عاد أهالي معضمية الشام إلى الاحتجاج بالتزامن مع استمرار أعمال التأهيل في مطار المزة، مطالبين بوقف أي أعمال تطال الأراضي والعقارات التي يقولون إنها تعود لأهالي المدينة، وإعادة فتح ملف الاستملاك الذي يمتد لعقود.
وفي بيان صدر على خلفية التحركات الأخيرة، طالب الأهالي بوقف أعمال التجريف والتأهيل والإنشاءات على العقارات محل النزاع، وفتح تواصل رسمي مع اللجنة التي تتابع ملف الاستملاك للوصول إلى تسوية بشأن حقوق المالكين.
كما دعوا إلى حماية المواقع التي يشتبه بوجود رفات أو أماكن دفن فيها، وعدم تنفيذ أي أعمال قد تمس الأدلة المرتبطة بملف المفقودين.
لكن الخلاف الذي أعاد مشروع مطار المزة إلى الواجهة لا يبدأ مع الأعمال الحالية، فالوثائق التي يحتفظ بها القائمون على ملف الاستملاك في المعضمية توثق مراحل متعاقبة من نقل الملكية ووضع اليد، بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي، وتوزعت لاحقاً بين جهات عسكرية وحكومية ومؤسسات عامة، فيما يختلف الوضع القانوني من عقار إلى آخر.
من مطار المزة إلى الإسكان.. كيف انتقلت أراضي المعضمية؟
ويقول المسؤول القانوني لملف الاستملاك معتز صوان في حديثه لـ”الحل نت”، إن ملفات الاستملاك تعود إلى الفترة بين عامي 1930 و1940، وتضم عقوداً ووثائق توثق مراحل انتقال مساحات واسعة من أراضي المدينة إلى جهات مختلفة.

وبحسب صوان، بدأ أول استملاك موثق عام 1940، عندما شمل العقار رقم 2299، بمساحة تقارب 800 دونم، وهو العقار الذي أُقيم عليه ميناء دمشق الجوي (مطار المزة).
ويقول:”بدأت الاستملاكات في المعضمية عام 1940، استملاك مطار المزة العقار 2299، سجل باسم الجمهورية الفرنسية”.
وخلال فترة الوحدة مع مصر، انتقلت مرحلة جديدة من الاستملاك إلى العقارات 2422 و2423 و2424 و2425، وسُجلت باسم الجمهورية العربية المتحدة، الإقليم الشمالي، وزارة الحربية، ويقدر صوان مساحتها مجتمعة بنحو 3500 دونم.
ثم توالت استملاكات أصغر، تراوحت بين عشرات ومئات الدونمات، قبل أن تتوسع العملية لاحقاً عبر جهات حكومية. ويقول صوان: “محافظة دمشق استملكت ما يقارب 12,500 دونم، ما يقارب 28 بالمئة من كامل مساحة المعضمية، والإسكان استملكت ما يقارب 9,000 دونم، ما يقارب 22 بالمئة من كامل مساحة المعضمية”.

وفي مقابل هذه الاستملاكات الرسمية، يتحدث صوان عن مساحات أخرى بقيت تحت سيطرة جهات عسكرية من دون تسجيل إشارة استملاك عليها. ويقدر مساحة تلك الأراضي، ولا سيما في جبال المعضمية، بنحو 15 ألف دونم، ويضيف لحد الآن هذا ضمن وضع يد، ما عليهم أي إشارة استملاك”.
أما تعويضات المؤسسة العامة للإسكان، فيقول صوان إنها انقسمت إلى بدل نقدي وآخر عيني. ووفق قوله، حُدد البدل العيني بما يعادل 10 بالمئة من المساحة المستملكة، على ألا يتجاوز احتسابه مساحة 6 دونمات. ويوضح: “يعني أنا استملكوا مني 30 دونم، بيعوضوني بس عن 6 دونمات، 600 متر هواء طوابق، وما بسلموني ياها معمّرة. أنا بدي أروح آخد استلام مخصص، وأدفع رسوم التخصيص ورسوم الرخصة، وإلى آخره”.
ويجعل اختلاف طريقة انتقال هذه الأراضي وضع كل عقار مختلفاً عن الآخر؛ إذ لا يتساوى عقار صدر بشأنه مرسوم استملاك مع أرض بقيت تحت وضع اليد من دون قرار رسمي.
وتعود المراسيم التي يستند إليها جزء كبير من ملف استملاك أراضي معضمية الشام إلى عهد حافظ الأسد، ووفق الوثائق شملت المرسوم رقم 2076 لعام 1975، والمرسوم رقم 167 لعام 1976، والمرسوم رقم 5 لعام 1981 لصالح المؤسسة العامة للإسكان، قبل أن يصدر المرسوم رقم 2431 لعام 1985 لصالح محافظة دمشق.
