتبعية درجة المواجهة، كما يعملون على حلحلة قدرة النظام الإيراني على الاستمرار بوتيرة منتظمة في العمليات الهجومية على أكثر من موقع، من خلال استنزاف وشل قدرات الأذرع الوظيفية في لبنان واليمن والعراق.

لكن المعضلة الباكستانية تظل أكثر تعقيداً؛ فإسلام آباد تحاول في الوقت ذاته الحفاظ على التزامها الأمني تجاه الرياض، وعدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة واسعة مع “الحوثيين” أو إيران. وقد نقلت تقارير حديثة أن باكستان وجهت تحذيراً إلى إيران بضرورة كبح جماح حلفائها “الحوثيين”، في وقت أكدت فيه عدم وجود نقاش بشأن رد عسكري مباشر بموجب “اتفاقية مكة”. وهذا يعكس رغبة باكستان في استخدام الاتفاقية كأداة ردع وضغط، من دون الانتقال سريعاً إلى حرب مفتوحة.

كما أن ذلك قد يعني احتمالية نشوء تحالفات جديدة أو التوسع في تحالفات قائمة بدخول دول جديدة لضبط سلوك إيران العدائي، خصوصاً مع تزايد القناعة لدى دول المنطقة بأن الاعتماد على مظلة أمنية واحدة لم يعد كافياً لمواجهة تعدد مصادر التهديد.

إذن، فهم معادلة الردع الجديدة في الشرق الأوسط، في ضوء التطورات الجارية وارتفاع درجة المخاطر في الجغرافيا الساخنة، يستقر عند ارتفاع تكلفة الهجمات الإيرانية عموماً و”الحوثية” خصوصاً، ما يعني درجة أعلى في الاستقرار الوظيفي داخل الشرق الأوسط، مع اعتبار أن ذلك يحتاج إلى الوقت والاختبارات اللازمة للتوثق من آليات الردع والقوة.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي لاتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية-التركية لا يكمن بالضرورة في دخول قوات باكستانية أو تركية إلى الحرب اليمنية، وإنما في قدرتها على تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة دفاعية موثوقة، تجعل استهداف السعودية والمنشآت الحيوية فيها أكثر تكلفة، وتدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم قبل التوجه نحو خيار التصعيد.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم