بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟

الصناعة السورية

لم يكن فتح السوق السورية أمام الواردات بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 مجرد تحول في السياسة التجارية، بل وضع الصناعة المحلية أمام اختبار لم تكن مستعدة له.

فبعد سنوات من الحرب والعقوبات ونقص الاستثمار، وجدت مصانع سورية نفسها مطالبة بمنافسة منتجات أجنبية أقل كلفة، في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل وتعثرت قنوات التمويل، ما دفع بعضها إلى خفض الإنتاج أو الإغلاق وتسريح العمال.

110 عمال خارج المصنع

تبرز قصة مصنع الغزل الذي يملكه محمد عيطة في ريف دمشق حجم الصدمة، فبحسب تقرير لـ”فايننشال تايمز”، أدى تدفق الغزول المصرية الرخيصة إلى إجبار المصنع على البيع بخسارة، قبل أن يتوقف عن الإنتاج بعد أقل من عام على فتح السوق، ويسرّح نحو 110 عمال، قائلاً إن تكاليف الإنتاج في مصر أقل في مختلف بنودها تقريباً، ما يجعل منافسة المنتج السوري على السعر شديدة الصعوبة.

وتكشف الحالة عن معضلة أوسع تواجهها الصناعة السورية، فتحرير التجارة يتيح للمستهلك الوصول إلى سلع أرخص، لكنه يضع المنتج المحلي في مواجهة منافسين يمتلكون طاقة أرخص وتمويلاً أفضل وتكنولوجيا أحدث وسلاسل توريد أكثر كفاءة.

أدى تدفق الغزول المصرية الرخيصة إلى إجبار المصنع على البيع بخسارة، قبل أن يتوقف عن الإنتاج بعد أقل من عام على فتح السوق- إنترنت

ويقول معاون وزير الاقتصاد السوري لشؤون الصناعة، محمد حورية، إن على الصناعيين التكيف مع المنافسة، معتبراً أن عقوداً من العمل في سوق مغلقة خلقت نموذجاً صناعياً اعتاد بيع المنتج بحكم غياب المنافس الأجنبي، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن ارتفاع أسعار الكهرباء ونقص التمويل المصرفي يمثلان تحديين أساسيين سيحتاج حلهمإلى سنوات.

ولا تقتصر المشكلة على كلفة الطاقة، فسنوات الحرب والعقوبات حدّت من قدرة المصانع على تحديث آلاتها، ما أضعف الإنتاجية والجودة مقارنة بمنتجات مستوردة.

التمويل.. الحلقة الأضعف

 كما أن ضعف القطاع المصرفي يجعل تمويل تحديث خطوط الإنتاج أو شراء الآلات أكثر صعوبة، في وقت تحتاج فيه الشركات إلى استثمارات كبيرة حتى تتمكن من خفض كلفة الوحدة المنتجة ومنافسة السلع القادمة من الخارج، ويؤكد صندوق النقد أن إصلاح القطاع المصرفي وإعادة تأهيله يمثلان من الأولويات العاجلة للاقتصاد السوري.

تزداد المفارقة حدة مع السياسة الجمركية، فقد اشتكى منتجون من أن النظام الجمركي الذي طُبق بعد الانتقال السياسي فرض أعباء مرتفعة على بعض المواد الخام، بينما دخلت سلع مصنّعة منافسة برسوم أقل، وهو ما جعل استيراد المنتج النهائي في بعض الحالات أكثر جدوى من تصنيعه محليًا.

وأقرت وزارة الاقتصاد لاحقاً بتعديلات جمركية ومعايير جودة أكثر تشدداً لبعض الواردات، في استجابة لضغوط الصناعيين، ما سمح لبعض المنشآت المتوقفة باستئناف العمل جزئياً.

نمو الاقتصاد لا يكفي

في الوقت نفسه، لا يعني تحسن المؤشرات الكلية أن الصناعة استعادت عافيتها، فقد قدر البنك الدولي نمو الاقتصاد السوري في 2025 بنحو 1 بالمئة في تقييمه الصادر منتصف العام، بينما يرى صندوق النقد في آب/ أغسطس الماضي أن الاقتصاد يتجه إلى نمو من خانتين خلال 2026، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز والكهرباء والتجارة والخدمات، لكن الصندوق يؤكد في الوقت ذاته أن الفقر لا يزال واسع الانتشار وأن النمو غير متكافئ بين المناطق.

ويرى الاقتصادي كرم شعار أن جانباً كبيراً من النمو الحالي مرتبط بالدعم والانفتاح الدولي أكثر من كونه نتيجة لتعافٍ محلي واسع، منتقداً تركيز الحكومة على تحرير التجارة ورفع الدعم من دون معالجة كافية لأوضاع الفئات الأكثر تضرراً.

قدر البنك الدولي نمو الاقتصاد السوري في 2025 بنحو 1 بالمئة في تقييمه الصادر منتصف العام- إنترنت

وفي محاولة لتغيير دور الدولة، وقعت وزارة الاقتصاد عقوداً مع مستثمرين من القطاع الخاص لإعادة تأهيل وتشغيل أكثر من 100 مصنع مملوك للدولة، ضمن توجه معلن للخروج من النشاط الإنتاجي المباشر.

 ويقول حورية إن الهدف هو انتقال الدولة من المنتج إلى المنظم، بحيث يتولى القطاع الخاص تشغيل المصانع وإعادة تطويرها.

لكن بالنسبة إلى المصنع السوري الخاص، لا تبدو المشكلة في الانفتاح وحده، بل في شروط المنافسة، ففتح السوق لا يمنح المنتج المحلي قدرة تلقائية على خفض كلفته، خصوصاً إذا ظل يعاني من كهرباء مرتفعة الكلفة، وتمويل محدود، وآلات متقادمة، ومدخلات إنتاج مرتفعة الرسوم.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم