شهدت سوريا خلال عام 2025 مجزرتين واسعتين في الساحل ومحافظة السويداء، قُتل فيهما قرابة أربعة آلاف شخص، وفق تقديرات حقوقية، وبالرغم من محاولات السلطة الانتقالية في دمشق تصدير ما حدث على أنه خلاف سياسي، أظهرت الوقائع التي وثقتها منظمات حقوقية أن جانباً من الانتهاكات ارتبط بدوافع طائفية وانتقامية.
ولم يكن ما حدث في الساحل والسويداء، بداية العنف الطائفي، كما أنه لم يكن نهاية له أيضا، إذ مازالت سوريا تشهد عمليات قتل انتقامية وحوادث متفرقة تحمل طابع طائفي، في عدة محافظات سورية فمنذ مطلع عام 2026، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 128 شخصاً في عمليات تصفية خارج القانون، تركز نصفها تقريباً في محافظة حمص، وسط تحذيرات من أن غياب التحقيق والمحاسبة يحول الجريمة الفردية إلى مصدر للخوف الجماعي والثأر والانقسام الطائفي.
ولا تكمن خطورة هذه الجرائم في عدد الضحايا وحده، وإنما في الغموض الذي يحيط بكثير منها، وفي بطء كشف الفاعلين ودوافعهم، في مجتمع خرج من حرب طويلة، قد يصبح كل قتيل فيه شرارةً لانتقام جديد.
128 قتيلاً.. نصف الضحايا في حمص
وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع العام الجاري، مقتل 128 شخصاً في سوريا ضمن ما وصفه بالسلوكيات الانتقامية وعمليات التصفية خارج إطار القانون.

واستحوذت حمص على نصف الحصيلة، بواقع 64 ضحية، تلتها حماة بـ23 ضحية، أي نحو 18 بالمئة، ثم اللاذقية بـ14 ضحية، بما يقارب 11 بالمئة. كما سجل ريف دمشق 10 ضحايا، والسويداء ستة، وطرطوس خمسة، ودمشق أربعة، وحلب ضحيتين.
وبذلك، تركز نحو 79 بالمئة من القتلى في محافظات حمص وحماة واللاذقية، التي سجلت مجتمعة 101 ضحية. ويظهر التوزع الشهري أن شباط/فبراير كان الأعلى حصيلة، مع مقتل 27 شخصاً، يليه كانون الثاني/يناير بـ22، وتموز/يوليو بـ18، وحزيران/يونيو بـ17، ونيسان/أبريل بـ16، وأيار/مايو بـ15. أما آذار/مارس فسجل 13 ضحية، قال المرصد إنهم من العلويين والشيعة وإن الجرائم اتخذت طابعاً طائفياً.
وفي تموز/يوليو، شملت الحصيلة 15 علوياً، إضافة إلى مواطن شيعي وآخر مسيحي وثالث درزي، بحسب المرصد.
ويشير تنوع هويات الضحايا واتساع التوزع الجغرافي إلى تعدد البيئات التي وقعت فيها الجرائم، لكنه لا يثبت وحده الدافع الطائفي في كل حالة، وحذر المرصد من أن غياب ملاحقة المتورطين “يفتح الباب أمام مزيد من أعمال العنف والثأر”.
غياب المحاسبة يغذي الانقسام
وبالعودة للمشهد العام في سوريا اليوم، لا نرى تحقيقات جدية أو محاسبة لمرتكبي تلك الجرائم التي تتكرر بشكل شبه يومي في حمص مثلاً.
ويقول المحقق المختص بجرائم الحرب ياسر شالاتي في حديث لـ”الحل نت” إن “عدم إلقاء القبض حتى الآن على أي مجرم في حوادث القتل الحاصلة في حمص أو الخطف يرسل رسالة إلى المجتمع بأن مرتكب الانتهاك لن يعاقب”.
ويرى شالاتي أن هذه الرسالة تجعل أصحاب الدوافع الانتقامية أو الطائفية أكثر جرأة على ارتكاب أفعال مشابهة، فلا يقتصر أثرها على تكرار الجرائم، بل قد يؤدي أيضاً إلى اتساع نطاقها.
وبحسب شالاتي، يرسخ غياب المحاسبة لدى الضحايا ومجتمعاتهم شعوراً بانعدام الحماية. وقد يدفع ذلك بعض الجماعات إلى البحث عن وسائل لحماية نفسها، والاعتماد على هوياتها الفرعية بدلاً من مؤسسات الدولة، بما يغذي الانقسام ويوسع استخدام الخطاب الطائفي في العلاقات بين مكونات المجتمع.
ويحذر شالاتي من أن استمرار الإفلات من العقاب في سوريا، بعد سنوات من النزاع والانتهاكات، يهدد السلم الأهلي ويعمق فقدان الثقة بسيادة القانون، حتى مع تغير الجهات المتهمة بارتكاب الانتهاكات.
هوية الضحية لا تكفي لإثبات الدافع
ويمثل تحديد الدافع إحدى القضايا الأساسية في التحقيق بجرائم القتل التي تطال أفراداً من مكونات دينية أو مذهبية مختلفة. فانتماء الضحية إلى الطائفة العلوية أو الدرزية أو المسيحية أو الشيعية أو السنية لا يثبت، بمفرده، أن الجريمة طائفية. إلا أن تكرارها في مناطق معينة بشكل شبه مستمر يعيد طرح السؤال ذاته هل هي جرائم نُفّذت بطابع طائفي أم لا؟

ويقول شالاتي: “من الناحية القانونية، لا يكفي وقوع جريمة قتل بحق شخص ينتمي إلى طائفة معينة للقول إنها جريمة ذات دافع طائفي؛ المعيار الأساسي هو الدافع الإجرامي”.
ويضيف شالاتي أن اختيار الضحية بسبب انتمائها الديني أو الطائفي أو المذهبي، أو ارتباط الجريمة بخطاب كراهية أو تحريض واستهداف جماعي، يشير إلى احتمال وجود هذا الدافع.
ويمكن أن يستند التحقيق إلى عبارات قالها المهاجمون، أو تهديدات سابقة، أو رسائل واتصالات ومنشورات تكشف نيتهم. وتشمل الأدلة أيضاً شهادات الناجين والشهود، والمواد الرقمية والجنائية، وطريقة اختيار الضحايا، وتكرار الأسلوب نفسه ضد أفراد من مكون محدد.
ويرى شالاتي أن الاستهداف العشوائي لأبناء منطقة معينة، ضمن نمط متكرر، قد يشكل عنصراً في توصيف الجريمة بوصفها جريمة كراهية.
انتهاكات جميع الأطراف
بالعودة لأحداث السويداء في تموز/يوليو 2025 يمكن وصفه كمثال على العنف المرتبط بالهوية عندما لا تعقبه محاسبة شاملة.
وفي تقرير نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في 15 كانون الثاني/يناير 2026، قالت إن انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات حكومية وجماعات بدوية مسلحة وفصائل درزية محلية، في ظل غياب شبه تام للمحاسبة، كما وثقت المنظمة 86 حالة قتل يُشتبه بأنها غير قانونية، طالت 67 مدنياً درزياً و19 مدنياً بدوياً.
وشملت الانتهاكات إعدامات ميدانية ونهباً وحرق منازل وخطفاً وتمثيلاً بالجثث، فيما بلغ عدد النازحين نحو 187 ألفاً بحلول أواخر تموز/يوليو 2025، وفق تقديرات الأمم المتحدة التي أوردها التقرير.
ونسبت المنظمة اقتحام منازل وإعدامات وإطلاق نار على مركبات مدنية وإهانات طائفية بحق الدروز إلى قوات حكومية وجماعات متحالفة معها.
في المقابل، وثقت عمليات قتل واحتجاز وتمثيل بالجثث نفذتها جماعات درزية مسلحة بحق مدنيين بدو، بينهم نساء وأطفال. كما تحدثت عن حالتي قتل جماعي مفترض في مدينة شهبا، راح ضحيتهما 19 مدنياً بدوياً.
ولا تتوقف مسؤولية الدولة عند عدم مشاركتها المباشرة في الانتهاكات. ويقول المحقق المختص بجرائم الحرب ياسر شالاتي إن على السلطات “حماية الحق في الحياة وإجراء تحقيقات سريعة وفعالة ومستقلة ونزيهة في جرائم القتل”، إلى جانب ملاحقة المسؤولين ومحاكمتهم وفق ضمانات المحاكمة العادلة.
ويرى شالاتي أن التأخر غير المبرر أو الفشل في إجراء تحقيق جدي قد يشكل إخلالاً بالتزامات السلطات بموجب القانونين المحلي والدولي وقانون حقوق الإنسان.
ويؤكد أن مسؤولية المؤسسات تبدأ قبل وقوع الجريمة، من خلال ضبط التحريض واتخاذ إجراءات وقائية وردع المتورطين، ولا تقتصر على التحرك بعد سقوط الضحايا.
الإفلات من العقاب يوسع الانقسام الطائفي
فعندما يُقتل شخص بسبب انتمائه الطائفي، لا تبقى آثار القتل المرتبط بالهوية محصورة في الضحية، وعندما يسود اعتقاد بانه قتل بسبب طائفته مع غياب تحقيق موثوق، قد يشعر بقية أفراد جماعته بأن الاستهداف يمكن أن يطالهم أيضاً، وأن مؤسسات الدولة غير قادرة على حمايتهم أو محاسبة المسؤولين.
ويقول شالاتي إن “الإفلات من العقاب في الجرائم الانتقامية أو ذات البعد الطائفي لا يشجع فقط على تكرارها واتساعها، بل يرسخ لدى الضحايا ومجتمعاتهم شعوراً بانعدام الحماية”.
ويضيف شالاتي أن هذا الشعور قد يدفع الجماعات إلى الاعتماد على هوياتها الفرعية لحماية نفسها، بما يعمق الانقسام ويجعل الخطاب الطائفي وسيلة معتادة للتفاعل بين مكونات المجتمع.
وتنعكس هذه المخاوف في تراجع الثقة بالأجهزة الأمنية والقضاء، والبحث عن الحماية الذاتية، وقد تشجع على انتشار السلاح. كما يمكن أن تؤدي إلى تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد، وتعقيد عودة النازحين إلى المناطق المختلطة، إلى جانب توفير بيئة للشائعات وخطاب الكراهية والدعوات إلى الثأر.
ويحذر شالاتي من أن استمرار الإفلات من العقاب في السياق السوري، بعد سنوات من الانتهاكات والنزاع، يهدد السلم الأهلي ويضعف الثقة بمؤسسات الدولة وسيادة القانون. لذلك لا تقتصر المحاسبة على معاقبة الجاني، بل تسهم أيضاً في منع انتقال أثر الجريمة من الضحية الفردية إلى المجتمع المحيط بها.
تحقيقات مستقلة وإعلان النتائج
يتطلب وقف جرائم القتل الانتقامي إجراءات تبدأ من الساعات الأولى للجريمة. ويشمل ذلك تشكيل فرق تحقيق متخصصة، وحماية مسرح الجريمة، وجمع الأدلة الجنائية والرقمية، وتأمين الشهود وأسر الضحايا من التهديد. كما ينبغي إخضاع عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية للتحقيق عند الاشتباه بهم، ووقف المشتبه به مؤقتاً عن العمل إذا كان موقعه يسمح بالتأثير في الإجراءات أو الشهود.
ويقول شالاتي في حديثه لـ”الحل نت” إن الحد من هذه الجرائم يحتاج إلى “نهج متكامل يجمع بين الإجراءات القانونية والأمنية والمؤسسية”. ويضيف أن الجانب القانوني يتطلب فتح تحقيقات مستقلة وفعالة، ومحاسبة المسؤولين بصرف النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم، إلى جانب ضمان وصول المتضررين إلى العدالة وجبر الضرر.
ويدعو شالاتي إلى تعزيز حماية المدنيين، ومنع الجماعات والأفراد من ممارسة العنف خارج إطار القانون، والاستجابة السريعة لمؤشرات التحريض أو الجرائم ذات الدوافع الطائفية. ويربط ذلك بمكافحة خطاب الكراهية، ودعم العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية، وترسيخ سيادة القانون.
- 4 أشهر في جنح الليل.. كواليس المهمة الأميركية السرية لإزالة ألغام هرمز
- فيديو متداول يثير الجدل.. العراق يكشف حقيقة عبور سوريين لحدوده
- 30 “حوثياً” في مواكب التشييع.. ماذا يحدث في تعز والساحل؟
- تقييمات إسرائيلية ترجح شن طهران هجوماً موسعاً على 4 جبهات
- مع انطلاق العام الدراسي.. كيف تحولت العودة للمدارس إلى عبء على الأسر السورية؟

