رغم مرور عام على الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025، لا يزال الملف السياسي والإنساني عالقاً من دون تسوية واضحة.
فقد أسفرت موجات العنف عن مقتل أكثر من 1700 شخص، ونزوح قرابة 200 ألف، فيما تعرضت عشرات القرى للحرق والتدمير والنهب، وبقيت أعداد كبيرة من السكان خارج مناطقهم.
ولا يزال مصير عدد من المفقودين والمختطفين مجهولاً، في وقت أعلنت فيه السلطات توقيف عدد محدود من عناصر الجيش والأمن، من دون نشر تفاصيل كافية بشأن التهم أو مسار المحاكمات أو مسؤولية القيادات.
كما صدرت نتائج لجنتي التحقيق الوطنية والدولية، وتقاطعتا في توثيق انتهاكات واسعة ارتكبتها جهات متعددة، لكنهما اختلفتا في التوصيف القانوني لهذه الانتهاكات.
وبعد عام على مجازر تموز 2025، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت السويداء اقتربت من العدالة وعودة المهجرين، أم أن التحقيقات بقيت في إطار توثيق آثار الجريمة من دون انتقال واضح إلى المحاسبة.
من مواجهات محلية إلى عنف قائم على الهوية
بدأت أحداث السويداء في سياق توتر أمني محلي، قبل أن تتحول خلال أيام إلى ثلاث موجات من العنف، استهدفت مدنيين دروزاً وبدواً، وشاركت فيها قوات حكومية ومجموعات عشائرية وفصائل محلية مسلحة.

ووفق ما وثقته لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، كانت الموجة الأولى، بين 14 و16 تموز/يوليو 2025، الأكثر دموية، وشهدت انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية برفقة مقاتلين من العشائر ضد المدنيين الدروز في غرب المحافظة ومدينة السويداء، وشملت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب.
وبعد انسحاب القوات الحكومية في 17 تموز/يوليو، على وقع الغارات الجوية الإسرائيلية، بدأت موجة ثانية نفذتها جماعات مسلحة درزية ضد مدنيين بدو، وتضمنت عمليات قتل وتعذيب واحتجاز ونهب وتشريد قسري.
أما الموجة الثالثة، فامتدت حتى 19 تموز/يوليو، واستهدفت مجدداً قرى درزية ومختلطة. وأفادت اللجنة الدولية بأن مقاتلين عشائريين أحرقوا ونهبوا منازل ومحال تجارية ومواقع دينية في نحو 35 قرية، كما وثقت مشاركة بعض أفراد القوات الحكومية في الهجمات بعد خلع زيهم العسكري.
وترافقت موجات العنف مع خطاب تحريضي قائم على الهوية، وتبادل اتهامات بالخيانة والعمالة لإسرائيل، إلى جانب نشر مقاطع مصورة للقتل والإهانات والانتهاكات. وساهم التدخل العسكري الإسرائيلي في تعقيد المشهد، لكنه لم يلغ مسؤولية الأطراف السورية عن الجرائم المرتكبة على الأرض، ولا مسؤولية السلطات عن حماية المدنيين ومنع انتشار العنف.
مسؤولية السلطة بين المشاركة وعدم منع الجرائم
لا تقتصر المسؤولية الجنائية في الانتهاكات التي شهدتها السويداء على الأشخاص الذين نفذوا عمليات القتل أو التعذيب والنهب، بل قد تمتد إلى من أصدر الأوامر أو خطط للعمليات أو وفر الدعم والتسهيلات، وكذلك إلى القيادات التي علمت بالانتهاكات أو كان يفترض أن تعلم بها ولم تتخذ إجراءات لمنعها.
ويقول المحقق المختص بجرائم الحرب ياسر شالاتي، في حديثه لـ”الحل نت”، إن مبدأ المسؤولية القيادية المعتمد في القانون الجنائي الدولي يتيح ملاحقة مختلف المستويات المتصلة بالجريمة، بدءاً من المخططين وأصحاب القرار، مروراً بقادة العمليات والمشرفين عليها، وصولاً إلى المنفذين المباشرين.
ويرى شالاتي أن أبرز نقاط الاختلاف بين تقرير لجنة التحقيق الوطنية وتقرير اللجنة الدولية تتعلق بالتوصيف القانوني للانتهاكات. فاللجنة الوطنية تعاملت معها بوصفها أفعالاً فردية وغير واسعة النطاق أو ممنهجة، بينما خلص التقرير الدولي إلى أن الوقائع تضمنت عمليات قتل خارج نطاق القانون وإعدامات ميدانية وحرق منازل واعتداءات جنسية وقتل نساء وأطفال، معتبراً أنها “قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.
