تتزايد الشراكة بين موسكو وطهران لتصل إلى مستويات عسكرية واستخباراتية متقدمة، في وقت تقدم فيه روسيا لإيران، وفق تقارير غربية، دعماً استخباراتياً وتقنياً يمكن أن يعزز قدرتها على استهداف القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.
ولا يبدو هذا الدعم كمساعدة لحليف إقليمي، إذ تستفيد موسكو من استمرار المواجهة في الضغط على الولايات المتحدة واستنزاف مواردها، فيما تتحمل دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، كلفة هذا الصراع واستمراره واتساعه.
ويبدو أن هذا التنسيق المباشر يسهم في رفع دقة الضربات الإيرانية وتأمين معلومات استخباراتية حيوية، مما يؤدي إلى تعقيد الصراع وإطالة أمد الحرب، مما ينعكس بشكل مباشر على أمن المنطقة العربية، ودول الخليج على وجه الخصوص.
تحالف استراتيجي يتجاوز الدعم السياسي
شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مباحثاته قبل أيام معدودة مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في العاصمة القرغيزية بيشكيك، على استعداد بلاده لتقديم الدعم والمساندة لطهران، في ظل هشاشة الهدنة مع الولايات المتحدة.
وجاءت تصريحات بوتين خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون، في وقت كانت فيه إيران والولايات المتحدة قد استأنفتا تبادل إطلاق النار بعد أكثر من شهر من الهدوء النسبي. وقال بوتين إن بلاده تحاول مساعدة طهران، مضيفاً، بحسب ما نقله الكرملين: “خلال هذه الفترة الصعبة، نسعى جاهدين لتزويدكم بالمساعدة اللازمة”.

ويأتي هذا الموقف السياسي في ظل تقارير تحدثت خلال الأشهر الماضية عن توسع التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين. فقد أفادت تقارير أميركية بأن روسيا زودت إيران ببيانات وصور أقمار صناعية تتعلق بتحركات القوات الأميركية في المنطقة، بما في ذلك السفن والطائرات.
وبحسب تقرير لـ”وول ستريت جورنال”، وسعت موسكو تعاونها الاستخباراتي والعسكري مع طهران، وشمل ذلك مشاركة صور فضائية وتكنولوجيا محسنة للطائرات المسيّرة، بهدف مساعدة إيران في استهداف القوات الأميركية والإسرائيلية.
وذكرت الصحيفة أن موسكو تسعى من خلال ذلك إلى إبقاء شريكتها الرئيسية في الشرق الأوسط قادرة على مواصلة القتال، بما يخدم مصالح روسية عسكرية واقتصادية.
كذلك، تعهد بوتين بتقديم الدعم المستمر بعد أيام فقط من إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن حملة “ضغط اقتصادي” جديدة ضد إيران تسمى عملية “المنبوذ الاقتصادي”، والتي قال إنها ستؤدي إلى “عزلة اقتصادية غير مسبوقة” لإيران. فعقب اندلاع الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير، أفاد مسؤولون بتقديم روسيا معلومات استخباراتية لطهران شملت صوراً فضائية مباشرة.
ووفقاً لـ”وول ستريت جورنال”، ساهم هذا الدعم في تمكين إيران من استهداف أصول عسكرية أميركية ثقيلة، كمنظومات الرادار والطائرات الحديثة، بعدما كان التعاون الروسي مقتصراً في البداية على مشاركة بيانات محدودة.
وفي هذا الصدد يرى الباحث في الشأن الدولي ناجح النجار في حديثه مع “الحل نت”: “إن دعم موسكو الاستخباري لطهران يعد استخداماً واضحاً لإيران في إطار الحرب والمواجهة غير المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة”.
وأشار النجار إلى أن فتح جبهات توتر إضافية في الشرق الأوسط يضغط على المخزون العسكري الأميركي مثل مضادات الدفاع الجوي، وكذلك والذخائر الدقيقة، وهو ما يجبر واشنطن على توزيع مواردها بين عدة مناطق صراع.
وأوضح النجار أن “روسيا تمتلك منظومات أقمار صناعية متقدمة للغاية وبالتالي فهي تمتلك قدرة كبيرة على التجسس الفضائي، بينما تمتلك إيران منصات إطلاق وطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية على الأرض؛ فتكتمل الدائرة بتوجيه الضربات الإيرانية بدقة استناداً للصور التي تحددها روسيا”.
تعاون تقني بين روسيا وإيران
لا تقتصر العلاقة العسكرية بين موسكو وطهران على تبادل الأسلحة والمعلومات، بل تتجه نحو تعاون تقني أكثر عمقاً. فبحسب تحقيق نشرته “فايننشال تايمز” حديثاً، ساعدت روسيا إيران سراً في تطوير صواريخ كروز فرط صوتية ضمن برنامج بدأ عام 2023، بمشاركة مهندسين روس من شركات مرتبطة بقطاع الصناعات الدفاعية الروسي.ويشير التحقيق إلى أن التكنولوجيا التي يجري تطويرها يمكن أن تمنح إيران قدرة أكبر على تهديد المصالح الأميركية في الخليج.
ويعني هذا التطور، في حال استمرار البرنامج ووصوله إلى مرحلة الإنتاج، أن التعاون الروسي الإيراني لا يتعلق فقط بتقديم مساعدة مؤقتة خلال الحرب، وإنما يمكن أن يساهم في تطوير القدرات العسكرية الإيرانية على المدى الطويل.
كما أفادت تقارير بأن روسيا أرسلت إلى إيران طائرات مسيّرة جاهزة ونسخاً مطورة من طائرات “شاهد-136″، في حين كشفت تقارير استخباراتية غربية عن استخدام إيران طائرات مسيّرة جرى تحسين بعض أنظمتها بمساعدة روسية خلال هجمات استهدفت مواقع أميركية.
وقالت “رويترز” إن الاستخبارات الأميركية تحقق في احتمال تقديم روسيا معلومات استهداف أو تكنولوجيا متقدمة ساعدت إيران في تنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في المنطقة.
ويشير تحليل الاستخبارات الغربية إلى أن طهران استخدمت اثنتين من هذه المسيّرات المعدلة روسياً لضرب موقع تابع لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في الرياض. هذا وقد صرح فيما سبق رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بتوفير روسيا دعماً استخباراتياً لإيران خلال حرب 2026، تمثّل في مشاركة الصور الفضائية لتسهيل ضرب الأهداف الأميركية.
كذلك، ووفقاً للتقييم الاستخباراتي الذي أعلنه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ونشرته وكالات أنباء دولية، رصدت أوكرانيا نمطاً واضحاً من التعاون العسكري والاستخباري بين موسكو وطهران، وقالت أواخر آذار/مارس الفائت إن الأقمار الصناعية الروسية رصدت موقع دييغو غارسيا، وقاعدة “إنجرليك” التابعة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وقاعدة “العديد” بقطر، بالإضافة إلى منشآت نفط وغاز سعودية، والتي تعرضت جميعها لضربات إيرانية لاحقة.
وتكشف هذه المعطيات أن العلاقة بين موسكو وطهران تقوم على تبادل للمصالح، وإن كان على حساب المنطقة ودول الخليج بالتحديد، حيث تحصل إيران على تقنيات ومعلومات تساعدها في مواجهة خصومها، بينما تحصل روسيا على شريك قادر على إبقاء الولايات المتحدة منشغلة في ساحة صراع جديدة.
كيف تحارب روسيا واشنطن عبر إيران؟
تستفيد موسكو من اتساع المواجهة الإيرانية الأميركية على أكثر من مستوى. فأولاً، يؤدي انخراط الولايات المتحدة في صراع طويل مع إيران إلى تشتيت جزء من مواردها العسكرية والاستخباراتية بعيداً عن أوروبا، حيث تخوض روسيا حربها مع أوكرانيا.
ويتيح استمرار التوتر في الشرق الأوسط لروسيا تقديم نفسها باعتبارها قوة دولية قادرة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والملاحة، بدلاً من أن تبقى محصورة في إطار المواجهة الأوروبية.
وتالياً، تستفيد موسكو اقتصادياً من اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط والغاز، في الوقت الذي تبقى فيه روسيا من أكبر المنتجين العالميين للطاقة.
ويذهب إسلام المنسي الباحث في الشأن الإيراني في حديثه مع “الحل نت” قائلاً: “تهدف روسيا من هذا الدعم إلى فتح جبهة استنزاف جديدة للولايات المتحدة بعيداً عن الساحة الأوروبية، وهو ما استغلته موسكو بالفعل؛ إذ أدى الانشغال الأمريكي بالصراع مع إيران وتأثر إمدادات النفط عبر مضيق هرمز إلى اضطرار واشنطن لتخفيف بعض العقوبات على النفط الروسي، مما عزز موقف موسكو ميدانياً واقتصادياً”.
ويرى المنسي أن موسكو تنطلق في دعمها لطهران من استراتيجية براغماتية تراعي المصلحة الروسية بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن إطالة الصراع تتيح لروسيا تحقيق مكاسب عدة.
ويضيف أن الدعم الروسي يمنح موسكو فرصة لاختبار تقنياتها العسكرية وأنظمتها الإلكترونية في مواجهة تكتيكات وأسلحة أميركية في بيئة صراع حقيقية، فضلاً عن تعزيز التعاون العسكري والتقني مع إيران.
كيف يُهدد الدعم الروسي لإيران أمن الخليج؟
في 25 تموز/يوليو الفائت، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن موسكو مستمرة بمواصلة تزويد إيران بصور الأقمار الصناعية لدعم عملياتها العسكرية، وقال إن كييف رصدت منذ بداية تموز/يوليو مراقبة روسية نشطة لدول الخليج والمنشآت العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وإن الصور كانت تظهر لاحقاً في إيران.
ويتوافق ذلك مع تقارير أميركية سابقة تحدثت عن مشاركة روسيا معلومات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط. كما خلص تقييم بحثي إلى أن تزويد إيران بمعلومات الاستهداف الروسية يمكن أن يحسن دقة وفعّالية هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتزامن ذلك مع إعلان كييف استهداف سفن شحن تُنقل عبرها عتاد عسكري بين الجانبين. وهنا يؤكد الباحث السياسي إسلام المنسي على أن: “موسكو تدرك جيداً أهمية علاقاتها الاستراتيجية وشركاتها الاقتصادية الممتدة مع دول الخليج العربي، كما تعي في الوقت ذاته أن دعمها العسكري لطهران يحمل تبعات سلبية قد تمسّ هذه العلاقات. لكنها تختار تقديم أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة واشنطن على حساب تلك المحاذير”.
وينعكس دعم موسكو العسكري لطهران بشكل مباشر على حساباتها الأمنية مع دول الخليج العربي. فتزويد إيران بتقنيات عسكرية متطورة يُخل بميزان القوى الإقليمي، ويُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الخليجي، مما يحد من قدرة موسكو على تسويق نفسها كشريك أمني موثوق أو بديل عن الغرب، وبالتالي هذا ما سيدفع العواصم الخليجية لتوخي الحذر في تعميق شراكاتها الدفاعية مع روسيا.
كما يضع هذا الدعم الاستراتيجي الشراكات الحيوية الروسية الخليجية أمام اختبار صعب، وفي مقدمتها تحالف “أوبك بلس”، فإذا أدى التصعيد المدعوم روسياً إلى تهديد خطوط الملاحة أو البنية التحتية للطاقة، فإن ذلك يمس صميم المصالح الخليجية ويُقرأ كانحياز روسي يعبث بأمن المنطقة.
وأيضاً، استمرار حالة عدم الاستقرار قد يدفع الصناديق الاستثمارية الخليجية لتقليص مشاريعها المشتركة مع موسكو تجنباً للمخاطر وتداعيات العقوبات الثانوية.
وهنا تظهر المفارقة في السياسة الروسية: ففي الوقت الذي تعمل فيه موسكو على توسيع علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع دول الخليج، فإن دعمها العسكري والاستخباراتي لإيران قد يساهم في زيادة المخاطر الأمنية التي تواجه تلك الدول.

رغم هذه التداعيات، تسعى روسيا لاحتواء الموقف عبر إبقاء جزء كبير من تعاونها العسكري مع طهران طي الكتمان، محاولةً إقناع الخليج بأن هذا الدعم موجه حصراً لاستنزاف واشنطن.
وعليه، قد يصبح الدعم العسكري والاستخباراتي الروسي إلى جانب الصيني لإيران سبباً في تدمير استقرار المنطقة ودفعها نحو حرب شاملة؛ لأن استمرار تقديم الأسلحة والصور الفضائية لطهران، يهدد الأمن الإقليمي ويعطل حركة التجارة وأسواق النفط. وهذا الوضع يضع أمن دول الخليج والشرق الأوسط أمام مخاطر حقيقية وغير مسبوقة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بالكامل.
ويحمل هذا الدعم المزدوج الروسي-الصيني لإيران كلفة إقليمية متزايدة. فكلما أصبحت إيران أكثر قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة وطويلة المدى، ارتفعت المخاطر التي تواجهها دول الخليج، سواء على مستوى المنشآت العسكرية أو الطاقة أو الملاحة. ومن هنا، فإن ما تراه موسكو مكسباً في صراعها مع واشنطن قد يتحول بالنسبة إلى الخليج إلى مصدر تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
- كيف يُغذي الدعم الروسي لإيران مواجهة واشنطن ويُهدد أمن الخليج؟
- استنزاف “حوثي” متواصل في معارك غرب تعز.. تابع المستجدات
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب

