منذ أيام، تبدو خريطة القتال في اليمن مختلفة عن الصورة التي استقرت عليها الجبهات خلال السنوات الماضية، عمليات عسكرية متزامنة تتحرك في الجوف والبيضاء ومأرب وتعز، وغارات جوية تضرب مواقع وتعزيزات لجماعة “الحوثي” الموالية لطهران، فيما تحاول القوات الحكومية تحويل الاختراقات الأولى إلى مكاسب ميدانية.
ولا تكفي هذه التطورات، حتى الآن، للقول إن ميزان الحرب انقلب بصورة حاسمة ضد جماعة الحوثي، لكنها تتجاوز، في توقيتها واتساعها، مجرد الاشتباكات المتفرقة على الجبهات المتعددة.
وبصورة أوضح، فإن ما يجري هو تحرك عسكري متزامن على عدة جبهات، يضع جماعة “الحوثي” أمام ضغط متزامن على أكثر من محور، في وقت تظهر فيه المؤشرات على خسائر بشرية ومادية، ومحاولات حثيثة لتعويض النقص في المقاتلين.
الجوف.. اختبار للزخم الجديد
بحسب المركز الإعلامي للقوات الحكومية، تواصل القوات تقدمها لليوم الثالث على التوالي شرقي مدينة الحزم، مركز المحافظة، وتمكنت من السيطرة على مواقع في المطهفات وتبة المصارية والتباب المجاورة شمال اللبنات العليا، إضافة إلى قطع خطوط إمداد جماعة “الحوثي” في الجبهات الشرقية.

وتحدث المصدر العسكري عن امتداد العمليات والسواتر والخنادق على مسافة تقارب 20 كيلومتراً، من مواقع الدحيضة مروراً بالسعراء وصولاً إلى بئر المرازيق.
وفي محور الحشوة، تتحدث المعلومات الميدانية عن هجوم باتجاه معسكر “طيبة الاسم”، بينما تستمر المعارك حول معسكر اللبنات، حيث تقول المصادر إن القوات الحكومية تحاصر مجموعات من مقاتلي جماعة “الحوثي”، بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي.
البيضاء ومأرب.. توسيع مساحة الضغط
في البيضاء، أعلنت قوات العمالقة قبل يومين، بدء هجوم واسع تمكنت خلاله، وفق المعلومات الميدانية، من كسر خطوط الدفاع الأولى لجماعة “الحوثي” في مديرية الزاهر والسيطرة على حيد الخزان والمجريش ومفرق ذي أمخشب، والسيطرة جزئياً على حيد المعلا.
وردت جماعة “الحوثي” بإرسال تعزيزات باتجاه الزاهر وذي ناعم، ومناطق أخرى في المحافظة.
أما في مأرب، فقد أفادت مصادر عسكرية اليوم الأربعاء، باستعادة القوات الحكومية مواقع في منطقة العكد جنوب المحافظة، إلى جانب مواقع في الجبهة الشمالية الغربية باتجاه معسكر “ماس”.
وقالت المصادر إن وحدات من المنطقة العسكرية السابعة، شنت هجوماً مكثفاً تمكنت خلاله من اختراق دفاعات جماعة “الحوثي” والتقدم باتجاه المعسكر، فيما استهدفت المقاتلات تعزيزات للجماعة في صرواح.

وإذا استمر هذا النمط، فإن جماعة “الحوثي” لن تكون مضطرة فقط للدفاع عن مواقعها، بل إلى توزيع قواتها وتعزيزاتها بين عدة جبهات في وقت واحد.
تعز.. جبهة الهجوم والدفاع معاً
في غرب تعز، تبدو المعركة أكثر تعقيداً، ففي حين بدأت القوات الحكومية، وفق مصادر ميدانية، عملية عسكرية لاستعادة القرى في المنطقة الممتدة بين مقبنة وجبل حبشي والمعافر، وشنت غارات على مواقع وتجمعات وتعزيزات لجماعة “الحوثي” في البرح والمناطق المحيطة، دفعت الجماعة بتعزيزات كبيرة إلى جبهات الوازعية.
وقالت مصادر ميدانية لـ”الحل نت” إن جماعة “الحوثي” كثفت هجماتها على تبة السنترال وتباب القفل وتبة الخزان ومفرق الكدحة ومنطقة الغيل، في محاولة للتقدم باتجاه الوازعية وموزع وصولاً إلى المخا.
وفي المقابل، دفعت القوات الحكومية بتعزيزات من قوات درع الوطن وألوية العمالقة، وتمكنت، وفق المصادر نفسها، من إحراز تقدم في جبهة الكدحة واستعادة جبل الكورة الواقع بين المعافر والوازعية. كما أفاد الإعلام العسكري بأسر قيادي “حوثي” مسؤول عما تسمى “قوة التدخل السريع” في جبهة البرح.
وتحدثت قناة “الجمهورية”، نقلاً عن مصادر عسكرية، عن غارة جوية استهدفت اجتماعاً لقيادات “حوثية” في البرح، بينهم مسؤول كبير فيما تسمى وزارة الدفاع، مع ترجيحات بمقتلهم.
ورغم ذلك ما تزال جماعة “الحوثي” قادرة على شن هجمات مضادة ودفع تعزيزات كبيرة، بينما تظل الوازعية وموزع والمخا مناطق ذات حساسية استراتيجية، لقربها من الساحل الغربي ومضيق باب المندب.
ولهذا، فإن معركة تعز قد تكون من أهم اختبارات قدرة القوات الحكومية على الجمع بين الدفاع والهجوم في وقت واحد.
خسائر بشرية ومحاولات لتعويض المقاتلين
بالتوازي مع التطورات الميدانية، ظهرت مؤشرات على ضغوط بشرية تواجهها جماعة “الحوثي”. ونقل الصحفي فارس الحميري، عن زوار لمستشفى الكويت في صنعاء وسكان في المنطقة، أن أعداداً كبيرة من الجثامين وصلت إلى المستشفى خلال الساعات الماضية، وأن الثلاجة لم تعد تتسع لها، ما دفع إلى استخدام حاويات تبريد في حوش المستشفى.
وتحدثت المعلومات عن وصول سيارات إسعاف وأطقم عسكرية محملة بالجثامين، بينها سيارات تابعة لمكاتب صحية في محافظات عدة، إضافة إلى سيارات تابعة لمنظمة دولية.
وفي السياق، قالت مصادر قبلية وحقوقية لـ”يمن فيوتشر” إن جماعة “الحوثي” كثفت عمليات استقطاب وتجنيد مقاتلين جدد في صنعاء وعمران وحجة وصعدة وذمار وإب، بما في ذلك الضغط على الأسر لدفع أبنائها إلى التجنيد، وتحدثت عن استقطاب قاصرين وطلاب ونقل بعض المجندين إلى تدريبات عسكرية ثم إلى جبهات القتال.
وإذا صحت هذه الإفادات، فإنها قد تعني أن جماعة “الحوثي” تحاول سد فجوة بشرية متزايدة بفعل اتساع القتال والخسائر.
إيران أمام اختبار جديد في اليمن
قالت صحيفة “ذا جيروزاليم بوست“، إن تراجع قوة جماعة “الحوثي” تحت ضغط العمليات العسكرية قد يتحول إلى اختبار لقدرة إيران على مواصلة دعم حلفائها في المنطقة، مشيرة، في تحليل للصحفي سيث فرانتزمان، إلى أن طهران تواجه واقعاً إقليمياً مختلفاً عن ذلك الذي كانت تتحرك فيه قبل عقد، مع تراجع قوة عدد من الفصائل المرتبطة بها.

وتقوم هذه الفرضية على أن الضغوط العسكرية التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها قد تقلص قدرتها على نقل الأسلحة والخبرات والمكونات اللازمة لتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة.
وأثبتت جماعة “الحوثي” خلال سنوات الحرب، قدرتها على تطوير تكتيكاتها، وإنتاج جزء من احتياجاتها محلياً، والاستفادة من شبكة واسعة من خطوط التهريب والخبرات.
ومع ذلك، فإن استمرار الضغط العسكري المتزامن يضع هذه القدرة أمام امتحان حقيقي، خصوصاً إذا ترافق مع دعم جوي وإقليمي، يسمح للقوات الحكومية باستغلال الاختراقات بدلاً من التوقف عندها.
وهنا تبرز ملاحظة الخبير الأميركي مايكل نايتس، الذي يرى أن جماعة “الحوثي” تكون أكثر ضعفاً في الدفاع عن المدن والمناطق الساحلية، بينما يصبح طردها من المرتفعات أكثر صعوبة، وأن نجاح أي هجوم يحتاج إلى تحرك متزامن من اتجاهات متعددة وقدرة على إرسال قوات إضافية بعد الاختراق الأول.
وفي الاتجاه نفسه، قالت السفارة الأميركية لدى اليمن، إن جماعة “الحوثي” وداعميها الإيرانيين “أخطأوا في حساباتهم”، عندما استهانوا بعزم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، على إنهاء ما وصفته بـ”العدوان الحوثي”.
واعتبرت السفارة أن ممارسات الجماعة المدعومة من طهران أسهمت في إشعال التصعيد الحالي، مستندة إلى بيان مجلس الأمن الصادر في السابع من آب/ أغسطس الماضي، والذي حمّل جماعة “الحوثي” مسؤولية التوتر.
هل يتغير ميزان الحرب في اليمن؟
هذه المرة، لا تتحرك الجبهات اليمنية على إيقاع اشتباك عابر، حيث تتعرض جماعة “الحوثي” لضغط بري وجوي في الجوف والبيضاء ومأرب وتعز، بينما تتعرض خطوط إمدادها للاستهداف وتدفع قواتها إلى القتال على أكثر من محور.

وإذا تمكنت القوات الحكومية من الحفاظ على هذا الإيقاع، وتأمين ما تستعيده ثم البناء عليه، فقد لا تكون العمليات الحالية مجرد جولة جديدة من جولات الحرب، بل محاولة فعلية لانتزاع زمام المبادرة وتغيير ميزان القوى.
وفي المقابل، لا تزال جماعة “الحوثي” قادرة على شن هجمات مضادة، إرسال تعزيزات، استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، والاحتفاظ بمواقع مهمة.
وأعلن المتحدث باسم التحالف العربي، اللواء تركي المالكي، أن جماعة “الحوثي” استهدفت أعياناً اقتصادية ومدنية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، متحدثاً عن إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال.
كما تحدثت مصادر “ديفانس لاين” عن رصد إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة من مناطق في حجة وصعدة وعمران ونهم وصرواح والجوف. وفي المقابل، أعلنت جماعة “الحوثي” أنها تعرضت لـ48 غارة جوية خلال 12 ساعة في محافظات عدة، متوعدة بالرد.
- جبهات مشتعلة وتراجع “حوثي”.. هل بدأت مرحلة جديدة في اليمن؟
- لامين عينه على دوري الأبطال.. وفخور بقيادة برشلونة رغم صغر سنه
- من جبل الشيخ.. نتنياهو يربط بقاء إسرائيل جنوب سوريا بمواجهة إيران
- أكثر من 2500 ملف أمام القضاء السوري في مسار العدالة الانتقالية
- خسائر ونفوق في قطاع الدواجن.. مطالب بضبط الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي

