أثارت حادثة مقتل شاب سوري تحدت التعذيب في أحد مراكز التوقيف السورية لدى السلطات الانتقالية، حالة من الجدل والاستنكار بين السوريين الذين ثاروا ضد نظام الأسد قبل 16 عاماً بسبب ذات الممارسات التي انتهجها النظام السابق، ولعل من أبرز تلك الأسماء الطفل حمزة الخطيب وثامر الشرعي، الذين قتلا تحت التعذيب في بداية الاحتجاجات في إحدى الأفرع الأمنية عام 2011، لكن المفارقة اليوم، إن القتل تحت تعذيب أصبح حتى في مخافر الشرطة ولأسباب قد تكون جنائية.
مقتل الشاب محمد حسام الدين غميرة، الأحد 16 آب/أغسطس، أعاد ملف الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز السورية إلى الواجهة، بعد أيام قليلة أمضاها محتجزاً في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية على خلفية شكوى بسرقة مبلغ مالي.
وبحسب عائلته، تعرض غميرة للضرب خلال احتجازه، رغم إبلاغ عناصر القسم بأنه مصاب بمرض الناعور، الذي يسبب اضطراباً في تخثر الدم ويزيد مخاطر النزيف. وبعد الإفراج عنه، نُقل إلى المستشفى وهو في حالة صحية حرجة، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بنزيف دماغي وداخلي.
وأعلنت وزارة الداخلية فتح تحقيق في الحادثة وتشكيل لجنة قالت إنها ستعلن نتائج عملها خلال 72 ساعة، فيما أوقفت السلطات سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة وقت وقوع الحادثة.
لكن قضية غميرة ليست الأولى منذ تولي السلطة الحكم في سوريا، إذ وثقت منظمات حقوقية حالات وفاة واتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز، ما يطرح أسئلة تتجاوز المسؤولية عن حادثة واحدة إلى آليات الرقابة والتحقيق والمحاسبة داخل هذه المراكز.
لجنة للتحقيق خلال 72 ساعة
بعد وفاة غميرة، أصدر وزير الداخلية أنس خطاب، في 16 آب/أغسطس، أمراً إدارياً بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادثة، برئاسة معاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية اللواء أحمد محمد لطوف، وعضوية مستشار الوزير للشؤون القانونية وحقوق الإنسان، ومديري إدارتي القضايا والملاحقات المسلكية والمباحث الجنائية.

وحدد القرار مهمة اللجنة بـ”التحقيق في ملابسات وفاة الشاب محمد غميرة وكشف الأسباب الحقيقية والظروف المحيطة بوفاته”، ومنحها مهلة 72 ساعة لتقديم نتائج عملها.
المحقق المختص بجرائم الحرب ياسر شالاتي لا يرى في تشكيل لجنة داخلية إجراءً خاطئاً من حيث المبدأ، معتبراً أن ذلك يدخل في طبيعة عمل وزارة الداخلية، لكنه يربط الحكم على جدية التحقيق بالنتائج التي ستصدر عنه والإجراءات التي ستتخذ على أساسها.
غميرة ليست الحالة الأولى
وتعيد اللجنة الجديدة التي شُكلت للتحقيق في مقتل غميرة إلى الواجهة سؤالاً طرحته حوادث سابقة: ماذا حدث للتحقيقات التي أعلنت عنها السلطات في وفيات أخرى داخل مراكز الاحتجاز؟
وبحسب حصيلة وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان، توفي 76 معتقلاً تحت التعذيب في سجون ومراكز احتجاز تابعة للحكومة الانتقالية منذ سقوط النظام السابق، بينهم 61 معتقلاً خلال عام 2025 و15 خلال عام 2026.
في كانون الثاني/يناير 2025، توفي محمد لؤي طيارة بعد يوم من احتجازه في حمص. وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن جثمانه حمل آثار تعذيب شديد، فيما أقرت إدارة الأمن العام بوقوع “تجاوزات” من عناصر مسؤولين عن نقله، وأعلنت فتح تحقيق بإشراف النيابة العامة وتوقيف المتورطين.

وفي تموز/يوليو من العام نفسه، أثارت وفاة يوسف اللباد بعد توقيفه قرب الجامع الأموي في دمشق اتهامات بالتعذيب من عائلته، بينما أعلن المحامي العام في دمشق تشكيل لجنة طبية ثلاثية واستمرار التحقيق بإشراف قضائي، مؤكداً محاسبة المتورطين في حال ثبوت وجود فعل جرمي.

وبعد أقل من أسبوعين، توفي عبد الرحمن نجم جعجول داخل مخفر الكلاسة في حلب، وتحدثت جهات حقوقية عن تعرضه للتعذيب، في مقابل رواية متداولة نُسبت إلى مسؤول إعلامي محلي ربطت الوفاة بمضاعفات صحية مرتبطة بتعاطي المخدرات، وسط مطالبات بكشف ملابسات ما جرى.

ويقول شالاتي إن المشكلة في الحالات السابقة لا تتعلق بإعلان التحقيقات بحد ذاته، بل بما يحدث بعدها، مشيراً إلى أن نتائج عدد من التحقيقات لم تظهر للرأي العام حتى الآن. ويرى أن ذلك يعكس غياب الجدية في التعامل مع هذه القضايا، وأن تحرك السلطات غالباً ما يتصاعد عندما تتحول الحادثة إلى قضية رأي عام.
ويضيف أن الإعلان عن تشكيل اللجان أو التعهد بالمحاسبة يتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لامتصاص غضب الشارع، قبل أن تتراجع متابعة القضية مع انشغال الرأي العام بأحداث أخرى. ويقول: “سوريا اليوم مليئة بالحوادث والإشكالات، والشارع ينتقل من قضية إلى أخرى، وهذا يسمح بنسيان الملفات تدريجياً”.
شالاتي: “نحن أمام خلل مؤسساتي”
ولا يرى شالاتي، أن تكرار هذه الوقائع يمكن تفسيره باعتباره تجاوزات فردية فحسب، معتبراً أن تعدد الحالات واتساع أشكال الانتهاكات يشيران إلى مشكلة تتجاوز سلوك عناصر بعينهم.
ويقول شالاتي في حديثه لـ”الحل نت”: “نحن أمام خلل مؤسساتي. السبب أولاً تكرار الحالات، وثانياً توسع الانتهاكات التي تحصل داخل السجون السورية بعد سقوط النظام”.
ولا يحصر شالاتي هذا الخلل في حالات التعذيب أو الوفاة داخل مراكز الاحتجاز. فبحسب إفادته، هناك حالات لأشخاص لا تعرف عائلاتهم أماكن احتجازهم أو التهم الموجهة إليهم، كما لا تستطيع التواصل معهم أو الحصول على معلومات واضحة بشأن مصيرهم.
ويرى شالاتي أن طريقة التعامل مع الحالات السابقة تمثل مؤشراً آخر على طبيعة المشكلة: ويقول “لو جرى، منذ الوقائع الأولى، التحقيق بجدية وإعلان النتائج ومحاسبة المسؤولين، لكان من الممكن النظر إليها بوصفها تجاوزات فردية تمت ملاحقتها واتخاذ إجراءات لمنع تكرارها”.
لكن استمرار تسجيل وقائع مشابهة، بحسب شالاتي، من دون ظهور نتائج واضحة للتحقيقات السابقة أو محاسبة معلنة للمتورطين، أضعف هذا التفسير. ويضيف أن المحاسبة منذ الحالات الأولى كان يمكن أن تؤدي دوراً رادعاً، بينما يسمح غيابها باستمرار الانتهاكات واتساعها داخل منظومة الاحتجاز.
سجون بلا رقابة مستقلة
ويربط شالاتي تكرار الانتهاكات أيضاً بغياب الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز، معتبراً أن ترك هذه المراكز بعيداً عن أعين جهات رقابية يفتح الباب أمام استخدام العنف ضد الموقوفين، سواء للعقاب أو لانتزاع الاعترافات.
وتعتبر سوريا طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب منذ عام 2004، لكنها أعلنت، عند انضمامها، عدم اعترافها باختصاص لجنة مناهضة التعذيب المنصوص عليه في المادة 20 من الاتفاقية، والذي يسمح للجنة، عند تلقي معلومات موثوقة عن ممارسة التعذيب بصورة منهجية، بإجراء تحقيق قد يتضمن زيارة إلى أراضي الدولة بالتعاون معها. ولم تغير السلطات الجديدة هذا الموقف حتى الآن.
كما أن سوريا ليست طرفاً في البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يقوم أساساً على إنشاء نظام للزيارات المنتظمة إلى أماكن الاحتجاز من قبل هيئات دولية ووطنية مستقلة، بهدف منع التعذيب وسوء المعاملة قبل وقوعهما.
ويرى شالاتي أن “فتح السجون ومراكز التوقيف أمام منظمات حقوقية سورية مستقلة وأخرى دولية يمثل خطوة ضرورية، بما يتيح إجراء زيارات دورية ومراقبة ظروف الاحتجاز والتواصل مع الموقوفين بعيداً عن المسؤولين عن تلك المراكز”.
الإفلات من العقاب
وفق شالاتي، لا تكمن المشكلة في غياب التحقيقات وحده بل في ما تنتهي إليه. ففي حالات سابقة، أعلنت السلطات فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات بحق مشتبه بهم، كما حدث بعد وفاة محمد طيارة ويوسف اللباد وعبد الرحمن جعجول. إلا أن البحث في البيانات الرسمية والتغطيات المنشورة لا يظهر نتائج نهائية معلنة لهذه التحقيقات أو ما انتهت إليه الإجراءات القضائية بحق المتورطين.
ويعتقد شالاتي أن تحرك السلطات يصبح أكثر وضوحاً عندما تتحول الحادثة إلى قضية رأي عام، واصفاً ذلك بـ”التعامل مع الترند”، بينما تتراجع متابعة القضية لاحقاً مع انتقال اهتمام الشارع إلى أحداث أخرى.
لهذا، لن يكون اختبار اللجنة المشكلة للتحقيق في وفاة محمد غميرة في إعلانها أو مهلة الساعات الـ72 المحددة لعملها، بل في النتائج التي ستعلنها، وما إذا كانت ستقود إلى تحديد المسؤولين ومحاسبتهم.
أين تنتهي مسؤولية العنصر؟
إذا أثبت التحقيق تعرض محمد غميرة للتعذيب، فإن تحديد المسؤولية لن يتوقف بالضرورة عند الشخص الذي مارس الضرب. فهناك أيضاً مسؤولون عن مكان الاحتجاز، وسلسلة إدارية وأمنية يفترض أن تضمن سلامة الموقوفين وتمنع تعرضهم للانتهاكات.
وبحسب شالاتي، تبدأ المسؤولية من العناصر الذين ارتكبوا الانتهاك مباشرة، ثم المسؤول عن القسم أو مركز الاحتجاز. لكنها قد تتسع عندما تتكرر الوقائع ويصبح المسؤولون الأعلى على علم بها، من دون اتخاذ إجراءات جدية لمنعها أو محاسبة مرتكبيها.
ويقول شالاتي إن “تكرار الحالات وعلم المسؤولين بها وعدم اتخاذ إجراءات لمنعها يمكن أن يمدد المسؤولية إلى مستويات أعلى”، معتبراً أن تعدد الحالات السابقة وغياب إجراءات رادعة يطرح، من وجهة نظره، مسألة مسؤولية وزير الداخلية أيضاً.
قضية محمد غميرة، التي أعادت فتح ملف التعذيب في مراكز الاحتجاز السورية، لم تعد تتعلق بوفاة شاب بعد احتجازه فحسب، بل فتحت أسئلة أوسع حول مصير التحقيق الحالي والتحقيقات السابقة، وما إذا كان من تثبت مسؤوليته سيحال إلى القضاء، والإجراءات التي ستتخذها وزارة الداخلية لمنع تكرار حوادث مماثلة.
ويقول شالاتي: إن “الإفلات من العقاب يؤدي إلى ارتكاب أفعال مماثلة، حينما يرى العنصر حالات تعذيب تحدث أمامه بشكل مستمر ولا يتم معاقبة هذه العناصر، فهذا العنصر يتجرأ فيما بعد ويمارس هو هذا الانتهاك، لأنه يعلم يقيناً أنه قادر على ممارسة هذا الانتهاك والإفلات من العقاب”.