ورغم تغير السلطة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ما زالت مؤسسات الدولة تعتمد في قضايا الاستملاك على الإطار التشريعي السابق، وفي مقدمته المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 وتعديلاته، فقد أحال المرسوم رقم 114 لعام 2025، الذي عدّل بعض أحكام قانون الاستثمار، صراحة إلى أحكام قانون الاستملاك لعام 1983 عند نزع الملكية.
وشكلت محافظة ريف دمشق في 2025 لجنة لدراسة الاستملاكات غير المنفذة، إلا أن صوان يقول إن أهالي المعضمية لم يتوصلوا معها حتى الآن إلى أي نتيجة بشأن ملف أراضيهم.
ماذا بقي قانونياً لأصحاب الأرض؟
ولا يجمع ملف أراضي معضمية الشام وضع قانوني واحد، فبعض العقارات شملتها مراسيم استملاك، بينما بقيت مساحات أخرى تحت سيطرة جهات عسكرية أو حكومية من دون مرسوم، كما تختلف الملفات بحسب نقل الملكية ودفع التعويض.
ويقول صوان إن نحو 15 ألف دونم من جبال المعضمية ما زالت، وفق الوثائق التي يتابعها، تحت وضع اليد من دون إشارة استملاك.
ويفرق المحامي المعتصم الكيلاني في حديثه لـ”الحل نت” بين هذه الحالات، ففي الأراضي التي لا يشملها مرسوم، يقول: “إذا لم يصدر مرسوم يشمل العقار، أو أُلغي المرسوم، فالمطالبة برد الأرض ورفع اليد عنها هي الطلب الذي ينبغي بحثه أولاً، مع طلب التعويض عن الضرر وفق الوقائع”.
ويختلف الأمر عندما تكون الجهة المستملكة قد استكملت الإجراءات. ويوضح الكيلاني: “إذا صدر مرسوم صحيح واستُكملت إجراءات نقل الملكية، فالأصل فحص حق المالك في بدل الاستملاك والفوائد، لا افتراض عودة الأرض إليه”.
ولا يحسم عمر القرارات إمكانية المطالبة بالحقوق، يقول الكيلاني إن “مرور الزمن لا يغلق جميع المطالبات، لكنه قد يغلق طريقاً معيناً”.
فدعوى إلغاء قرار إداري قد ترتبط بمهل محددة، بينما يختلف الأمر عندما يتعلق النزاع بوضع يد بلا مرسوم، أو تعويض لم تدفعه الجهة المعنية، أو إجراءات لم تستكملها.
وفي ملف التعويضات، ينص قانون الاستملاك لعام 1983 على دفع البدل أو إيداعه لمصلحة صاحبه خلال 5 سنوات، مع فوائد في حالات التأخير، لكن الكيلاني يشدد على أن “التأخير لا يؤدي إلى إعادة تقدير القيمة” إذا اكتسب التقدير السابق الدرجة القطعية. أما إذا لم تحدد الجهة البدل أصلاً أو لم تثبت دفعه أو إيداعه، فتحتاج كل حالة إلى مراجعة ملفها ووثائقها.
وبحسب الكيلاني، “تغيير الاستعمال لا يعيد الملكية تلقائياً”، إذ قد يستمر النفع العام مع الاستخدام المدني. لكن إدخال مرافق تجارية أو استخدامات خاصة يتطلب، وفق قوله، فحص مرسوم كل عقار والغرض الذي حدده له، وسند الاستخدام الجديد، وما إذا كانت الجهات المعنية قد سوّت حقوق المالكين.
وإلى جانب النزاع القانوني على الأرض، أعادت أعمال مطار المزة فتح ملف آخر يرتبط بالمفقودين والرفات المحتملة داخل الموقع.
مطار المزة.. الأرض تحمل ملف المفقودين أيضاً
لا يرتبط اعتراض أهالي معضمية الشام على أعمال مطار المزة بملكية الأرض وحدها. فالموقع نفسه يرتبط بملف الاعتقال والإعدامات خلال سنوات نظام الأسد، فيما تتحدث تقارير حقوقية عن مواقع يشتبه باحتوائها على مقابر جماعية.
ونشر المركز السوري للعدالة والمساءلة في 16 أيلول/سبتمبر 2026 تقريراً بعنوان “البناء فوق مسرح جريمة“، تناول فيه أدلة ووثائق مرتبطة بإعدام معتقلين والتخلص من رفاتهم في مطار المزة العسكري.
وبحسب التقرير، تعود بعض الوثائق إلى عام 2012، وتظهر مراسلات على مستويات عسكرية بشأن نقل تنفيذ أحكام إعدام صادرة عن المحاكم الميدانية العسكرية من سجن صيدنايا إلى مطار المزة.
كما ربط المركز هذه المعطيات بملف البحث عن مواقع دفن محتملة داخل المطار، وبضرورة الحفاظ على الموقع والأدلة قبل أي أعمال قد تغير معالمه.
ويضع أهالي المعضمية هذا الملف ضمن أسباب اعتراضهم على استمرار أعمال التأهيل. يقول مصطفى العكش، عضو رابطة الاستملاك في المعضمية “حالياً بمطار المزة بدأوا بإنشاء مطار مدني على مقابر أولادنا”، ويضيف: “نحنا بالنسبة إلنا كل مطار المزة مقابر جماعية بالنسبة إلنا”.
وضم الأهالي إلى مطالبهم العقارية مطلباً يتعلق بالمفقودين أيضاً، فقد دعوا في بيانهم إلى التعامل بحذر مع ملف المقابر والرفات المحتملة، وحماية الأدلة وكرامة الضحايا قبل تنفيذ أعمال إنشائية أو استثمارية في المواقع محل الاشتباه.

وبذلك يضيف مشروع إعادة تأهيل المطار إلى نزاع الملكية سؤالاً آخر يتعلق بمصير الأدلة والرفات المحتملة، وبالإجراءات التي تسبق استمرار العمل في الموقع.
بماذا يطالب أهالي المعضمية
جاءت الاحتجاجات الأخيرة بعد سلسلة من المراجعات والمخاطبات التي يقول أهالي معضمية الشام إنها لم تؤد إلى معالجة ملف الاستملاك أو وقف الأعمال الجارية في المنطقة.
ويقول العكش: “بعد ما استنفذنا كل السبل، خاطبنا محافظ مدينة دمشق، خاطبنا كل جهة مسؤولة عن الاستملاك، وما شفنا منهم غير الطناش”، ويضيف أن غياب أي إشارة إلى إمكانية إعادة الأراضي أو تسوية أوضاعها دفع الأهالي إلى النزول إلى الشارع.
ويركز بيان الأهالي على أربعة مطالب، أولها وقف أعمال التجريف والتأهيل والإنشاءات في العقارات والأراضي محل النزاع، وتجميد القرارات المرتبطة بالاستملاك، كما يطالبون بفتح تواصل رسمي ومباشر مع اللجنة التي تتابع الملف، للوصول إلى تسوية بشأن الملكيات وحقوق أصحابها.
ويشمل المطلب الثالث بحث إعادة العقارات أو معالجة أوضاعها قانونياً، فيما يتعلق المطلب الرابع بملف المفقودين، من خلال حماية المواقع التي يشتبه بوجود رفات أو أماكن دفن فيها قبل استكمال أي أعمال داخل محيط المطار.
ويربط العكش بين الاحتجاج الحالي واستمرار العمل في مطار المزة، قائلاً إن الأهالي لم يتلقوا، حتى الآن، ما يشير إلى حسم ملف الأراضي المتداخلة مع المشروع.
وتبقى أسئلة مطروحة على الجهات الحكومية المعنية، بينها ما إذا كانت ستتوصل إلى تسوية مع أهالي المعضمية بشأن الأراضي التي استُملكت أو وُضع اليد عليها خلال عهدي حافظ وبشار الأسد، وما إذا كانت ستعيد بعض العقارات أو تقدم تعويضات لأصحابها. كما يبقى مصير الأعمال في مطار المزة مرتبطاً بحسم نزاعات الملكية والتحقق من المواقع المشتبه باحتوائها على رفات.
ويبقى ملف أراضي معضمية الشام مفتوحاً بين حالات قانونية مختلفة، من استملاك رسمي إلى وضع يد وتعويضات قديمة لم تُحسم آثارها بالطريقة نفسها. ويقول المحامي المعتصم الكيلاني إن تحديد المسار المتاح يبدأ بفحص وضع كل عقار على حدة، وما إذا كان قد شمله مرسوم استملاك، ونُقلت ملكيته، ودُفع بدل الاستملاك أو أُودع لصاحبه.
في المقابل، يطالب الأهالي بوقف الأعمال الجارية على الأراضي محل النزاع إلى حين معالجة حقوق المالكين، بالتوازي مع حماية المواقع المرتبطة بملف المفقودين والرفات المحتملة داخل مطار المزة.
وبين سجلات الاستملاك القديمة، وأعمال المطار الحالية، ومواقع الدفن المحتملة، يبقى حسم الملف مرتبطاً بتحديد الوضع القانوني لكل عقار، وما ستتخذه الجهات الحكومية بشأن مطالب أصحابه.
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟
- كم تحتاج أسرة سورية من 5 أفراد للعيش شهرياً؟
- بانتظار الدمج.. معاملات المواطنين معلقة لدى مديرية النقل في الحسكة
- البنزين يعبر سوريا إلى العراق.. تفاصيل أول شحنة بعد تعطل حركة “هرمز”