ويوضح أن استخدام عبارة “قد ترقى” لا يعني نفي صفة الجريمة، بل يعكس الصياغة القانونية المتبعة في تقارير لجان التحقيق، باعتبار أن إصدار التوصيف النهائي والإدانة يدخل ضمن اختصاص المحاكم.
كما أشار شالاتي إلى أن تقرير اللجنة الدولية تحدث عن علم السلطات بالانتهاكات، وربط بين القوات الحكومية ومجموعات عشائرية شاركت في الموجة الأولى من العنف. وأضاف أن التقرير أورد مؤشرات على وجود اتصالات وأوامر شفهية بين منفذين وقادة عمليات، إلى جانب تسهيل دخول مجموعات مسلحة وتوفير إسناد بالمدفعية والطائرات المسيّرة.
وبحسب شالاتي، يمكن استخدام تسلسل الاتصالات وطبيعة الدعم الميداني ومسارات التحرك لإثبات وجود تنسيق أو مسؤولية مشتركة، بدلاً من التعامل مع الانتهاكات بوصفها وقائع منفصلة. إلا أن إثبات المسؤولية الجنائية الفردية لكل شخص يبقى مرتبطاً بالأدلة التي تحدد دوره وعلاقته بالقرارات والتنفيذ.
لجنتان للتحقيق ومسار قضائي غير واضح
أعلنت اللجنة الوطنية السورية أنها نظمت 769 استمارة، تضمنت إفادات 213 شاهداً و437 ضحية وذويهم، إضافة إلى ممثلين عن مكونات محلية. وقدرت حصيلة الأحداث بنحو 1760 قتيلاً و2188 مصاباً من مختلف الأطراف.
أما لجنة التحقيق الدولية، فوثقت مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح قرابة 200 ألف، وأوردت تفاصيل عن عمليات الإعدام والتعذيب والعنف الجنسي والحرق والتهجير القسري.
وتتقاطع اللجنتان في تأكيد تعدد الجهات المتورطة، ووقوع اعتداءات بحق المدنيين الدروز والبدو، إلا أنهما تختلفان في توصيف حجم الانتهاكات ومدى تنظيمها والمسؤولية المنسوبة إلى القوات الحكومية والقيادات المشرفة عليها.
ويضيف شالاتي أن اللجنة الوطنية تواجه إشكالية تتعلق بالاستقلالية، نظراً إلى تشكيلها من سلطة تُوجَّه إلى قوات تابعة لها اتهامات بالمشاركة في الانتهاكات. ويعتبر أن تقرير اللجنة الدولية يوفر أساساً أكثر استقلالاً للتحقيق، مع ضرورة إحالة ما جمعته اللجنتان من معلومات إلى مسار قضائي قادر على فحص الأدلة والاستماع إلى الضحايا والشهود.
وكانت السلطات قد أعلنت توقيف 23 عنصراً من الجيش والأمن على خلفية الأحداث، إلا أن المعلومات المتاحة لا توضح رتبهم أو طبيعة التهم الموجهة إليهم، كما لم تعلن تفاصيل عن بدء محاكمات أو فتح تحقيقات مع قيادات عسكرية وأمنية.
ويقول شالاتي إن توقيف عدد محدود من العناصر لا يمثل، بمفرده، مساراً متكاملاً للمحاسبة، لأن المنفذين المباشرين يشكلون المستوى الأدنى في سلسلة المسؤولية. ويضيف أن التحقيق الجدي يجب أن يشمل من أصدر الأوامر أو سهل العمليات أو وفر الدعم، فضلاً عن المسؤولين الذين لم يتخذوا إجراءات لوقف الانتهاكات.
كما انتقد عدم اتخاذ إجراءات إدارية بحق مسؤولين كانوا في مواقعهم خلال الأحداث، مشيراً إلى بقاء محافظ السويداء في منصبه، ونقل مسؤول أمني إلى منصب آخر، بدلاً من إيقافه مؤقتاً وإخضاعه للتحقيق. واعتبر أن إثبات جدية المساءلة يتطلب تحقيقاً مستقلاً، ونشر معلومات عن التهم، وضمان مشاركة الضحايا وحماية الشهود، وعدم حصر المسؤولية بعناصر من الرتب الدنيا.
مفقودون ونازحون ينتظرون العودة
لا تقتصر آثار أحداث تموز على أعداد القتلى والمصابين. فلا يزال مصير عدد من المفقودين والمختطفين مجهولاً، رغم عمليات التبادل التي شهدتها المحافظة خلال الأشهر الماضية.
وأفادت اللجنة الوطنية بالإفراج عن 119 شخصاً من أبناء الطائفة الدرزية، و25 شخصاً من البدو والعشائر والقوات الحكومية، فيما بقي آخرون في عداد المفقودين. ودعت إلى إنشاء هيئة متخصصة لمتابعة قضايا المختطفين والمفقودين، والكشف عن مصير المحتجزين وضمان الإفراج عن المحتجزين تعسفياً.
ويقول الصحافي المختص بشؤون سوريا والشرق الأوسط حازم العريضي، في حديثه لـ”الحل نت”، إن كشف مصير المفقودين والإفراج عن المعتقلين يشكلان شرطين أساسيين لأي معالجة جدية لملف المحافظة. كما طالب بانسحاب القوات الحكومية من القرى التي نزح سكانها، وتهيئة الظروف اللازمة لعودتهم.
وبعد عام على الأحداث، لا يزال نحو 155 ألفاً من أصل قرابة 200 ألف نازح غير قادرين على العودة إلى مناطقهم، وفق الأرقام الواردة في تقرير اللجنة الدولية. ويتركز معظم النازحين الدروز في مناطق تعرضت قراها للحرق والتخريب، فيما لا يزال معظم السكان البدو الذين أُخرجوا من مناطق سيطرة الجماعات المسلحة الدرزية بعيدين عن منازلهم.
ويرى العريضي أن استمرار انتشار القوات الحكومية في عشرات القرى الخالية من سكانها، إلى جانب حوادث القصف المتفرقة، يعزز مخاوف الأهالي من تكرار الهجمات. وأشار إلى أن القوات الحكومية لا تزال، وفق معلومات محلية، متمركزة في 36 بلدة وقرية نزح سكانها خلال الأحداث.
وتتطلب العودة، إلى جانب إعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية، ضمانات أمنية تمنع الاعتقال أو الانتقام، وآلية لحماية الممتلكات وإعادة الحقوق لأصحابها، وتسوية أوضاع القرى المختلطة. كما يرتبط الملف بمحاسبة المسؤولين عن عمليات الحرق والنهب والتهجير، سواء استهدفت الدروز أو البدو.
السويداء ودمشق.. أزمة ثقة تتجاوز الأمن
تركت مجازر تموز أثراً مباشراً في علاقة السويداء بالسلطة المركزية، بعد أن تحولت القوات الحكومية، وفق ما وثقته اللجنة الدولية، من جهة يفترض أن تعمل على احتواء الاشتباكات إلى طرف شارك بعض عناصره في انتهاكات بحق المدنيين.
ويقول العريضي إن قضية السويداء لا تزال مطروحة في اللقاءات الدولية التي تجريها السلطة السورية وداعموها، معتبراً أن تقرير لجنة التحقيق الدولية حال دون إغلاق الملف أو التعامل معه بوصفه شأناً أمنياً داخلياً.
ويرى أن الحل يبدأ بإجراءات تتصل بالمحاسبة وكشف المفقودين والانسحاب من القرى التي لا يزال سكانها نازحين عنها. كما يعتبر أن قبول المساءلة وفق قواعد القانون الدولي يشكل مطلباً أساسياً لدى ذوي الضحايا وشخصيات محلية في المحافظة.
وأضاف أن إجراء تحقيق دولي لا يكتمل، من دون مسار قضائي يتيح ملاحقة القيادات والمنفذين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بدلاً من الاقتصار على محاكمات داخلية لعناصر محدودة.
وبحسب شالاتي، تصبح الآليات الدولية مطروحة عندما تكون المحاكم الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في إجراء تحقيقات مستقلة، سواء بسبب تدخل سياسي أو تبعية مؤسسات القضاء لسلطة متهمة بالانتهاكات أو نتيجة ضعف مؤسساتي.
واقترح تشكيل آليات مختلطة تضم خبراء دوليين مستقلين وجهات قضائية سورية، على أن تستند إلى الأدلة التي جمعتها لجنة التحقيق الدولية. كما يمكن للضحايا البحث في إمكانات الولاية القضائية العالمية أمام محاكم دول تسمح قوانينها بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خارج أراضيها، وفق الشروط القانونية المعمول بها في كل دولة.
وبعد عام، لا تزال استعادة العلاقة بين السويداء ودمشق مرتبطة بقدرة السلطات على تقديم خطوات قابلة للتحقق، تشمل كشف مصير المفقودين، وتأمين عودة النازحين، ونشر نتائج التحقيقات، وملاحقة المسؤولين على مختلف مستوياتهم.
ولم تعد المشكلة مرتبطة بنقص التقارير أو الشهادات، بعد أن قدمت اللجنتان الوطنية والدولية قدراً واسعاً من الوقائع والأدلة. إلا أن الانتقال من التحقيق إلى المحاسبة يتطلب إجراءات قضائية معلنة ومستقلة، تشمل المنفذين والقيادات، وتضمن حق الضحايا في معرفة الحقيقة والمشاركة في الإجراءات.

