رغم رفع تصنيف الإرهاب.. ما الذي يعرقل الاستثمار الأميركي في سوريا؟

العلم السوري والأميركي
العلم السوري والأميركي

تتجدد الضغوط داخل الولايات المتحدة لتخفيف القيود المفروضة على تصدير السلع والتكنولوجيا إلى سوريا، بعدما اعتبر مشرّعون أميركيون أن استمرار بعض الإجراءات التنظيمية يعرقل دخول الشركات الأميركية إلى السوق السورية، ويحدّ من فرص مشاركتها في مشاريع التعافي الاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية، رغم التغييرات التي طرأت على السياسة الأميركية تجاه دمشق خلال العام الماضي.

وتأتي هذه المطالبات بعد قرار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 24 آب/ أغسطس 2026، إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، في خطوة استهدفت إزالة أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار الخاص، لكن القرار لم يؤدِّ تلقائياً إلى إنهاء جميع القيود المرتبطة بتصدير المنتجات والتقنيات الأميركية، ما أبقى بعض الشركات أمام متطلبات ترخيص ومراجعة قد تستغرق أشهراً، وفق تقرير نشره موقع “المونيتور”، أمس الاثنين.

قيود باقية رغم تغيير السياسة الأميركية

يتمثل جوهر الخلاف في استمرار إدراج سوريا ضمن الفئة “E:1” في لوائح إدارة التصدير الأميركية، رغم رفع تصنيفها لدى وزارة الخارجية، ويرى مؤيدو تخفيف القيود أن هذا التباين التنظيمي يحدّ من الأثر الاقتصادي المتوقع للقرار السياسي، ويجعل الشركات الأميركية أقل قدرة على المنافسة في سوق تحتاج إلى معدات متخصصة وتكنولوجيا حديثة لتطوير قطاعاتها الإنتاجية والخدمية.

ونقل “المونيتور” عن عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون تحذيره من أن استمرار القيود يؤخر وصول التكنولوجيا الأميركية إلى سوريا، وقد يدفع دمشق إلى التوجه نحو الصين للحصول على بدائل، ليعكس هذا التحذير جانباً من النقاش داخل واشنطن بشأن تداعيات القيود التجارية، ليس على فرص التعافي السوري فحسب، بل أيضاً على قدرة الشركات الأميركية على الاستفادة من الفرص التجارية المتاحة في مرحلة إعادة البناء.

الكونغرس الأميركي- إنترنت

ولا تعني هذه المطالبات أن جميع الصادرات الأميركية إلى سوريا محظورة حالياً؛ إذ سبق لوزارة التجارة أن خففت جانباً مهماً من الضوابط، غير أن بقاء متطلبات الترخيص على فئات من السلع والتقنيات، إلى جانب القيود المرتبطة بالمستخدم النهائي والغرض من الاستخدام، يضيف مستويات من التدقيق والوقت والتكلفة إلى بعض المعاملات التجارية، وهو ما قد يؤثر في قرارات الشركات بشأن دخول السوق السورية.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في ظل حاجة سوريا إلى استثمارات في الكهرباء والمياه والاتصالات والطيران وغيرها من القطاعات الأساسية، التي يتطلب تطويرها في بعض الحالات تجهيزات وبرمجيات وتقنيات لا يتوافر لها بديل مناسب بسهولة.

ما الذي يعنيه تصنيف “E:1″؟

يشير تصنيف “E:1” إلى إحدى الفئات الواردة في لوائح إدارة التصدير الأميركية (EAR)، التي يشرف على تطبيقها مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة، ويرتبط هذا التصنيف بقيود إضافية على التصدير إلى دول مدرجة ضمنه، ويشمل نطاق الرقابة بعض السلع والبرمجيات والتكنولوجيا الأميركية، ولا سيما المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكن توظيفها لأغراض مدنية أو عسكرية.

 كما قد تشمل الضوابط منتجات مصنّعة خارج الولايات المتحدة إذا استوفت معايير الخضوع للوائح الأميركية، ومنها قواعد تتعلق بنسبة المحتوى الأميركي الخاضع للرقابة.

ويكمن التعقيد في أن تصنيف الدول الراعية للإرهاب لدى وزارة الخارجية الأميركية يختلف قانونياً وإدارياً عن تصنيفات الرقابة على الصادرات التي تطبقها وزارة التجارة، لذلك، فإن إلغاء التصنيف الأول لا يؤدي بالضرورة إلى حذف الدولة من الفئة “E:1″، ما لم تُستكمل الإجراءات التنظيمية اللازمة لتعديل اللوائح ذات الصلة.

 ومن هنا، تتركز مطالب المشرّعين على مواءمة ضوابط التصدير مع التحول في السياسة الأميركية تجاه سوريا، وتخفيف العقبات التي لا تزال تواجه الشركات الراغبة في العمل فيها.

تسهيلات سابقة لم تنه القيود

كانت وزارة التجارة الأميركية قد اتخذت بالفعل خطوات لتسهيل التجارة مع سوريا في 2 أيلول/ سبتمبر 2025، عندما دخلت تعديلات على لوائح إدارة التصدير حيز التنفيذ.

 وبموجب هذه التعديلات، أصبح بالإمكان تصدير معظم السلع المصنفة ضمن فئة “EAR99” إلى سوريا، أو إعادة تصديرها إليها، باستخدام استثناء “السلام والازدهار في سوريا”  (SPP)، من دون الحصول على ترخيص تصدير منفصل، شريطة استيفاء الشروط وعدم وجود أسباب أخرى تستوجب الترخيص، تتعلق بالمستخدم النهائي أو الاستخدام النهائي أو العقوبات المفروضة على جهات محددة.

اعتبر مشرّعون أميركيون أن استمرار بعض الإجراءات التنظيمية يعرقل دخول الشركات الأميركية إلى السوق السورية- إنترنت

وتضم فئة “EAR99” منتجات خاضعة للوائح إدارة التصدير الأميركية، لكنها غير مدرجة على قائمة الرقابة التجارية (CCL)، أما المنتجات المدرجة على هذه القائمة، فلا تزال تحتاج في الأصل إلى تراخيص، ما لم ينطبق عليها أحد الاستثناءات المسموح بها.

وفي الوقت نفسه، اعتمد مكتب الصناعة والأمن سياسة ترجّح الموافقة على طلبات ترخيص تصدير المنتجات المدرجة على القائمة عندما تكون مخصصة لاستخدامات تجارية ومدنية تدعم التنمية الاقتصادية السورية أو احتياجات السكان، بما في ذلك تحسين خدمات الاتصالات وإمدادات المياه والصرف الصحي وتوليد الكهرباء والطيران المدني، وتخضع الطلبات الأخرى للمراجعة وفق طبيعة المنتج والاستخدام المقصود منه ومتطلبات الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية.

كيف تعرقل التراخيص دخول الشركات؟

توضح هذه التسهيلات أن الخلاف الحالي لا يتعلق بالعودة إلى نظام الحظر الشامل الذي كان مفروضاً على نطاق واسع، بقدر ما يتعلق بإزالة ما تبقى من عوائق أمام صادرات محددة وتبسيط الإجراءات المرتبطة بها، فحتى عندما تكون الموافقة على التصدير مرجحة، قد يضطر المورد إلى دراسة التصنيف الفني للمنتج، والتحقق من المستخدم النهائي، وإعداد مستندات الترخيص وانتظار قرار الجهات المختصة، ليزيد هذا التعقيد أهمية بالنسبة إلى الشركات التي تحتاج إلى جداول زمنية واضحة لتنفيذ العقود وتقدير تكاليف المشاريع.

ومن الناحية الاستثمارية، لا تقتصر آثار هذه الإجراءات على قيمة الصادرات وحدها؛ إذ يمكن أن تمتد إلى توقيت تنفيذ المشاريع وتكلفتها، وإلى قرارات الشركات بشأن تخصيص الموارد والدخول في شراكات طويلة الأجل، فالمستثمر الذي يخطط لتوريد معدات لمحطة كهرباء أو تطوير شبكة اتصالات يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت المعدات متاحة قانونياً، وما إذا كان الحصول على الترخيص سيستغرق وقتاً يتناسب مع الجدول التنفيذي للمشروع، وفي المقابل، فإن تخفيف القيود لا يضمن تدفق الاستثمارات تلقائياً، لكنه قد يزيل بعض العقبات أمامها.

وتبقى هناك اعتبارات أخرى تؤثر في جاذبية السوق السورية، من بينها المخاطر التجارية والتمويلية، ومدى وضوح القواعد التنظيمية، والقدرة على تنفيذ العقود وتحويل المدفوعات، ولذلك، فإن رفع القيود المتبقية عن الصادرات الأميركية يمثل عاملاً مساعداً ضمن مجموعة أوسع من الشروط اللازمة لاستقطاب الاستثمارات، وليس بديلاً عن معالجة المخاطر التي تواجه الشركات.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم