بعد 134 قتيلاً منذ مطلع العام.. هل تستطيع سوريا استعادة احتكار السلاح؟

بعد 134 قتيلاً منذ مطلع العام.. هل تستطيع سوريا استعادة احتكار السلاح؟

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان، منذ مطلع عام 2026، مقتل 134 شخصاً نتيجة الرصاص الطائش وإطلاق النار عن طريق الخطأ، في حوادث قال إنها مرتبطة بانتشار الأسلحة والقنابل بين المدنيين. وبين الضحايا 86 رجلاً و42 طفلاً و6 نساء، فيما أُصيب 142 شخصاً آخرين بجروح.

وسُجّل الجزء الأكبر من هذه الخسائر في مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية، حيث قُتل 114 شخصاً، بينهم 34 طفلاً و4 نساء، وأصيب 116 آخرون، وفق إحصائية المرصد.

وتأتي هذه الأرقام رغم الإجراءات التي أعلنتها السلطات السورية خلال الفترة الماضية لحصر السلاح في سوريا وتنظيم التراخيص، إلى جانب إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية ودمج عدد من الفصائل ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.

لكن استمرار حوادث إطلاق النار والاقتتالات المحلية يطرح أسئلة حول حجم السلاح الذي ما يزال خارج المؤسسات الرسمية، ومدى قدرة الدولة على حصره. كما يفتح الملف على قضايا التراخيص، وسلاح المقاتلين السابقين، وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج “DDR”، ومدى ارتباط ذلك بالثقة بمؤسسات الدولة ومسار العدالة الانتقالية.

السلاح لم يخرج من الحياة اليومية

ورغم إعادة تشكيل المؤسسات العسكرية ودمج معظم الفصائل ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ما تزال الأسلحة الفردية تظهر في حوادث يومية بعيدة عن العمل العسكري والأمني.

بيان النفير العام لمجلس القبائل والعشائر السورية – إنترنت

إذ ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع عام 2026 مقتل 134 شخصاً وإصابة 142 آخرين بالرصاص الطائش أو بإطلاق النار عن طريق الخطأ، في حوادث مرتبطة بانتشار الأسلحة والقنابل بين المدنيين. وبين القتلى 42 طفلاً و6 نساء.

وخلال الأيام الأخيرة وحدها، قُتل طفل في العاشرة من عمره داخل منزله في بلدة تل شهاب بريف درعا، بعدما أصيب بطلق ناري أثناء العبث بسلاح. كما قُتل شاب في ريف حمص الغربي في 5 أيلول/سبتمبر إثر خروج طلقة من سلاحه عن طريق الخطأ أثناء تنظيفه. وقبل ذلك بأيام، توفيت طفلة في بلدة كللي بريف إدلب متأثرة بإصابتها برصاصة أطلقت خلال حفل زفاف.

ولا يقتصر استخدام السلاح على الحوادث الفردية والمناسبات. فقد وثق المرصد منذ بداية العام 125 اقتتالاً عائلياً وعشائرياً، أسفرت عن مقتل 103 أشخاص وإصابة 220 آخرين، بينها 114 اقتتالاً في مناطق الحكومة.

إجراءات حكومية لضبط السلاح

وخلال عام 2025 بدأت الحكومة السورية تحويل ملف حصر السلاح إلى إجراءات تنفيذية، ففي 6 أيار/مايو، بحث وزيرا الدفاع مرهف أبو قصرة والداخلية أنس خطاب “سبل البدء في عمليات حصر السلاح بيد الدولة”، إلى جانب منع وصوله إلى المجموعات الخارجة عن القانون وضبط تهريبه عبر الحدود، وفق وكالة السورية للأنباء “سانا“.

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن الوزارة تعمل مع الدفاع على “حزمة من القوانين” للحد من السلاح المنفلت ووقف انتشاره. كما بدأت وزارة الدفاع العمل على بطاقات حمل السلاح للعناصر والضباط، ضمن إجراءات تنظيمية داخل المؤسسة العسكرية.

وعلى المستوى المحلي، أصدرت قيادة الأمن الداخلي في درعا، في أيلول/سبتمبر 2025، قرااراً يمنع حمل السلاح في الأماكن العامة، والتباهي به أو استخدامه في المناسبات والتجمعات، مع التوعد بإجراءات قانونية بحق المخالفين. وفي محافظات أخرى، نفذت الأجهزة الأمنية حملات لضبط أسلحة وذخائر وملاحقة أشخاص متهمين بالاتجار بها.

وعلى مستوى تنظيم استخدام السلاح، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في آذار/مارس 2026 المرسوم رقم 55، الذي حصر حصول شركات الحماية والحراسة الخاصة على الأسلحة والذخائر عبر وزارة الداخلية، ومنع حراسها من حمل السلاح خارج نطاق العمل.

بين دمج المقاتلين ونزع سلاحهم

لا يعني دمج الفصائل في وزارتي الدفاع والداخلية أن ملف السلاح حُسم تلقائياً. فالسلاح الموجود خارج مؤسسات الدولة لا يقتصر، بحسب المحقق المختص بجرائم الحرب ومدير “الآلية السورية للتحقيق” ياسر شالاتي، على الفصائل التي جرى دمجها، بل يشمل أيضاً مجموعات وميليشيات سابقة وتشكيلات عشائرية ما تزال تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة.

ويشير شالاتي إلى أن المشكلة تمتد أيضاً إلى بعض عناصر المؤسسات العسكرية والأمنية أنفسهم، عندما يحتفظ العنصر بسلاحه خارج مكان خدمته، سواء في المنزل أو السيارة، أو يستخدمه في خلافات شخصية، وبرأيه، لا يمكن عندها الحديث عن حصر كامل للسلاح، حتى لو كان حامله منتسباً رسمياً إلى وزارة الدفاع أو الداخلية.

وفي تجارب الدول الخارجة من النزاعات، يُستخدم برنامج “DDR”، وهو اختصار لـ “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج”، ويهدف إلى جمع أسلحة المقاتلين، إنهاء ارتباطهم بالتشكيلات المسلحة، ثم إعادة دمجهم في الحياة المدنية أو ضمن مؤسسات الدولة وفق ضوابط محددة.

ويرى شالاتي أن تطبيق نموذج جاهز من برنامج “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج”، على سوريا لن يكون مناسباً، بسبب اختلاف أوضاع المناطق وتعدد الجهات التي تحمل السلاح. ويضيف أن أي برنامج من هذا النوع يحتاج أولاً إلى قراءة خاصة للحالة السورية، وإلى إرادة سياسية واضحة من أعلى مستويات السلطة.

كما ينتقد شالاتي استعانة الحكومة بتشكيلات عشائرية مسلحة في بعض النزاعات، معتبراً أن منحها دوراً عسكرياً أو سياسياً قد يضفي شرعية، مباشرة أو غير مباشرة، على بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.

السلاح كبديل عن الثقة

لا يرتبط التخلي عن السلاح بالقرارات الأمنية وحدها، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات وانقسامات محلية، فبالنسبة إلى بعض السكان، ما يزال السلاح وسيلة للحماية الشخصية في ظل مخاوف من تجدد العنف أو عدم قدرة المؤسسات الأمنية على التدخل لحمايتهم عند الحاجة.

وتزداد هذه المخاوف في المناطق التي شهدت توترات طائفية أو عشائرية، حيث يرتبط قرار التخلي عن السلاح بمدى ثقة السكان بالشرطة والقضاء وقدرة الدولة على توفير الحماية بصورة متساوية.

وفي هذا السياق، يربط شالاتي، بين استعداد المدنيين والمقاتلين السابقين للتخلي عن أسلحتهم وبين شعورهم بالأمان وثقتهم بمؤسسات الدولة.

ويقول شالاتي إن من الصعب مطالبة شخص بتسليم سلاحه إذا كان يعتقد أنه قد يتعرض لهجوم ولا يثق بأن الدولة قادرة على حمايته. ويشير إلى السويداء مثالاً على تعقيد هذا الملف في المناطق التي شهدت مواجهات بين قوات حكومية ومجموعات محلية أو عشائرية.

ولا يقتصر الأمر، بحسب شالاتي، على الجانب الأمني، فبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، تتضمن أيضاً إعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، وتأمين فرص عمل أو بدائل اقتصادية تساعدهم على التخلي عن السلاح وما يرتبط به من مصدر دخل أو نفوذ.

ويضيف أن بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وتوفير الحماية يمثل جزءاً أساسياً من أي عملية لنزع السلاح، خصوصاً في البيئات التي ما تزال فيها الانقسامات المحلية والهويات الجماعية حاضرة بقوة.

ويرى شالاتي أن استمرار غياب مسار عدالة انتقالية واضح قد يدفع بعض السوريين إلى الاحتفاظ بالسلاح، سواء بدافع الحماية أو بسبب الخشية من عدم محاسبة مرتكبي الانتهاكات.

عندما يصبح السلاح أداة للعدالة الخاصة

ويظهر أثر انتشار السلاح في النزاعات التي لا ترتبط مباشرة بالعمل العسكري، كالخلافات العائلية أو العشائرية التي تتحول في بعض الحالات إلى مواجهاات مسلحة، فيما سجلت مناطق سورية عمليات قتل استهدفت أشخاصاً متهمين بالعمل مع النظام السابق أو المشاركة في انتهاكات، بعيداً عن المحاكم.

ويضع ذلك ملف السلاح أمام مسار آخر هو العدالة الانتقالية، خصوصاً عندما لا يثق الضحايا أو عائلاتهم بقدرة القضاء على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أو استعادة حقوقهم.

ويرى شالاتي أن استمرار السلاح الفردي يشكل عائقاً أمام العدالة الانتقالية، لكنه يعتبر أن المشكلة ترتبط أيضاً بعدم وجود مسار واضح للمحاسبة يدفع الناس إلى الاعتقاد بأن دور السلاح انتهى.

ويقول شالاتي إن شعور الضحايا أو عائلاتهم بغياب العدالة، أو بوجود انتقائية في التعامل مع السلاح بين منطقة وأخرى أو مجموعة وأخرى، يجعل الاحتفاظ به خياراً قائماً. وفي هذه الحالة قد يتحول السلاح من وسيلة للحماية إلى أداة للثأر أو لتسوية خلافات خارج القضاء.

ويشير إلى أن استخدام السلاح لا يقتصر على النزاعات المرتبطة بالحرب. ويستشهد بحادثة حديثة في دير الزور، قال إن خلافاً بين أبناء عمومة شهد استخدام أسلحة متوسطة، قبل أن تعتقل السلطات ستة أشخاص على خلفية النزاع، من دون أن يتضح، بحسب قوله، كيف جرى التعامل مع الأسلحة المستخدمة.

كما تتكرر في مناطق سورية حوادث تصفية لأشخاص متهمين بالعمل مع النظام السابق، إلى جانب نزاعات عائلية وعشائرية تستخدم فيها الأسلحة النارية.

ويعتقد شالاتي أن الحد من هذه الظاهرة يحتاج إلى مسار عدالة انتقالية أوسع، يتضمن المحاسبة وبناء الثقة بين المجتمعات، بحيث لا يشعر الأفراد بأن عليهم الاحتفاظ بالسلاح للدفاع عن أنفسهم أو تحصيل حقوقهم بعيداً عن القضاء.

كيف تستعيد الدولة احتكار القوة؟

يتطلب حصر السلاح إجراءات تتجاوز منع حمله في الأماكن العامة أو تنظيم التراخيص. فالملف يشمل الأسلحة الموجودة لدى المدنيين والمقاتلين السابقين، وضبط تجارة السلاح والذخيرة، وتحديد الجهة المسؤولة عن التسجيل والمتابعة، إلى جانب توحيد الإجراءات بين المحافظات.

وتطرح تجارب الدول الخارجة من النزاعات أدوات مختلفة، بينها برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، التي تجمع بين تسليم الأسلحة وإعادة المقاتلين السابقين إلى الحياة المدنية. لكن طبيعة كل نزاع تحدد شكل البرنامج وآليات تنفيذه.

يرى شالاتي، أن الخطوة الأولى لحصر السلاح لا تبدأ بجمعه فقط، بل بمعالجة الأسباب التي تدفع الأفراد والمجموعات إلى الاحتفاظ به.

ويقول إن ذلك يتطلب تعزيز مسار العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات، وفتح نقاش أوسع حول ما جرى خلال سنوات النزاع ومن هم الضحايا والمسؤولون عن الانتهاكات. كما يدعو إلى مراجعة المسارات السياسية والمؤسساتية التي بدأت خلال المرحلة الانتقالية، بما فيها الحوار الوطني والإطار الدستوري وتمثيل المؤسسات التشريعية.

ويضيف شالاتي أن برنامجاً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، يمكن أن يكون جزءاً من الحل، شرط تصميمه وفق الواقع السوري وعدم نقل نموذج جاهز من دولة أخرى. ويشمل ذلك التعامل مع السلاح الموجود لدى المقاتلين السابقين، إلى جانب توفير فرص اقتصادية واجتماعية تساعدهم على العودة إلى الحياة المدنية.

ويستشهد شالاتي بتجربة سيراليون، حيث شملت برامج نزع سلاح عشرات آلاف المقاتلين السابقين وتقديم التدريب والتعليم والدعم الاقتصادي لجزء كبير منهم، وبحسب الأمم المتحدة، جرى نزع سلاح وتسريح أكثر من 75 ألف مقاتل، وجمع أكثر من 42 ألف قطعة سلاح، فيما حصل نحو 55 ألف مقاتل سابق على برامج لإعادة الإدماج.

لكن شالاتي يشدد على أن التجربة السورية تحتاج إلى مسار داخلي تقوده مؤسسات الدولة، وإلى تطبيق إجراءات حصر السلاح بصورة متساوية على مختلف المناطق والمجموعات، بالتوازي مع بناء القضاء والأجهزة القادرة على توفير الحماية.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم