في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، تكون الحاجة إلى توازن السلطات أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، إذ غالبا ما تُفتح الثغرات الدستورية باسم “الضرورة” أو “الاستقرار”، فيُمنح الرئيس الانتقالي صلاحيات تتجاوز ما نصّت عليه الوثائق التأسيسية.
في سوريا، البلد الخارج من حرب طويلة، يبدو أن المرحلة الانتقالية تحمل معها خطر إعادة إنتاج هيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات، لا سيما السلطة التشريعية.
وقد بدا هذا في مرسومين الأخيرين الذين أصدرهما الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الأول يمنح الرئاسة صلاحية التصرف المباشر بممتلكات القطاع العام، والثاني يُعدّل قانون الاستثمار، مخالفا -بحسب مختصين- نصوص الإعلان الدستوري ذاته.
فهل نحن أمام قرارات إدارية استثنائية؟ أم أمام مؤشر مبكر على تغوّل السلطة التنفيذية، واحتكارها وظائف التشريع والمحاسبة؟
الخوف من تكرار الماضي
مبدأ الفصل بين السلطات يقوم على فكرة بسيطة: لا يجب أن تتركز السلطة كلها في يد جهة واحدة، في أي دولة تحترم القانون، هناك ثلاث سلطات: السلطة التشريعية تضع القوانين، السلطة التنفيذية تطبقها، والقضاء يراقب ويحاسب.

عندما تبدأ السلطة التنفيذية بتجاوز حدودها، وتأخذ دور البرلمان أو المجلس التشريعي وتتجاهله، يُسمى ذلك تغوّلا، وهذا يحدث غالبا في المراحل الانتقالية أو في الدول التي تضعف فيها المؤسسات.
الرئيس أو الحكومة يصدرون قرارات كان من المفترض أن يصدرها البرلمان.
أحيانا يتدخلون في عمل القضاء، أو يتصرفون بأموال الدولة دون رقابة، هذا النوع من السيطرة لا يبدأ بانقلاب، بل بخطوات صغيرة، قد تبدو قانونية، لكنها تسحب السلطة تدريجيًا من يد المؤسسات الأخرى ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك:
في مصر، بعد 2013، أصدر الرئيس قرارات تشريعية واسعة، في روسيا مثلا، أصبح البرلمان مجرد أداة بيد الكرملين، وفي تونس، جمّع الرئيس كل السلطات بيده في أشهر قليلة، كلها حالات بدأت بتبريرات، وانتهت بسلطة لا يراجعها أحد.
التغوّل في سوريا هو القاعدة
تغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية في سوريا، ليس حدثاً جديدا على البلاد، في عهد حافظ الأسد، ثم في عهد ابنه بشار، لم يكن هناك فصل حقيقي بين السلطات، السلطة التنفيذية، ممثلة بالرئيس، كانت تُمسك بكل الخيوط.
مجلس الشعب، في عهد حكم الأسد، كان مؤسسة شكلية، قاعة للتصفيق أكثر منها منصة للتشريع أو الرقابة، أو حتى لتمثيل الشعب.
القوانين الأساسية كانت تُصاغ في القصر الجمهوري، ثم تُرسل إلى مجلس الشعب ليقرّها بالإجماع خلال جلسة واحدة، دون نقاش حقيقي أو تعديل، وحين يتطلب الأمر سرعة، كان الرئيس ببساطة يُصدر مرسوما تشريعيا، وهذا لم يكن استثناء، بل عرفا سائدا في سوريا، لأن البلاد اعتادت أن ترى في الرئيس مشرّعا ومديرا ومحكّما في آنٍ واحد.
اليوم، وبعد سبعة أشهر عن سقوط نظام الأسد، تعيش سوريا فراغا في المنظومة القانونية للمرحلة الانتقالية، فلا مجلس شعب ولا لجنة تشريعية، وهذا الفراغ بلا شك، أصبح معيقا للتعافي في ظل الحاجة الماسّة إلى إيجاد إطار قانوني للحكم، وتحديث القوانين ومراجعة السابق منها.
في ظل هذا الفراغ، يصبح استسهال المراسيم الفردية أمرا خطيرا، ما يُبرّر اليوم بالضرورة، قد يُصبح غدا سياسة، وما يُتجاوز الآن بصمت، أو تحت حجة “هذا ليس وقته” قد يصبح أمر استعادته لاحقا، مستحيلا.
اختبار مبكر للسلطة
المرحلة الانتقالية اختبار حقيقي، فإما أن تُؤسّس لتوازن بين السلطات، أو تكون مجرد محطة مؤقتة يُعاد فيها تدوير الاستبداد بحلّة جديدة.
المفترض أن تكون هذه المرحلة بداية لنظام أكثر عدلا. نظام يوزّع الصلاحيات بوضوح، ويمنع تمركزها في يد واحدة.
لكن الواقع أكثر هشاشة من النصوص، المؤسسات ضعيفة، والرقابة غائبة. والمجتمع مرهق بعد سنوات من الحرب.
وهكذا، بدلا من أن يُعاد بناء مجلس تشريعي حقيقي، يصبح مجرد ديكور، وبدل أن يكون الرئيس ضامناً للمرحلة، يتحوّل تدريجياً إلى مركز السلطة الوحيد.
هنا، بالتحديد، تبرز خطورة المرسومين اللذين أصدرهما الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
الأول أنشأ صندوقا سياديا يربط المال العام بالرئاسة مباشرة.
والثاني عدّل قانون الاستثمار دون المرور بأي مسار تشريعي.
وهنا يمكننا القول إن السلطة التنفيذية لم تكتفِ بالتنفيذ، بدأت تكتب وتعدل القوانين أيضاً.
رأي القانونيين
في منتصف الأسبوع، ظهر مرسومان وقّعهما الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. مرسومان حملا طابعا اقتصاديا في الشكل، لكنهما حملا دلالات تشريعية مثيرة للجدل.

المرسوم الأول ينشئ ما يُعرف بـ “الصندوق السيادي”. مؤسسة تملك الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، لكنها لا تخضع لأي رقابة تشريعية أو مالية حقيقية. تتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، وتتصرّف في ممتلكات القطاع العام كما تشاء.
المرسوم الثاني يُعدّل قانون الاستثمار. لا جديد في الصياغة، لكن الإشكال في الجهة التي عدلت القانون، وهو رئيس الدولة، لا البرلمان، لأن الرئيس بحسب الإعلان الدستوري الذي أعلنه هو بنفسه لا يملك الحق في تعديل القوانين.
وهنا تحديدا يبدأ القلق، فالمرسومان أثارا انتقادات واسعة واعتُبرا شكلا من أشكال احتكار السلطة.
الاقتصادي السوري، كرم الشعار، قال: “هذا المرسوم يسمح للرئاسة بالتصرف بممتلكات القطاع العام والاستثمار بها بمعزل عن الوزارات أو السلطة التشريعية… الصندوق السيادي لا يخضع للمساءلة، وتقاريره المالية تُرفع للرئاسة فقط… هذا غير مفهوم وغير منصف للسوريين الذين بُنيت هذه الممتلكات من أموالهم”.

الأمر لا يتوقف على القانون فقط، بل على الرسالة السياسية التي يُرسلها: أن الرئاسة تستطيع إصدار مراسيم تُعيد تشكيل العلاقة بين المال والسلطة، وهذا خطير في السياق السوري.
وبالنسبة لي أراه جيداً لإنه اختبار مبكر لحدود السلطة، وقد يكشف، مبكرا أيضا، أن تلك الحدود مرنة أكثر مما يجب، أو لربما كان خطأ، ستتداركه السلطة في المرات القادمة.
حين تتحوّل الدولة إلى أداة بيد السلطة
على الصعيد القانوني، بدا المرسومان وكأنهما تجاوزا صريح للإعلان الدستوري،
المشكلة لم تكن فقط في محتوى القرارات، بل في الجهة التي أصدرتها. الرئيس، وليس المجلس التشريعي، غير الموجود بعد، وهذه إشكالية أخرى.
المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان، ميشال شماس، قالها بصريح العبارة، إن ما جرى “مخالف للإعلان الدستوري”.
وأضاف مستنكرا “الرئيس الشرع أصدر اليوم مرسوما يعدل فيه قانون الاستثمار، وهذا مخالف للإعلان الدستوري، فالإعلان يحظر على الرئيس سنّ القوانين والتشريعات.. المرسوم باطل بطلانا مطلقا.”
وتساءل شماس: “معقولة المستشارين يلي عنده لم يطّلعوا على الإعلان الدستوري؟”.
من جهته، عبّر محمد صبرا، الحقوقي السوري، عن قلق أعمق رأى أن الانتهاك ليس الأول، وربما لن يكون الأخير، وقال: “لا يجوز للرئيس إصدار تشريعات أو تعديلها، لأن الإعلان الدستوري حرمه من هذه السلطة… للأسف، هذه ليست المرة الأولى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة”.
عندما تبدأ السلطة التنفيذية بالتصرف بممتلكات الدولة، وتُمرر القوانين، وتتحكم بالمؤسسات، فإن ما يحدث ليس مجرد تغوّل، بل تحوّل تدريجي في شكل الدولة نفسها، والبرلمان يصبح شكليا، الرقابة تتآكل، والمحاسبة تتحوّل إلى إجراء بيروقراطي إن وُجد.
علاء الدين تلجيني، المحامي السوري، قال في هذا السياق “كيف لصندوق يدير أموال الدولة أن يرتبط فقط بمؤسسة لا تخضع للمساءلة الشعبية؟ أليست هذه وصفة جاهزة لتوسيع نطاق السلطة المالية خارج كل رقابة تشريعية أو قضائية مستقلة؟”.
كل تلك تساؤلاته مشروعة، حين تُربط المؤسسات الحساسة مباشرة بالرئاسة، دون حسيب أو رقيب، لا تعود مؤسسات دولة، تصير أدوات سلطة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالدولة بلا مؤسسات مستقلة لا تختلف كثيرا عن سلطة فردية، القرار يصدر من أعلى جهة، والبقية تُنفّذ، أو تصمت، وهذا ما لا يرغب السوريون فيها بعد 14 عاما عاشها الشعب.
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا
- سوريا “تشدّ الحزام”.. هل يدفع المواطن فاتورة ضبط الإنفاق الحكومي؟
- “الأشغال” تدافع عن مشروعية الاستملاك.. وحقوقيون يطالبون بإثبات التعويض
- ضمن خطة “صفر مخيمات”: إغلاق مخيم الشهابات وعودة مئات المهجرين من دير الزور
- بين “القطيع” و”قوم كرام”.. جدل حول تصريحات يوسف قبلاوي

